//Put this in the section

صفقات لبنانية – عراقية عابرة للحدود… وبروز إسم كريم تحسين خياط

فيما يتابع اللبنانيون مسلسل “الفيول المغشوش” في بيروت، وينتظرون لحظة القبض على أول فاسد للإحتفاء بأول إنجاز نوعي، فوجِئوا بفضيحتين من العيار الثقيل، ببلد شقيق إذ تم الكشف عن أنشطة إحتيالية طاولت وزارة التربية العراقية وهيئة المتعاقدين وغيرها من المؤسسات، عبر صفقات محمية بغطاء سياسي طائفي مماثل لما يحدث هنا. وجمعت الفضيحتان مستثمرين لبنانيين وساسة عراقيين فما هي تفاصيلها؟ ومن هم أبطالها؟!

شهد مجلس النواب العراقي معارك سياسية طاحنة بين رئيسه محمد الحلبوسي الذي يتزعم تحالف القوى العراقية و”البيت السني” والنائب مثنى السامرائي في كانون الأول الماضي على خلفية تعيين وزيرة التربية سها العلي، والتي بحسب الفضائح التي انتشرت في الصحف العراقية، قبض الحلبوسي مبلغ 5 ملايين دولار لقاء تمرير توزيرها في البرلمان. مطلع السنة، زادت المشاكل بين السامرائي والحلبوسي حين انشق النائب السامرائي عن “البيت السني” ودعم ترشيح محمد توفيق علاوي لرئاسة مجلس الوزراء الأمر الذي كان يرفضه رئيس مجلس النواب.




تفاصيل التأمين الصحي الذي أعطي لموظفي وزارة التربية

صفقة التأمين الأولى: كريم الخياط “كبش محرقة”

عُرف النائب السامرائي كرجل أعمال نافذ وقادر على فرض تعييناته الوزارية عبر علاقاته الوثيقة مع رئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، ومع الحالي محمد الحلبوسي تعززت صلاته أكثر، بيد ان الحلبوسي رفع الغطاء السياسي عنه بعد فشل انقلابه عليه، وباشر بفتح ملفات فساده العديدة في وزارة التربية حيث كان يحكم قبضته على أغلب عقودها حتى قبل تولي الوزيرة الحالية الحقيبة، خصوصاً مع الوزيرين السابقين المتعاقبين على الوزارة محمد إقبال الصيدلي ومحمد تميم متعاوناً مع رجل الأعمال اللبناني “كريم تحسين الخياط” وشركاؤه.

أرسل الحلبوسي ما لديه من مستندات وأدلة تطاول “شركة أرض الوطن للتأمين” لكريم تحسين خياط وشركاه و”شركة التأمين العراقيّة العامة” مع وزارة التربية العراقية إلى مجلس القضاء الأعلى، الذي تحرّك بدوره بالتعاون مع الدائرة القانونية في البنك المركزي العراقي بشخص مديرها العام مصطفى غالب مخيف في السادس والعشرين من شهر آذار الماضي، مستنداً إلى كتاب مرسل من محكمة التحقيق المختصة بقضايا النزاهة وغسل الأموال والجريمة الإقتصادية، طالباً من المصارف كافة حجز أموال الشركة المنقولة وغير المنقولة للشركة المذكورة ومديرها العراقي المفوض علي نصير جبار. وصدرت بعدها مذكرات قبض وتحرٍ موقّعة من القاضي إياد حسن بتاريخ 29 آذار بحق كريم خياط وشريكيه بشير الخشن وريتشارد صليبا وممثل شركتهم في العراق ومدير مكتب وزيرة التربية هيثم الدليمي، ومدير الشؤون القانونية باسم العزي، ووكيل وزارة التربية للشؤون الإدارية معن عبد حنتوش الهيتاوي، ومدير العقود زيدون لإحداثهم “ضرراً بالمال العام وفق أحكام المادة 340 عقوبات”.

وإثر ذلك باشرت دائرة التحقيقات في هيئة النزاهة العراقية العامة استجواب المعنيين بخصوص عقد التأمين الصحي الإجباري لـ620 ألف منتسب إلى وزارة التربية العراقية، إضافة إلى التحقيق في تسجيلات صوتية مسرّبة وبأوراق عقد آخر يجمع ما بين رئيس هيئة التقاعد في العراق أحمد الساعدي ومستثمر لبناني آخر يدعى جوزيف شباط، عبر عقد مع شركة وهمية يرأسها شباط اسمها شركة “السلامة للتأمين”.

