//Put this in the section

التناقض وضبابية الرؤية المستقبلية يهددان خطة الحكومة اللبنانية للإصلاح – بقلم الدكتور خليل زهر

لطالما كانت قناعة هذا الكاتب ولا تزال، أن حل الأزمة اللبنانية التي بدأت تتراكم منذ السنوات الأولى لعقد التسعينات، لا يمكن معالجتها إلا من خلال حكومة مستقلة فعليا.  حكومة منبثقة من انتخابات نيابية مبكرة تحت قانون انتخابي عصري يضمن التمثيل الصحيح للإرادة الحرة للشعب اللبناني. يقوم المجلس الجديد بإعادة تشكيل السلطات، من بينها حكومة تقوم بالإصلاحات السياسية والمؤسسية والاقتصادية المطلوبة لإنقاذ لبنان ووضعه على سكة الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي.

إلا أن الانهيار المالي والاقتصادي السريع، وإن كان متوقعا، خلق ظروفا ومعطيات لا يمكن اغفالها أو تجاوزها. أهم هذه المعطيات هي ضرورة المعالجة السريعة للأزمة المالية والنقدية. إن إجراء انتخابات مبكرة، في ضل هذه الأزمة، غير ممكن عمليا حتى تحقيق بعض من الاستقرار المرحلي في الوضع النقدي والمالي. كما أن جائحة كورونا تستدعي تركيز كافة الجهود على معالجة تبعاتها المباشرة والقصيرة الأمد على الأقل.




مع التحفظات الموضوعية العديدة على حكومة الدكتور حسان دياب، خاصة أنها أتت بدعم من أحزاب سياسية مسؤولة كغيرها من أحزاب النظام، عما آلت إليه الأوضاع فإنها تبقى البديل الوحيد لإدارة البلد خلال هذه الفترة الانتقالية. إن هذه الحكومة، وبفضل ضغط الانتفاضة السلمية للشعب اللبناني، تتميز عن سابقاتها، بعدة أمور: أولا، بكفاءة عدد من أعضائها ومن بينهم رئيسها. ثانيا، إنها تفصل لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث بين الوزارة والنيابة. ثالثا، إن غالبية أعضاءها لم يسبق لهم المشاركة في الحكم من قبل.

لكنه، وبالرغم من السمات الإيجابية المذكورة، لا زالت هذه الحكومة تفتقد الى ثقة الشعب اللبناني بسبب الشكوك المبررة حول قدرتها على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. كذلك الاعتقاد لدى شرائح واسعة من المواطنين بأنه أوتي بها لهدفا الالتفاف على مطالب الانتفاضة الشعبية السلمية المحقة وتمييعها.

إن التقييم الموضوعي لبرنامج الحكومة للإصلاح يعزز، مع الأسف، هذه الشكوك ذلك لعدة أسباب أبرزها: عدم توفر الاستقلالية الكافية والصلاحيات المطلوبة لتنفيذ الإصلاحات المقترحة؛ انهيار الثقة بالعهد ومؤسسات الدولة؛ ضعف اليقين بالتغيرات الهيكلية الناتجة عن الانهيار المالي والفشل الاقتصادي؛ وأخيرا التأثيرات الناتجة عن جائحة كورونا محليا ودوليا.

 

ملاحظة هامة: تستند هذه المقالة الى وثيقة باللغة الإنجليزية مسربة الى وسائل الإعلام تحمل تاريخ ٦ نيسان ٢٠٢٠، بعنوان “برنامج الحكومة اللبنانية للإصلاح”. وحيث أن البحث سيقتصر على التوجهات والسياسات والبرامج، فإن التغييرات والتعديلات التي قد تطرأ على البرنامج في نسخته النهائية لا يتوقع لها أن تؤثر ماديا على التقييم والاستنتاجات. وحيث أن الوثيقة هي باللغة الإنجليزية، فإن أي نص حرفي يشار إليه هو ترجمة الكاتب.

