//Put this in the section
فارس خشان

جولة للجائعين مع طغاتهم – فارس خشان – الحرة

مدلّلون هم الطغاة في عالمنا. ينتظرون وصولهم إلى مناصبهم، ليلعبوا، تحت طائلة القتل والتصفية والاعتقال، في كل ما كانوا قد حرموا منه في طفولتهم، مثل “الحزازير” و”الغميضة” و”التنقيز”.

وهكذا مثلا، يختفي زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ما شاء من الأيام. لا يعرف عنه أحد شيئا. يترك التكهنات تأخذ مجراها، ثم يعود ويطل، وضحكة بلهاء على شفتيه.




ممنوع سؤاله عن سبب تغيّبه، وعمّا إذا كان قسريا أم ذاتيا، وعمّا إذا كان لدواع سياسية أم شخصية أم صحية. هو فقط، يضحك، يسخر، يقيّم، يهاجم، يلعن ويبارك.

الغموض هو “المكان” الوحيد الذي يرتاح الطغاة فيه. الشفافية تزعجهم. تضع سلوكياتهم على المحك. تخضعهم للمساءلة. تضعف قدراتهم على المناورة. تحرمهم من لذة التشويق. تمكّن الصحافة الحرة التي يعادونها من تصليب مصداقيتها.

الأسد ـ مخلوف

ها هي سوريا الفقيرة والجائعة والمنكوبة والمحتلة والمتقاتلة والمدمّرة والمنهوبة، تمتلئ صخبا بإطلالات رامي مخلوف الفيسبوكية، فتكثر التحليلات والتكهنات حول أسبابها الحقيقية كما حول تداعياتها بما فيها الطائفية.

ورامي، مثله مثل ابن عمته بشار الأسد، عندما يتحدث “يرشح زيتا” و”يموت حبّا بالفقراء”، ويبذل حياته من أجل دولة القانون، ويوصل الليل بالنهار، من أجل عزّة الاقتصاد.

وابن خال رامي لا يعلّق. باله مشغول بحربه الظافرة على فيروس كورونا، كجزء من هوسه على صحة شعبه ورفاهيته وسلامته واستقراره، مهددا بانتزاعه من جذوره، كما فعل بستة ملايين نازح سوري إلى الخارج، وبسحقه، كما سحق تحت الردم وفي المعتقلات، نصف مليون سوري.

ولكن في إطلالات رامي كما في كلمات بشّار، لا مفر من الركون إلى الغموض، فلا تجد من هو قادر على طرح الأسئلة للحصول على أجوبة: كيف يمكن لرامي مخلوف، الذي يطاله “نهج الإصلاح”، أن ينجح، منذ العام 2000، في احتكار ستين بالمئة من القطاعات المربحة في البلاد؟ من مكّنه من ذلك؟ من كان يتقاسم معه الأرباح؟ ومن سمح له أن يكون الصندوق الأسود لأجهزة المخابرات الغاشمة؟ ومن أتاح له إنشاء ميليشيا تقمع المعارضين وتسحقهم؟

في ركن الغموض يجلس بشار، مستخفا بإمكان مساءلته عن رامي وإمبراطورية رامي وأرباح رامي وثروة رامي وقدرات رامي.

في هذا الركن، يستطيع بشار، أن يقدّم نفسه، كما تشتهي نفسه، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يجرؤ ويتحدّى، ولو بمجرد سؤال، فهو من يهب وهو من يسترد، هو من يقبل وهو من يرفض، وهو من يبارك وهو من يلعن، فسوريا ملكه وشعبها عبيده. هو يُنعِم على من يشاء، وهو يقتل من يشاء.

أليس من أجل كل ذلك، وُجِد الطغاة؟

دولارات نصرالله

إن الاحتماء بركن الغموض، ليس حكرا على الطغاة من الرؤساء والملوك، بل يتعدّاه إلى كل من لم يتمكّن من أن يتوّج نفسه بعد، كما هي عليه حال “حزب الله” في لبنان.

صحيح أنه لا يحكم شرعا، ولكنه يتحكّم. صحيح أنه لا يملك امتيازات الدولة، ولكنّ ما لديه من امتيازات يكفي ويفيض. صحيح أنه لا يحمل صفات دستورية، ولكنه يمنحها لمن شاء وحينما يشاء. وهو الآخر، فوق المساءلة، من أي نوع كانت.

وها هو الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله، في آخر إطلالاته التلفزيونية على اللبنانيين، يبلغهم أن حزبه “يجلب الدولارات إلى البلد”، ساخرا بذلك ممّن يؤكد، بناء على ما يمكن أن يتوافر من معطيات، بأنه يتحكم بسعر الدولار، في السوق السوداء.
هذا “الجلب” بديهي، ولا يحتاج إلى شهادة يطلبها نصرالله من حاكمية مصرف لبنان، ولكن هل هذه فضيلة في خدمة المالية العامة والاقتصاد والسوق المالية، أم أنها نقيصة ومن أسباب الكارثة التي يعيشها لبنان؟

المناقشة في ما ينطق به نصرالله مستحيلة. هو يتكلم، وعلى اللبنانيين أن يسمعوا، وعلى الحكام أن يطيعوا، وعلى المعارضة أن تنتبه، فإذا لم “تتعقل”، فتنتظرها، في أحسن الأحوال، اتهامات العمالة والخيانة والنبذ والحظر.