وثيقة التأمين الصحي لهيئة التقاعد الوطنية

وتعود حيثيات القضية الأولى إلى إحالة وزارة التربية العراقية عقد تأمين صحي لمجموعة من رجال الأعمال اللبنانيين بوساطة سياسيين ومسؤولين بالوزارة، حيث تم اقتطاع مبلغ 3500 دينار عراقي أي نحو 2 دولار ونصف من موظفي الوزارة شهرياً، مقابل تأمين صحي لهم، من دون وجود البنى التحتية لهذا التأمين، إذ لا توجد مستشفيات في العراق معتمدة من الشركة أو سبق وتعاملت معها رغم أن أوراق الشركة تفيد بأنها تأسست في 2010 ولم يتم العمل بها إلى أن تم تجديدها في 26 كانون الأول الماضي فوراً بعد إمضاء العقد في اليوم نفسه!

وفي تفاصيل هذا الملف كشف عضو التيار الصدري السابق، الذي يشغل حالياً رئاسة حركة “مؤسسة الإصلاح والتغيير” الشيخ صباح الكناني لـ”نداء الوطن” أنه لم يتم منح الموظفين أي شيء يتعلق بالتأمين حتى على مستوى بطاقة التأمين نفسها، وتبلغ قيمة العقد 41 مليار دينار عراقي أي نحو 35 مليون دولار”. ويتابع: “أشارت التحقيقات الى أن مبلغ الـ35 مليون دولار الذي كان يجب أن يتقاضوه على مدة خمس سنوات قد صرف لهم على دفعتين دون أن تقوم الشركة لقاءه بأي خدمة. كما قسموا “الغلة” بين السياسيين، 16 مليون دولار للنائب مثنى السامرائي، 3 ملايين لوزيرة التربية سهى العلي، 6 ملايين لرئيس البرلمان محمد الحلبوسي و 6 ملايين اخرى للنائب محمد الكربولي و5 ملايين للمستثمر اللبناني وشركته “أرض الوطن”. أما الأفظع برأيه هو ما اتضح بأنه تم “التدقيق بمسودة العقد، والإجابة على ملاحظات مديرية الرقابة والتدقيق الداخلي، وتمت الموافقة عليه من قسم العقود، وحصلوا على الإجابة من مديرية الشؤون القانونية والرأي المالي ومن المديرية العامة للتخطيط التربوي حول أعداد منتسبي الوزارة وذهب العقد إلى مديرية الشؤون القانونية وجرى الإستفسار حول بعض البنود فيه وتم تحويله إلى مصرف زين العراق الإسلامي مرتين وتم قبول خطاب الضمان والإستفسار حول مهلة تسديد الرسوم والإجابة عنه، كل ذلك، في يوم واحد وهو 26 ديسمبر 2019! أي أن 16 كتاباً واستفساراً حصلت في يوم واحد وهو أمر مريب ويشير إلى فساد وزاري من الدرجة الأولى، ناهيك عن عدم وجود دراسة جدوى اقتصادية وأنه لم يتم ابرام العقد بشكل سنوي قابل للتجديد كما تم تسديد المبلغ بالكامل من رصيد الفائض المتراكم لصندوق التربية المركزي من دون أخذ ضمانات كافية”. وأضاف: “أما بعد تسريب الملف إلى القضاء سارعت الشركة إلى فسخ العقد واستطاع القضاء أن يسترد 25 مليون دولار فقط من أصل قيمة الصفقة. أما الـ10 ملايين المتبقية فلم يُعرف مصيرها حتى الساعة”.

إحدى مذكرات القبض والتحري

سها العلي تدافع

من جهتها، دافعت وزيرة التربية سها العلي عن نفسها على صفحة الوزارة بشبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” موضحة أنها قدمت إلى لجنة التربية في مجلس النواب كل الوثائق والأوراق التي تثبت قانونية عقد التأمين الصحي الملغى فاضحةً أن شركة “أرض الوطن” المملوكة من رجال الأعمال اللبنانيين “تعاقدت مع وزارات أخرى وبالشروط نفسها” وهنا يتساءل الكيناني عن حجم الأموال المنهوبة تحت اسم الشركة الوهمية التي ثبت ضلوعها بالفساد. وأضاف “إن ديوان الرقابة المالية العراقي قد اشار مؤخراً إلى خروقات ادارية ومالية بالعقد المبرم وهو أمر يدعونا إلى التساؤل عن كم الفضائح المالية المستورة والتي لم تخرج إلى العلن حتى الآن”.

