//Put this in the section

الجائحة بين الخيال والواقع! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

منذ تفشي جائحة «كوفيد – 19»، ولا حديث في الإعلام أهم منها، فهناك أعداد كبيرة من الناس مشغولة بالبحث الجدي والعلمي عن أسباب المرض وأعراضه، وفريق آخر انقسم إلى قسمين؛ أولهما يتتبع أقوال أشهر المنجمين الذين «توقعوا» حصول «شيء كبير يهز العالم»، وهي عبارة رمادية ومطاطة جداً وتتحمل أكثر من تفسير، إلا أنهم يحاولون تلبيسها على قياس الجائحة. والقسم الثاني أصابته حالة من الهوس والفضول العجيب لتقصي كل الأفلام والمسلسلات والكتب التي «توقعت» بتفاصيل تدعو إلى الدهشة والاستغراب، تفشي وباء مصدره الصين من أحد المختبرات، ويصيب أعداداً كبيرة حول العالم. ولعل أبرزها كانت رواية نشرت في عام 1981 بعنوان «عيون الظلام»، من تأليف دين كوونتز، وكتاب آخر صدر في عام 2008 بعنوان: «آخر الزمان: نبوءات وتوقعات» للكاتبة سيلفيا براون. وهناك الشخصية الكرتونية الشهيرة المعروفة باسم «استريكس» في إحدى حلقاته المنشورة تحديداً في عام 2017. وطبعاً هناك حلقة مثيرة للجدل للمسلسل الكرتوني الشهير «سمبسونز» عام 1993 (وهو المسلسل الذي تنسب إليه الكثير من التوقعات الاستباقية)، وهناك مسلسل كوري «خوفي السري» الذي أذيعت إحدى حلقاته في عام 2018، وهناك أكثر من حلقة من المسلسل الأميركي «نظرية الانفجار الكبير». أيضاً هناك فيلم لديزني أنتج عام 2010 باسم «مقيدة»، وهناك رواية لستانلي جونسون (والد رئيس الوزراء البريطاني الحالي بوريس جونسون) بعنوان «فيروس ماربرغ» صدرت منذ أكثر من أربعين عاماً، وهناك الفيلم الذي أنتج في عام 2011 باسم «كونتاجيون»، وهناك كتاب «قناع الموت الأحمر» بقلم إدغار آلان بو، الصادر في عام 1842 الذي تحول إلى فيلم عام 64. إضافة إلى كتاب «النبوءات» المطبوع في 1555 للراهب الشهير نوستراداموس.

جميع هذه الأعمال توقعت وأشارت بصورة أو بأخرى للجائحة التي يواجهها العالم اليوم، وتثير الخوف والهلع في الناس. آخر المنضمين لهذه السلسلة من الإنتاجات الإبداعية هو العمل الروائي الجديد للصحافي الأميركي الكبير لورانس رايت بعنوان «آخر أكتوبر»، الذي تدور أحداثه عن فيروس فتاك ينتشر في آسيا، قبل أن يتحول إلى جائحة عالمية ويدمر الاقتصاد الأميركي ويشل حركة السفر حول العالم. ويقدم المؤلف صورة دقيقة للتداخل ما بين السياسة والطب، وما يدور خلف الأبواب المغلقة في المعامل العلمية ودهاليز صناعة القرار السياسي وأدوار المنظمات الدولية، وتحديداً هنا منظمة الصحة العالمية. ومنذ صدوره الذي تزامن مع انتشار الجائحة تحول الكتاب إلى ظاهرة، وأصبح أحد أهم الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة.




ومن باب الإفصاح فلورانس رايت، صديق شخصي لي أعرفه منذ أكثر من 15 عاماً، وهو من أهم الصحافيين الأميركيين، ويكتب بانتظام في مجلة «نيويوركر»، إحدى أهم المجلات الرصينة في العالم، وفاز بجائزة «البوليتزر»، أهم الجوائز في عالم الصحافة، وألف عدداً مهماً من الكتب تحول بعضها إلى أفلام ومسرحيات. ومن أهم مؤلفاته التي ترجمت إلى العربية كان «بروج مشيدة»، الذي يحكي عن مسيرة تنظيم «القاعدة» وصولاً لأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول). وطبعاً منذ صدور الكتاب، ولورنس رايت بالكاد يستطيع مواكبة الكم المهول من المقابلات الإعلامية المختلفة التي يدور السؤال الرئيسي حول «كيف رأى كل ذلك قبل أن يحصل»؟، يقول إنه بدأ في تأليف الرواية عام 2017 وأنهاها في صيف 2019 معتمداً على بحث دقيق لكل الجوائح التي حصلت من قبل، وتخيل الشكل المتوقع للجائحة القادمة، إلا أنه وفي آخر مقابلاته مع صحيفة «الغارديان» البريطانية قال إنه لا يصدق كم التطابق بين أحداث روايته وبين الواقع… إنه أمر مذهل.
في تواصل بيني وبينه، وهو الذي يسكن في ولاية تكساس، بدا مرتاحاً للنجاح الكبير لروايته، وإن بدا حزنه واضحاً على أعداد الضحايا والنهاية المجهولة للجائحة.

أحياناً، الواقع يطابق الخيال بصورة مدهشة، ومن الصعب إيجاد تفسير لهذه الظاهرة ويبقى أن أقول إن رواية «آخر أكتوبر» للورانس رايت، ممتعة ومثيرة وشائقة وتستحق القراءة، أما الواقع الذي نعيشه مع جائحة «كوفيد – 19» فكابوس طويل أتمنى أن ينتهي.