برنامج صريح وموضوعي يستحق الثناء
يسجل لهذه الحكومة موضوعية بعض القرارات المفصلية التي اتخذتها بشأن البدء في مواجهة الأزمة التي يمر بها لبنان. ويأتي في المقام الأول قرار اللجوء الى بيوت استشارية دولية لمساعدتها على التعامل مع الأزمة. الأمر الذي يعزز الثقة ويعزز موضوعية الحلول المقترحة التي لا يمكن أن تتوفر من بيوت خبرة لبنانية أو إقليمية، بغض النظر عن كفاءتها. كما أن قرار الحكومة بتعليق خدمة الدين السيادي وإعادة هيكلته هو قرار حكيم يعكس الموضوعية والواقعية التي كانت غالبا مفقودة في الحكومات السابقة. علاوة على ذلك، فان الحكومة قد عززت موضوعيتها بقرارها اللجوء الى المؤسسات الدولية المتخصصة مثال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما، لمساعدتها على الخروج من هذه الأزمة. علما بأن نصائح صندوق النقد الدولي خلال السنوات السابقة للانهيار لم تكن على المستوى المرتجى. (لمزيد من التفاصيل يمكن للقارئ مطالعة مقالة سابقة حول هذا الموضوع)

لكن لبنان بعد الانهيار هو ليس ما قبله
يشتمل برنامج الحكومة للإصلاح على تصور متوسط الأمد (٢٠١٩-٢٠٢٤) لميزان المدفوعات وموازنة الحساب الجاري الذي يحدد سعر الصرف الفعلي لليرة اللبنانية. وتشكل تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج جزءا أساسيا من هذه الموازنة في ضوء الدور النسبي المتواضع للصادرات. وقد كانت العوامل الجاذبة لتحويلات اللبنانيين الى وطنهم الأم، بالإضافة الى دعم عائلاتهم والاستثمار السكني، هو إيداع وفرهم في القطاع البنكي، سواء في حسابات توفير أو استثمار في سندات الخزانة منجذبين بالمستويات المرتفعة لأسعار الفائدة. وحيث أن العوائد المرتفعة التي جاءت بفضل الهندسات المالية غير المسؤولة للبنك المركزي التي اتضح فشلها، فإن عامل الجذب هذا لن يكون متوفرا في المستقبل. وبالتالي فإن لم يوفر الاقتصاد مجالات مجدية ومنافسة للاستثمار، فالأرجح أن تتجه استثمارات اللبنانيين العاملين في الخارج الى خارج لبنان بقدر أكبر مما كان عليه في السابق

 

أما العامل الثاني المهم الذي يتوقع أن يؤثر سلبيا على التحويلات الى لبنان هو انخفاض الثقة بالإدارة المالية والاقتصادية التي برزت بشكل واضح خلال عام ٢٠١٩. حيث عجزت الهندسات المالية الهادفة الى رفع الفوائد على الليرة اللبنانية والدولار عن جذب التحويلات الخارجية المطلوبة للدفاع عن سعر الصرف، الأمر الذي أدى الى الانهيار الحالي. كما أن القيود على الحسابات والتحويلات، علاوة على ما انطوت عليه من تجاوزات سافرة على حقوق المودعين، أضعفت الثقة في القطاع البنكي وبالإدارة المالية والاقتصادية. وقد تتطلب عملية استعادة الثقة وقتا أطول مما يتوقعه برنامج الحكومة علاوة على إجراءات جذرية مطلوبة لا يتضمنها

 

أما العامل الثالث فهو تزامن جائحة كورونا مع الأزمة التي أوقفت أو أبطأت معظم الأنشطة الاقتصادية حول العالم، ورفعت درجات اللايقين حول توقيت وشكل عودة الأوضاع الى سابق عهدها. لكن ما يمكن الركون اليه هو أن فرص العمل للبنانيين في الخارج التي كانت على منحنى انحداري خلال السنوات الماضية، ستتقلص بشكل كبير. كما أنه يتوقع لكثير من الدول المتقدمة أن تزيد من حواجز الهجرة للمستقبل المنظور. لذا يتوقع لمعدلات البطالة في لبنان أن ترتفع عن مستوياتها الحالية المرتفعة أصلا. وهذا يتطلب استراتيجية جديدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تقوم على أسس مختلفة تماما عن ما قبل، وأولها التخلي عن سياسة تصدير أبنائه الى الخارج. وفي هذا الإطار يجب أن يشمل برنامج الإصلاح استثمارات في القطاعات المنتجة التي توفر فرص العمل في أسرع وقت ممكن. حيث يجب ألا يضحى به لصالح تحسين ميزان المدفوعات، بل العمل على تحقيق الهدفين بالتوازي

 