غارنيت

صلحة = لفلفة

كما في لبنان، تستعمل ملفات الفساد في العراق لأغراض سياسية بهدف ابتزاز أصحابها للإمتثال للمطلوب منهم. وهذا ما تمارسه أغلب الكتل السياسية ضد بعضها للوصول إلى مبتغاها. أما الخياط والخشن وصليبا فلم يكونوا سوى “أكباش محرقة” أو كما يقال “راحوا بالمغليطة”. فقد تمت لفلفة الملف بعد جلسة حُبّية جمعت المتخاصمين الحلبوسي والسامرائي. ويؤكد مراقب سياسي عراقي لـ”نداء الوطن” أنه في الثامن والعشرين من شهر نيسان الماضي أمر رئيس مجلس القضاء الأعلى في نظام المنطقة الخضراء في العراق فائق زيدان، بإغلاق التحقيق في فضيحة فساد التأمين الصحي في وزارة التربية العراقية بعد ما أسماه علناً بـ”جلسة مساومة وتراضٍ” ضارباً بكل ما جمعه قاضي تحقيق الإستخبارات من اعترافات تدين السامرائي ولبنانيين متورطين بقضايا من جهة وتدين الحلبوسي أيضاً في ملف آخر وهو “طباعة الكتب واللوازم المدرسية”. وبعدها قام الحبلوسي بحسب المصدر بزف “خبر الصلحة” للقاضي زيدان مرسلاً له صورة توثق رضا المتخاصمين مما دفع زيدان للإيعاز لقاضي التحقيق من أجل غلق الملف. ويشير المصدر الى أن “صيت اللبنانيين في العراق يرتبط حتماً بالفساد، بخاصة في ملفات الكهرباء والتربية والنفط، وصار الفساد في البلدين وجهين لعملة واحدة” وهو برأيه ما أدى إلى ثورة الشعبين في أول السنة بهدف التغيير”.

 

صفقة التأمين الثانية: فساد موثق

حقائق موجعة أخرى كشفها الشيخ صباح الكناني لـ”نداء الوطن” تتعلق بما يقول انها عملية فساد وتلاعب بمرتبات المتقاعدين العراقيين، البالغ عددهم خمسة ملايين متقاعد، من خلال اقتطاع إجباري لمبلغ 1500 دينار شهرياً اي نحو 1.2 دولار من راتب كل متقاعد عراقي، ما يصل بالمجموع إلى مبلغ 6 ملايين دولار تذهب لعقد تأمين صحي “وهمي” تتولى تنفيذه شركتان لبنانيتا الإدارة وهما “شركة السلامة ” و”شركة المدينة” وقد سمسرا العقد مع شركة “غلوب ميد” اللبنانية كطرف ثالث التي يُرجّح أن لا علم لإدارتها بالموضوع. وبحسب الكناني “يتم اقتسام الأرباح مع دائرة التقاعد العامة في العراق… صفقات الفساد اللبنانية-العراقية لم تقتصر على اسم واحد أو شركة وهمية واحدة بل على خمس شركات وهمية، وعدة عصابات وأكثر من عقد باطل بالتعاون مع جهات عراقية، حُشر فيها إسم شركة غلوب ميد كطرف ثالث، إذ نلاحظ في أحد المستندات عبارة تفيد بأنه سيتم تزويد المتقاعد ببطاقة التأمين الصحي لجميع المستشفيات الأهلية ضمن مجموعة “غلوب ميد “للخدمات الصحية وبالتالي نعود لنربط الشركتين الوهميتين كوسيطي تأمين لـ”غلوب ميد”.

ويضيف: “تغير الإسم فقط، ولكن العقدين متشابهان، والشركات وهمية ولا يوجد في العراق أي مستشفى أو مركز صحي متفق مع تلك الشركات أو تعامل معها بنظام التأمين وقد أقفل ملف وزارة التربية باسترجاع قسم من المبلغ، لكن حتى اليوم لا جديد في ما يتعلق بملف وسطاء التأمين اللبنانيين وهيئة التقاعد”. وفي تفاصيل العقد أوضح الكناني أن العقد مع هيئة التقاعد وقع في 18 كانون الأول 2019 قبل بضعة أيام من توقيع عقد التأمين مع وزارة التربية وقيمته 45 مليار دينار عراقي أي حوالى 38 مليون دولار أي قيمته أكبر من قيمة عقد وزارة التربية. وأشار الى أن لديه “أدلة موثقة قدمها للقضاء تفضح قيام هيئة التقاعد العامة بتوقيع عقد مع “شركة السلامة” و”شركة المدينة لوسطاء التأمين”، من دون اتخاذ أية إجراءات تمهيدية وفق السياقات المتبعة، إذ تبين له بعد الإستقصاء أنه ليس لديها عنوان في العراق ولا سجل لها ولا أعمال سابقة لديها في هذا المجال، سواء في العراق أو لبنان أو غيره ولا أثر فعلياً لها على المتقاعدين”. كما زوّد “نداء الوطن” بتسجيل صوتي دامغ حاول فيه مستثمر لبناني رشوته مقابل سكوته عن القضية وقال له فيه “العراق مبيوع من زمان”.

