//Put this in the section

إمبراطورية مخلوف المالية التي بناها تحت عين الأسد تهز النظام.. محللون: عواقب وخيمة لصراعهما

تزعزت إمبراطورية الملياردير السوري رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، والمموّل الأساسي للنظام منذ عقود، وبرزت إلى العلن علاقته المهتزة بالأسد في قضية تتداخل فيها مصالح عائلية وسياسية ومالية، وتشير إلى تطور غير مسبوق يجد فيه أبرز أركان النظام بعضهم وهم يصارعون أنفسهم بشكل مباشر.

بداية توتر كبير: بعد أن بقي لسنوات بعيداً عن الأضواء، خرج مخلوف، بداية مايو/أيار 2020، عن صمته عبر بيانات وشريطَي فيديو على صفحته على فيسبوك، فضحت حجم التوتر بينه وبين نظام ابن عمته بشار الأسد، في معركة يتوقع محللون أن تكون عواقبها وخيمة عليه، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية، الإثنين 11 مايو/أيار 2020.




كان يُنظر الى مخلوف، البالغ من العمر 51 عاماً، على أنه أحد أعمدة النظام اقتصادياً، وهو يواجه عقوبات صارمة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب علاقته بالنظام ودعمه الكبير له.

بدأت أزمة مخلوف حين وضعت السلطات صيف 2019 يدها على “جمعية البستان” التي يرأسها، والتي شكلت “الواجهة الإنسانية” لأعماله منذ عام 2011 تاريخ بدء الاحتجاجات ضد الأسد، كما حلّ النظام مجموعات مسلحة مرتبطة بهذه الجمعية.

في ديسمبر/كانون الأول 2019، أصدرت حكومة نظام الأسد سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال، بينهم مخلوف وزوجته وشركاته، واتُّهم هؤلاء بالتهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال سنوات الحرب.

جاء هذا التصعيد ضد مخلوف ونظرائه بعدما أكد الأسد في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2019، استعادة أموال “كل من هدر أموال الدولة”.

لكن الباحث في الشأن السوري فابريس بالانش قال للوكالة الفرنسية إنه “في سوريا، يجب التذكر دائماً أن حملات مكافحة الفساد كثيرة لكنها غير مجدية، وهدفها ببساطة إسقاط الرؤوس التي تبرز”.

ثمن كبيرة سيدفعه مخلوف: تجمع مخلوف مع الأسد، رئيس النظام، صداقة منذ الطفولة، وحين تسلم الأخير سدة الرئاسة خلفاً لوالده حافظ الأسد عام 2000، كان مخلوف أحد أبرز أركان سياسة الانفتاح الاقتصادي التي روّج لها الأسد (الابن).

يتربع مخلوف على رأس إمبراطورية اقتصادية تشمل أعمالاً في قطاع الاتصالات والكهرباء والعقارات، فهو يرأس مجموعة “سيريتل” التي تملك نحو 70% من سوق الاتصالات في سوريا، كما يمتلك غالبية الأسهم في شركات عدة، أبرزها شركة “شام القابضة” و”راماك للاستثمار” وشركة “راماك للمشاريع التنموية والإنسانية”.

يقول مدير نشرة “سيريا ريبورت” الاقتصادية، جهاد يازجي، إن مخلوف “كان يسيطر على قطاعات معينة بالكامل، بينها أكبر شركة قطاع خاص في سوريا “آي سيريتل” وكان هناك الكثير من القطاعات التي لا يمكن لأحد أن يعمل فيها من دون المرور عبره”.

وفق يازجي أيضاً، فليس هناك تقديرات دقيقة لكم تبلغ ثروة مخلوف، لكنه أضاف: “بالطبع المليارات من الدولارات”.

يُعد ظهور مخلوف الأخير قبل أيام على فيسبوك الأبرز منذ مقابلة أجراها في مايو/أيار 2011 مع صحيفة “نيويورك تايمز”، وقال فيها: “من المستحيل، ولا أحد يستطيع أن يضمن ما يمكن أن يحصل، إذا لا سمح الله، حصل شيء للنظام”.