إن الاستقلالية المطلوبة لتنفيذ الإصلاحات غير متوفرة
تضمن البرنامج عددا من الإجراءات المقترحة لخلق بيئة أعمال منافسة، من بينها إنشاء هيئات تنظيم للمرافق العامة مثل الكهرباء والمياه، بالإضافة الى قانون يهدف الى تعزيز استقلالية السلطة القضائية وغيرها من الإجراءات المماثلة. لكن مهام التنظيم والمراقبة تتطلب الاستقلالية الكاملة للهيئة المسؤولة وتوفير شرط عدم تناقض المصالح في أعضائها. إن توفير هذه الشروط الضرورية قد يكون مستحيلا في إطار النظام السياسي اللبناني الحالي، والذي يقوم على المحاصصة الطائفية، ولا يفصل بين السلطات ويوازن بينها. إذ أن المرجعية الصالحة للهيئات المستقلة هو الشعب، أي السلطة التشريعية التي تمثله. ومن نافل القول، أنه في ظل النظام الطائفي لا يمكن توفير صحة التمثيل، وهذا ما تؤكده ليس، أدبيات العلوم السياسية فحسب، بل أيضا التجربة اللبنانية الطويلة التي يجب تعلم دروسها الصحيحة

 

لقد سبق للبنان أن أنشأ هيئات كان المفترض بها أن تكون مستقلة في إطار الإصلاحات الشهابية عام ١٩٥٨، مثل ديوان المراقبة العامة ومجلس الخدمة المدنية وهيئة التفتيش المركزي غيرها، فكان مصير جميعها الفشل. وفي الجهات التي توفرت لها الاستقلالية بشكل كبير نسبيا، مثل البنك المركزي، فان النظام الطائفي، عطل دوره المطلوب وحوله الى أداة طيعة في خدمة نظام نخر في جسده الفساد، وجعل منه إقطاعا لحاكمه لفترة قاربت ثلاثة عقود. كما أن المحاصصة في التعيينات جعلت من نواب الحاكم غير ذي جدوى أو فائدة سوى لأنفسهم. فلم يسجل تاريخ لبنان الحديث، موقفا معارضا لأي من هؤلاء للسياسات النقدية والمالية التي ساهمت بإيصال لبنان الى ما هو فيه. إن الجدوى من إقامة مؤسسات لا تتوفر الأرضية الصالحة لإداء مهامها، تبقى محدودة في أحسن حال

 

أن قانون استقلال القضاء المدرج في برنامج الحكومة، مع أهميته، لن يؤدي الى الاستقلال الفعلي للسلطة القضائية وذلك بسبب المحاصصة والمحسوبية والفساد. إن هذا القانون، حتى لو أدى من قبيل الافتراض الى تحسن نسبي في درجة استقلال القضاء، فإن ذلك لن يكون كافيا لتحقيق الأهداف المعلقة عليه. ذلك لأن السلطة القضائية لا تقوم بذاتها، بل يكملها السلطات العدلية والأمنية. وهذه مع الأسف تخضع لمحاصصة طائفية فجة. وبالتالي لا بد من اصلاح شامل للنظام، اذ لا يمكن فصل السياسة عن الشؤون الاقتصادية والاجتماعية. فالسياسة هي علم إدارة تلك الشؤون.

 

يفتقر البرنامج الى رؤية مستقبلية متكاملة لا بد من توفرها
إن تضمين رؤية مستقبلية استراتيجية في البرنامج الحكومي يعتبر ضروريا حتى لو كان برنامجا مرحليا. ويعود ذلك الى الأسباب الرئيسية التالية:

أولا: إن كان التركيز الأساسي لبرنامج الحكومة هو على تحقيق الاستقرار النقدي والمالي في أسرع وقت ممكن، فإن الهدف الرئيسي له، بطبيعة الحال، هو وضع الاقتصاد على سكة النمو والتنمية الاقتصادية-الاجتماعية المستدامة. لكنه من البديهي، في ضوء التجارب المؤلمة على مدى العقود الثلاثة الماضية، أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إذا استمر الاعتماد على السياسات الاقتصادية التقليدية المتبعة منذ فترة الاستقلال.