لا أحد يستطيع أن يسأل نصرالله عن الدولارات التي يأتي بها إلى لبنان. لا عن طريقة إدخالها من خارج النظام المصرفي، ولا عن المعابر التي تسلكها، ولا عن واجب التصريح عنها، ولا عن مصادرها، ولا عن القانون التي يرعاها، ولا عن طريقة توزيعها، ولا عن تصريح من يتقاضونها لمصلحة الضرائب، ولا عمّا إذا كانت أموالا “بيضاء” أم أنها بحاجة إلى “تبييض”، ولا عمّا إذا كان توفيرها يستدعي تبعية سياسية وأمنية وعسكرية للخارج، ولا عمّا إذا كانت هذه الدولارات تجلب معها على البلاد أضرارا، في نظرة الداخل والخارج، إلى الدولة وملاءمتها وكفاءتها وجاذبيتها واستقراراها وسيادتها.

الاستفسارات البديهية ممنوعة في بلد يزعم أنه يضع خططا لمكافحة الفساد والتسرب المالي والنفوذ غير الشرعي، من أجل الإنقاذ.

والأسئلة محظورة في بلد، من الواضح، أن فيه من “يمتص” العملات النادرة لإرسالها إلى الخارج، وأن هناك، منذ العام 2015، مستوردات سنوية بقيمة أربعة مليارات دولار، من أجل “دول أخرى”. هذه الدولارات التي استقطبها النظام المصرفي اللبناني بعد أن أغرى أصحابها بفائدة باهظة ومكلفة، كانت من أسباب الانهيار.

والذهاب أبعد من ذلك محفوف بالمخاطر، فالتفاعل “مشبوه” مع الأدلة التي تؤكد أن البضائع المستوردة إلى لبنان، لها سعران في الأسواق اللبنانية. سعر متهاو لدى تجار محسوبين على “حزب الله”، يدخلونها بلا جمرك ولا ضريبة على القيمة المضافة، وسعر مرتفع لدى التجار الآخرين الذين يلتزمون بالقوانين المرعية الإجراء.

وحده نصرالله يحتكر المساءلة. لا وجود لأحد غيره يملك الحق، في تحديد السؤال واختيار الجواب. لا سلطة تعلو على مقامه غير الشرعي في البلاد، ولو كبّدها آلاف القتلى من شعبها، في معارك يختار “الحرس الثوري الإيراني” زمانها ومكانها، وانقطاع الاستثمارات والإيداعات والمساعدات والقروض، بعد تشويه سمعتها في المجتمع الدولي.

نصرالله الذي يأتي بالدولارات إلى البلاد، هو من يرسم سياسات الدولة الخارجية، وهو من يضع حدودا للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهو المرتاح إلى خطة الحكومة التي سهر على تشكيلها، لأنها كما قال رئيس تكتله النيابي محمد رعد، “لا تمس الثوابت الوطنية السيادية”، وهو من يحدّد ما يجب تنفيذه من القرارات الدولية وما يجب إهماله.

ومنذ السابع من أيار/مايو 2008، حين نظم “حزب الله” هجومه العسكري على أطراف الحكومة اللبنانية لإخضاعها بعد محاولة منها لتثبيت سيادتها على المطار وعلى قطاع الاتصالات، لم يعد ثمة من يجرؤ أن يرى، وإن رأى أن يصدّق عينيه، وإن صدّق عينيه أن ينطق بكلمة واحدة.

و”السابع من أيار” اللبناني ليس سوى مرآة عاكسة لما يعيشه الإيرانيون، في ظل حكم “سادة نصرالله”.

في إيران، يلقى القتل والسحل والاعتقال، كل جائع يجرؤ ويصرخ ضد مليارات الدولارات التي يصرفها “الحرس الثوري” في الخارج، وكثير منها يذهب إلى حسن نصرالله وبشار الأسد.

في ركن الغموض الذي يقيم فيه، يأخذ نصرالله كما علي خامنئي كما بشار الأسد كما كيم جونغ أون وكثير غيرهم في عالم الديكتاتورية والأوتوقراطية والتيوقراطية والغباء-قراطية، راحته.

ما همّ هؤلاء إن صارع الشعب الجوع، فأمثال رامي مخلوف المتوافرة نسخه في كل دسكرة طاغية، وُجدوا ليُلهوا الآذان عن أنين البطون، ويشتتوا الانتباه عن تباشير يقظة دولية، ويسعوا إلى منع ترجمة الغضب إلى قفزة جديدة في ثورة لا تُبقي ولا تَذَر.