في مارس/آذار 2011، وحين صدحت حناجر السوريين مطالبة بالإصلاح ثم بإسقاط النظام، كانت لمخلوف حصته من الهتافات.

يقول بالانش إن مخلوف واصل خلال سنوات الحرب “إنماء أعماله… وبسبب شركات الظل، كان من القلائل الذين تمكنوا من الالتفاف على العقوبات ليأتي إلى سوريا ببواخر محملة بالبضائع”.

أما يازجي فيرى أن خروج مخلوف إلى العلن اليوم هو نتيجة “شعوره بتراكم الضغط عليه لتهميشه”، مشيراً إلى أنه حاول “أن يقاوم كثيراً قبل أن يرمي الورقة الأخيرة ويفضح الخلاف العائلي”، لكنه يؤكد أن ذلك “سيكلّفه كثيراً”.

مخلوف رفض الدفع: فتح مخلوف، الذي يُعتقد أنه في دمشق، حساباً جديداً على “فيسبوك” في أبريل/نيسان 2020، ونشر عليه بيانات عدة للدفاع عن أعماله، وصولاً إلى شريطَي فيديو الشهر الحالي قدّم فيهما نفسه على أنه ضحية.

توجه مخلوف إلى الأسد واصفاً إياه بـ”صمام الأمن”، وطلب منه التدخل لإنقاذ شركة الاتصالات من الانهيار بعدما طلبت منه الحكومة تسديد نحو 180 مليون دولار كجزء من مستحقات للخزينة.

في فيديو ثانٍ اتهم مخلوف الأجهزة الأمنية باعتقال موظفيه للضغط عليه للتخلي عن شركاته، وتساءل: “هل يتوقع أحد أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف الذي كان أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر راعٍ لها خلال الحرب؟”.

يقول مصدر دبلوماسي عربي في بيروت متابع للملف، في تصريح للوكالة الفرنسية: “أخذت الحكومة الكثير من عدد من رجال الأعمال”، لكن “يبدو أن مخلوف رفض دفع ما طُلب منه، وسط تقارير عن أنه حاول حتى إخراج أموال من البلاد”.

أشار المصدر إلى عاملين أساسيين خلف قضية مخلوف، أولهما أنه “كبر كثيراً”، والثاني هو “الحاجة الملحة للأموال نتيجة الأزمة الاقتصادية”، فالاقتصاد السوري منهك بسبب الحرب، وسجلت الليرة انخفاضاً قياسياً أمام الدولار خلال الصيف وتخطى الدولار اليوم 1200 ليرة.

كذلك تشهد مناطق سيطرة القوات الحكومية أزمة وقود حادة، كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بمعدل 107% خلال 2019 فقط، وفق برنامج الأغذية العالمي.

“لا حصانة لأحد”: وسط هذا التصعيد المُفاجئ، برز الحديث عن زوجة الأسد (أسماء)، وتحدثت تقارير إعلامية عن دورها في الخلاف بين مخلوف والنظام.

في هذا السياق، قال يازجي إنه “من الصعب جداً أن نعرف فعلياً ماذا يحصل”، مضيفاً: “قد تكون أسماء التي يكبر دورها تريد تأمين مستقبلها وابنها”، عبر إبعاد عائلة مخلوف التي طالما كانت الحليفة الأولى لعائلة الأسد.

وليست قضية رامي مخلوف الأولى التي تتشابك فيها السياسة مع العائلة في سوريا، حيث يقول بالانش: “بالطبع هي مشكلة في صلب النظام”، مشيراً الى أن “الأسد يطيح بقريب كما فعل والده مع شقيقه رفعت” الذي أجبره على مغادرة البلاد عام 1984.

أضاف بالاش أنه “في حالة رامي مخلوف قد يكتفي الأسد بتكسير أجنحته، فهو في النهاية قريبه”، مشيراً إلى أن المسألة تتعلّق بـ”ثروة سوريا الأولى وابن خال بشار الأسد”.

يخلص بالانش الى أن مخلوف “كان يشعر أنه لا يمكن المساس به ولا يمكن الاستغناء عنه (…) لكن في هذا النوع من النظام الاستبدادي، يجب أن نتذكر من وقت لآخر أنه لا يوجد أي أحد محصن”.