 

إن الميزات التنافسية للبنان التي استندت عليها الاستراتيجيات التنموية في الماضي لم تعد موجودة كما كانت عليه، فمعظمها انتهى وما بقي تقلص الى حد كبير. آنذاك، كان للبنان أفضل المطارات في المنطقة وأفضل شركة طيران إقليمية، وكان مرفأ بيروت أفضل المرافئ. كذلك كان القطاع المصرفي، وقطاع الضيافة والسياحة مدعوما ببيئة لبنان الطبيعية المميزة. لذا قام الاقتصاد وازدهر على خدمات السياحة والترانزيت والخدمات المصرفية والاستثمارية للسوق الإقليمية، كما استضاف عددا من الشركات العالمية والإقليمية العاملة في المنطقة. أما اليوم فجميع دول المنطقة تقريبا لديها المرافق والخدمات التي تفوق بهامش كبير ما لدى لبنان. حيث لم يبق من الميزات السابقة الا ما وهبته الطبيعة من مناخ متميز يشوهه، مع الأسف، التلوث الفاقع والاعتداءات السافرة عل الطبيعة ومواردها. بينما السواد الأعظم من موارده البشرية، وهي موارد متجددة ومستدامة وتمثل الأساس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مهدورة الى حد كبير، سواء بالهجرة (التهجير ربما التعبير الأصح) أو البطالة أو في التوظيف الجزئي والتوظيف غير المنتج.

 

إن التقييم الموضوعي لهذه المعطيات يملي استراتيجية تنموية جديدة تقوم على أسس علمية واقعية. أبرزها التوظيف الكامل للموارد البشرية اللبنانية في لبنان، من خلال بناء اقتصاد متطور يقوم عل تصدير السلع والخدمات. ان السياسة الحالية التي تركز على الإحلال والاكتفاء الذاتي المعتمدة والتي روج لها برنامج الحكومة، لا تنسجم مع الحجم الصغير للسوق اللبنانية. حيث أن حماية الإنتاج المحلي من المنافسة الخارجية يضعف القدرة التنافسية للشركات الوطنية في الأسواق الخارجية وبالتالي يحد من نموها وقدرتها على توفير فرص العمل للعمالة الوطنية. بينما الحماية الجمركية ترفع أسعار السلع والمنتجات التي يتحملها المستهلك اللبناني. فبدل الحماية يجب أن يتوجه الدعم نحو تعزيز تنافسية الإنتاج الوطني من خلال توفير بيئة أعمال منافسة تجذب الاستثمارات الخارجية المباشرة في الأنشطة الاقتصادية المنتجة، خاصة التقنيات الحديثة. كما يجب دعم أنشطة البحث والتطوير، وإقامة المناطق الحرة، علاوة على دعم أنشطة الترويج والتسويق للمنتجات اللبنانية في الأسواق الخارجية. يمكن الاستفادة في هذا المضمار من التجارب العالمية الناجحة للدول المماثلة في الحجم وتوفر الموارد، مثل النمور الآسيوية، ودول شمال أوروبا، وحتى من جارتنا العدو في الجنوب.

 

ثانيا: يتوقف نجاح برنامج الحكومة في تحقيق الاستقرار النقدي والمالي على وضع الاقتصاد الوطني على سكة النمو، في أسرع وقت ممكن، لتقصير فترة المعاناة غير المسبوقة التي يمر بها اللبنانيون. ونظرا لأهمية توفر بيئة أعمال كفوءة ومنافسة لجذب الاستثمارات المطلوبة لتحقيق هذا النمو، فان ما يقترحه البرنامج غير كاف من جهة، ومن جهة أخرى لا يخدم هذا الهدف. حيث أن الإجراءات المقترحة برفع أسعار الخدمات العامة ورسوم التجهيزات الأساسية (الكهرباء، الاتصالات، الإنترنت، المواصلات، النقل، المياه، الرسوم الإدارية، إلخ) الى مستوى تكاليفها، لا يأخذ في الاعتبار انخفاض الإنتاجية والكفاءة في توفير هذه الخدمات والتي ترفع من مستوى تكاليفها. يجب ألا ينظر بعد الآن الى قطاعات الخدمات والمرافق العامة على أنها مصادر دخل للميزانية “البقرة الحلوب”، كما درجت عليه الحكومات السابقة، بل التركيز على توفيرها بأدنى الأسعار الممكنة التي تعكس أعلى درجات الكفاءة والإنتاجية. حيث أن إهمال هذا الجانب سيؤدي إلى إضعاف تنافسية بيئة الأعمال والقدرة على جذب الاستثمار.

