//Put this in the section
راجح الخوري

شعب فاسد سياسيّوه ملائكة! – راجح الخوري – النهار

في ذلك “اليوم التاريخي” عندما تم الإعلان عن “خطة الإنقاذ الاقتصادية”، قال الرئيس ميشال عون ان الموازنات كانت تعتمد أرقاماً غير واقعية، ولم يكن هناك أي تخطيط او استشراف وهو ما كاد ان يودي بالبلد، وكان واضحاً أنه يكرر اتهام الذين تولوا السلطة الأعوام الماضية بالمسؤولية عن هذا، رغم أنه وقّع شخصياً على الموازنات الثلاث الأخيرة، وكان تياره فاعلاً في السلطتين التشريعية والتنفيذية في العقد الأخير على الأقل.

في “اللقاء الوطني” الذي عُقد لعرض الخطة، والذي بدا بالنسبة الى الذين تغيّبوا عنه، وكأنه نوع من الإعلان عن “أننا نفصّل وأنتم تلبسون”، جاء الكلام مفاجئاً ومثيراً، ليس لأنه أعلن ان دعم صندوق النقد الدولي هو الممر الإلزامي لتعافي البلاد إذا أحسنّا التفاوض، وهو ما يذكّرنا بإعلانات “حزب الله” تكراراً رفض التعاون مع صندوق النقد لأنه من “ادوات الإستكبار العالمي ولن نسلمه رقبتنا”، بل لأنه اعتبر ان الخروج من النفق المظلم هو مسؤولية الجميع، وبالحرف: “ان أحوج ما نحن في حاجة إليه في أيامنا هذه هو تجاوز تصفية الحسابات والرهانات السياسية لنتحد ونتغلب على أزمتنا”!




يا للغرابة، تجاوز تصفية الحسابات والدعوة الى الإتحاد، رغم تغيّب قوى سياسية وازنة ومهمة في البلاد، وهو ما دفع الكثيرين الى التساؤل: ماذا وراء هذه اللهجة التصالحية، بعد كل ما قيل عن ضرورة التدقيق في أخطاء الذين تولوا السلطة قبل أعوام ؟

لكن دائرة الإستغراب سرعان ما ستتسع وتزداد إثارة، عندما قال الرئيس حسّان دياب: “لقد صار لزاماً علينا ان نبدأ إصلاح الأخطاء التي وقعت، وأنه لا مجال للمزايدات ولا مكان لتصفية الحسابات، ولا يفترض فتح الدفاتر القديمة في السياسة”، هكذا بالحرف وربما كان أسهل عليه القول تعالوا الى خطتنا الإنقاذية، وعفا الله عما مضى!

غريب جداً ومحيّر جداً، فقد قال قبل يومين فقط عند إعلان الخطة “ان الفساد هو داخل الدولة”، ثم جاء الآن ليكمل مفاجئاً: “هذه الخطة ليست ملكاً للحكومة، وأنني أدعو كل القوى السياسية والنيابية والأحزاب والهيئات والفاعليات الاقتصادية والمصارف، الى شراكة وطنية في ورشة الإنقاذ من دون أحكام مسبقة ومن دون غايات ومن دون خلفيات مبطنة، فهذا اللبنان لنا جميعاً…”! فعلاً غريب! ربما كان من الأوضح لو قال بدلاً من هذه الدعوة الشاملة: تعالوا عفا الله عما مضى، ربما لكي نقتنع نحن الشعب اللبناني العظيم والغشيم في النهاية، ان الفساد الذي هو داخل الدولة واوصلنا الى الإفلاس، ويهدد بتفجير ثورة الجياع، إنما هو فساد الشعب، فنحن شعب فاسد سياسيّوه ملائكة!

ماذا جرى ومن أين جاءت هذه الأبجدية السياسية التصالحية المهادنة رغم مقاطعة المقاطعين؟ هل هو سحر صندوق النقد الدولي كي لا نقول شروطه وقد وصلت وأدت الى تغيير اللهجة والغضب الساطع؟

اعتقد هنا انه يجب علينا التوقف ملياً وبعمق امام قول عون: “ان الخطة لم تدرس بفكر سياسي بل بفكر إقتصادي، وان التعاون مع صندوق النقد الدولي سيتمّ بدون إملاء او وصاية أو ولاية”، وخصوصاً تلك المعلومات التي نُشرت قبل يومين وتحدثت عن ان المانحين والصندوق الدولي، لن يقبلوا بأي أمر يوحي بأن دعم الخطة يمكن ان يتم وفق شروط “حزب الله”، وان الإصلاحات يفترض ان تتسم بشفافية مطلقة وبعيداً من منطق استهداف معارضي الحزب او السلطة، وان الفرنسيين والأميركيين والصندوق الدولي يشترطون التدقيق شخصياً في هذا المسار… مفهوم طبعاً!