جوزيف شباط

وأكمل: “تلقيت أيضاً رسالة من شخص مقرب جداً من السياسي محمد توفيق علاوي، أكد أن المستثمر اللبناني نفسه حاول الحصول على عقد مد كابلات الألياف الضوئية من وزارة الاتصالات بمبالغ كبيرة قبل أن يكتشف الوزير محمد علاوي حينها أن شركة الإتصالات التي يسعى فيها جوزيف شباط إلى تلزيمه العقد كانت وهمية أو ما يعرف بـ”شركة الرف” وأنه كان يتعرض لضغوط كبيرة من مكتب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كي يوقع العقد معه”.

ومن جهتها أكدت هيئة التقاعد الوطنية انها لم توقع اي عقد خدمات مع الشركة اللبنانية، مشيرة إلى أنّ كلّ مخاطبات الهيئة تمّت مع شركة التأمين الوطنية العراقية وهي شركة عريقة في مجال التأمين ومملوكة للدولة بالكامل.

ليست المرة الأولى

وفي حديث خاص مع “نداء الوطن” يقول النائب حسن سالم عن كتلة “صادقون” النيابية، وهو الذي أعلن موقفه منذ اللحظة الإولى من ملف “التأمين الوهمي” للرأي العام: “للأسف الشديد وزارة التربية العراقية عبارة عن دكان عُرضة للمزاد. ليست المرة الأولى التي يتم الحديث فيها عن صفقات تجمع بين وزارة التربية العراقية وشركة الخياط، فقد ضجت المواقع الإلكترونية سابقاً بموضوع آخر يتعلق بعقد طبع الكتب المدرسية”. وفي التفاصيل، انتشرت وثائق بتاريخ 30 نيسان 2018 على صفحات الإعلام العراقي تظهر فعلاً تورط وزير التربية السابق محمد إقبال بصفقة مع شركة لبنانية تحت إسم “دار غارنيت” والتي تبين أنها لا تملك فرعاً معلوماً في العراق، وبحسب جهاز المخابرات الوطني، يبلغ رأس مالها ما يقارب 3500 دولار، في حين أن سماسرتها في وزارة التربية هم كل من الموظف جبار احمد حسن، والموظف عطية عبد الرحمن نصيف وهو مدير التجهيزات، وهما ممثلا دار غارنيت أمام الوزير إقبال.

وثيقة صادرة عن جهاز المخابرات الوطني بتاريخ 2 نيسان 2017 معنونة إلى وزارة التربية

كما قامت وزارة التربية العراقية حينها، بتوجيه دعوة إلى شركة خياط لطبع كتب منهاج اللغة الانكليزية للعام الدراسي 2018( 24 كتاباً)، بمبلغ قدره 38 مليار دينار عراقي رغم وجود عروض افضل من شركتين عراقيتين، وهما شركة الطباع، وشركة المتعهد، وبلغت قيمة العرض المُقدّم من الشركة الأولى 28 مليار دينار أما العرض المُقدّم من الشركة الثانية فقد بلغ 30 ملياراً أي بكلفة أقل من تلك التي قدمها خياط. ورغم إهدار المال الواضح بمبلغ 10مليارات دينار تمت الصفقة، واستُكملت حتى مع الوزيرة الجديدة. وكشفت وثيقة صادرة عن جهاز المخابرات الوطني بتاريخ 2 نيسان 2017، معنونة إلى وزارة التربية مكتب الوزير، وتلفت إلى هدر بالصفقة. ومما جاء في الوثيقة: “لدى تدقيق قاعدة بيانات الشركات الاجنبية المسجلة في العراق لم يتأشر وجود عنوان أو مقر فرع لشركة دار غارنيت للنشر التربوي، وعلم أنها تأسست في بريطانيا ومختصة في طباعة الكتب، علماً ان شركة غارنيت قامت بطبع المناهج منذ سنة 2013 ولكن تم نشر أحد ملفاتها فقط سنة 2018. وقال سالم: “الكرة اليوم في ملعب مجلس النواب العراقي الذي يجب أن يرفع الحصانة عن كل فاسد تسبب بإرهاق ميزانية العراق. وما حدث في وزارة التربية ما هو إلا جزء من نظام محاصصة غير مُعلن حيث يتم اقتسام الغنائم مع المتورطين في الفساد مقابل التستر عليهم. لذلك نرفض تكريس الفساد باعتباره أسلوباً معتمداً في التعامل مع أموال الدولة، وطالبنا ككتلة نيابية القضاء وهيئة النزاهة ولجنة النزاهة النيابية، باتخاذ اقصى الإجراءات والعقوبات الصارمة بحق المفسدين المتورطين بالعقد حيث لا مجال للتهاون مع هؤلاء المفسدين الذين لا يقلون خطورة عن وباء كورونا”.

المصدر: نداء الوطن