من جهة أخرى، إن المعالجة المقترحة لقطاع الكهرباء، تثير الكثير من التحفظات، ولا تصلح لأن تكون المسار المعتمد لهذا القطاع على المدى المتوسط والطويل. حيث لا يشفع بهذه الخطة سوى ضرورة توفير الخدمة الكهربائية بدون أي تقنين وعلى مستوى مقبول من النوعية في أسرع وقت ممكن لضبط الخسائر الكبيرة التي تسببه للاقتصادي ولجميع المستهلكين. إن أي خطة كفوءة للكهرباء عليها الاستفادة من الميزات المناخية للبنان، من جهة، ومن جهة أخرى، من تطوير كفاءة الخدمة من خلال التركيز على ترشيد الاستهلاك الذي قد يخفضه بنسبة لا تقل عن ٤٠ بالمئة كما تؤكده التجارب العالمية.

أما أبرز الميزات المناخية فهي وفرة الطاقة الشمسية لفترة طويلة على مدار السنة، مما يجعل منها موردا رئيسيا لتوليد طاقة متجددة نظيفة والأقل تكلفة من جميع مصادر الطاقة الأخرى. ومع وجود شبكة ذكية للكهرباء يمكن للمستهلك أن ينشئ محطات توليد خاصة به، يبيع للشبكة ما يفيض عن حاجته ويستورد منها ما ينقص عنها. هذا بالإضافة الى الشركات التي قد يقيمها القطاع الخاص. يمكن للبنان في هذا المجال أن يستفيد من مصادر التمويل المتعددة التي توفرها المنظمات الدولية المتخصصة والجهات الأخرى المعنية بقضية المناخ والتي تدعم أنشطة تطوير الطاقة النظيفة مثل “آلية التنمية النظيفة” التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، على سبيل المثال.

 

أخيرا في هذا السياق، يتميز لبنان باعتدال الحرارة النسبي على مدار السنة مما يتيح الاستفادة القصوى من تقنيات ترشيد الاستهلاك كالعزل الحراري واستخدام تقنيات للتدفئة والتبريد عالية الكفاءة. كما يوفر التباين الواسع نسبيا في درجات الحرارة بين المناطق الساحلية والمناطق الجبلية والداخلية، القدرة على تخفيض قدرات التوليد المطلوبة لخدمة الطلب على الكهرباء في حال توفر شبكة نقل كفوءة موحده تربط الأحمال الكهربائية لجميع المناطق مع بعضها البعض.

 

ثالثا: يعتبر انخفاض كفاءة قطاع النقل والمواصلات الداخلي من الأسباب الرئيسية لانخفاض إنتاجية الاقتصاد اللبناني ومن بين العوامل الأكثر تأثيرا على تدني مستوى بيئة الأعمال. لذا كان من المستغرب ألا يحظى بالاهتمام المطلوب في برنامج الحكومة. حيث أن اعتماد نظام النقل على وسيلة واحدة يتيمة هي النقل على الطرق، لا يضع لبنان في مصاف الدول المتأخرة جدا فحسب، بل أكثر تخلفا اليوم مما كان عليه في الخمسينات من القرن الماضي. آنذاك كان لديه ثلاثة وسائل: الطرق وسكة الحديد وقطار بيروت الكهربائي. إن لبنان بحاجة ملحه لشبكة قطارات تخدم مدنه الرئيسية وجوارها سواء كانت قطارات أنفاق أو قطارات خفيفة فوق الأرض. كما أنه يحتاج الى شبكة قطارات سكك الحديد تربط مدنه ومناطقه مع بعضها البعض لنقل الركاب والبضائع. فلا يمكن بناء اقتصاد حديث في غياب نظام نقل متكامل وحديث.

يجدر الإشارة الى أن تنفيذ هذه المشاريع المقترحة يعتبر متاحا للدولة اللبنانية إذا توفرت الإرادة المخلصة والسلطة النظيفة المحصنة ضد الفساد. حيث يمكن طرحها على شركات عالمية متخصصة على أساس انشاء-تملك-تشغيل، وبالتالي يتم تمويلها من عائد التعرفة بعد بدء التشغيل وعلى مدى حياة المشروع. إن المطلوب من الدولة أن توفر فقط الأراضي المطلوبة للمسارات والمرافق الأخرى من أملاكها العامة الشاسعة والأملاك المعتدى عليها. وقد يكون هذا الأسلوب من التمويل هو الأفضل للمرافق العامة، في ضوء الضائقة المالية، وأهمية تطوير بيئة الأعمال في أسرع وقت ممكن.

 

سلوك النعامة والفيل في الغرفة
يتضمن برنامج الحكومة للإصلاح عددا من الإجراءات الهادفة الى تعزيز الإيرادات العامة من خلال إقفال المعابر غير الشرعية، ووقف التهريب، وتعزيز جباية الرسوم الجمركية، وغيرها من الإجراءات الملحة للخروج من الأزمة المالية. لكن البرنامج يغفل كليا التطرق الى مستلزمات تنفيذ هذه الإجراءات، خاصة ضرورة بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. ونظرا لبداهة هذا الأمر، فان إغفاله سواء من قبل الاستشاري العالمي الذي أعد البرنامج أو الحكومة الموقرة، يؤكد الامعان في اتباع سلوك النعامة لكيلا ترى الفيل في الغرفة. فهل حقا هناك من يعتقد بأن الحكومة قادرة على تنفيذ هذه الإجراءات مع وجود منظمات مسلحة وميليشيات عسكرية ومالية، تشارك الدولة سلطتها على أراضيها؟

من جانب آخر، ان الاستقرار الأمني يشكل مكونا ضروريا من بيئة الأعمال، وفي غياب السيطرة الكاملة للدولة على أراضيها، فإن هذا المكون الحيوي لن يتوفر. وبالتالي، فإن الاستثمارات المعول عليها، خاصة في القطاعات الإنتاجية لن تأتي، وهذا سيؤدي الى فشل أي برنامج للخروج من الأزمة.

 

يتطلب الخروج من هذا النفق مراجعة سريعة لسلم الأولويات الاستراتيجية الوطنية، خاصة فيما يتعلق بمسألة تحرير الأراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل، وموقع هذا الهدف على سلم الأولويات الوطنية. والسؤال المطروح هنا هو: هل يجوز تعليق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبنان والتضحية بمستقبل أبناءه، حتى يتم التحرير؟ ربما المطلوب من لبنان بعض التواضع والاستفادة من تجارب الآخرين اللذين واجهوا مثل هذا التحدي. فدولة اليابان مثلا، وهي بطبيعة الحال أقدر من لبنان، كما لا يقل الشعب الياباني وطنية عن الشعب اللبناني، لم تضحي بمسيرتها التنموية لتحرير أراضيها المحتلة من قبل روسيا المعروفة “بجزر الكوريل” ولكن لم تتنازل عنها في نفس الوقت. كما أن الصين الشعبية، وأين لبنان من الصين بالقدرة، فقد اختارت مسار التنمية الاقتصادية وأقامت العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بشكل عام، بالرغم من احتضان وحماية الأخيرة لتايوان، التي تعتبرها الصين جزءا لا يتجزأ من أراضيها. كما أن المغرب يعتبر أن اسبانيا تحتل جزءا من أراضيه لكنه لم يختار التضحية باستقراره وتطوره لأجل تحريرها.

وبالنسبة لمصير سلاح المقاومة الذي يلعب دورا حيويا، خاصة سلاح الصواريخ المتعدد الأبعاد، في تعزيز استراتيجية ردع الاعتداءات الإسرائيلية البرية، فليس هناك من سبب وجيه لأن يكون هذا السلاح أقل ردعا فيما لو كان بيد الجيش اللبناني. وقد يؤدي تسليم هذا السلاح الى الجيش تمكين الأخير، سياسيا وماديا، من تعزيز قدراته الدفاعية الجوية لردع الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأجواء اللبنانية.

 

يجدر التوضيح في هذا السياق الى أن انتهاك سيادة الدولة لا يقتصر على وجود التنظيمات المسلحة خارج سيطرتها، بل أيضا على وجود المال الذي يأتي من الخارج الى لبنان لأغراض سياسية. هذا المال مواز في دوره للسلاح غير الشرعي حيث يختلفان بالوسيلة فقط بينما يتفقان في الأهداف والغايات وكلاهما يؤثر سلبا على الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي. لذا فان عملية الإصلاح يجب أن تشمل أيضا إجراءات قانونية رادعة تلزم جميع التنظيمات، والأحزاب، والمؤسسات على أنواعها، والمراجع، والجمعيات، والنوادي، وغيرها على ان تعلن دوريا (سنويا) عن مصادر إيراداتها على الملأ.

قال رجل حكيم: “إن المشاكل لا يمكن حلها بذات مستوى الوعي الذي أوجدها”. فهل نستفيد من تجاربنا وتجارب الآخرين لنطور وعينا، ونجعل من هذه الأزمة فرصة لإعادة بناء لبنان على أسس سليمة وقوية تضمن قيامته من جديد، وعدم انهياره ثانية فوق رؤوس أولادنا وأحفادنا كما أنهار فوق رؤوسنا؟