//Put this in the section
مروان اسكندر - النهار

انتهى عهد المبالغة – مروان اسكندر – النهار

مع بداية السنة زفّ الرئيس ميشال عون الى اللبنانيين ان لبنان اصبح بلدًا نفطيًا، وكان ذلك بسبب الاتفاق على بدء التنقيب في الرقعة الرقم 4 من المياه الاقليمية اللبنانية.

قبل بداية التنقيب انقضت عشر سنين منذ انجاز شركة حكومية دراسة الاعماق للمنطقة الممتدة من جنوب تركيا وحتى اسرائيل، والمؤشرات كانت واعدة خصوصا بالنسبة الى توافر الغاز في المكان الاول.




منذ ذلك التاريخ حققت اسرائيل اكتشافات منها ملحوظة واخرى معقولة وبدأت الانتاج. وقبل كل ذلك وبتمويل من شركة CCC وعدد من رجال الاعمال الفلسطينيين، اكتشفت شركة النفط البريطانية قبل عشر سنين حقلاً للغاز قبالة غزة، ولم ينفذ مشروع استغلال هذا الحقل لان اسرائيل فرضت مد الخطوط من موقع الاكتشاف الى مناطق احتلالها، ومن ثم هي التي تقرر الكميات التي تذهب الى الجانب الفلسطيني.

خلال السنوات الخمس المنصرمة جرت اكتشافات للغاز في المياه الاقليمية القبرصية والمياه المشتركة مع اسرائيل، وحققت شركة “ايني” الايطالية اكبر اكتشاف للغاز في البحر عام 2015، وباشرت مصر البحث عن فرص التصدير بعد تطويرها معامل انتاج الكهرباء على الغاز بطاقة 14 ألف ميغاواط – اي عشرة اضعاف طاقة الانتاج اللبناني من دون احتساب انتاج الباخرتين التركيتين والذي يساوي 240 ميغاواط في احسن الاحوال.

اعمال الحفر في البلوك الرقم 4 التي اجرتها شركة “توتال” لم تظهر امكانات تجارية لانتاج الغاز، وكل ما فعله لبنان كان زيارة وزيرة الطاقة ندى البستاني الى مرفأ بيروت لتفقد معدات الحفر التي ارسلتها “توتال”، وتصريحات الوزير الجديد بان الفرنسيين هم من اكتشفوا الغاز، كل ذلك جرى وفضيحة المازوت الملوث صفعت توقعات اللبنانيين.

اليوم تظهر صورة المبالغة في تحقيق الانجازات في تصريح رئيس الحكومة حسان دياب بان الدراسة المنجزة للتصحيح المالي والاقتصادي هي الدراسة الاولى الموسعة عن اوضاع الاقتصاد اللبناني وحاجاته وادخارات اللبنانيين.

الواقع ان الدراسات الموسعة انجزتها بعثة “ايرفد” في عهد الرئيس فؤاد شهاب، وهدفت الى تشجيع انماء المناطق المحرومة، ونتج منها المشروع الاخضر الذي اسهم في تنمية بعض الزراعات واقامة منشآت لحفظ المياه للري خلال فترات الربيع والصيف.

يضاف الى عمل بعثة “ايرفد” اوائل الخمسينات، الدراسة الموسعة لحاجات لبنان التجهيزية والانمائية التي اجرتها شركة “بكتل” الاميركية بتكليف من الرئيس رفيق الحريري وعلى نفقته التي تجاوزت 5 ملايين دولار.

بعد سرد هذه الوقائع نعود الى الخطة المقترحة، فنؤكد منذ البداية انها لا تشكل اختراقًا جديدًا كما اعلن الرئيس دياب، كما انها في تفاصيلها غير واقعية ومضرة، ويكفي انها تفترض توافر 10 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي اذا وجد خبراء الصندوق ان الخبراء اللبنانيين وضعوا مخططًا مقنعًا حول الاصلاح ومواجهة اعباء وفرص الانجاز المستقبلي. كما تعتبر الخطة ان اتفاقات مؤتمر “سيدر” التي انجزت منذ نيسان 2018 ستوفر للبنان 11.8 مليار دولار مدى 5 سنوات لانجاز مشاريع بنية تحتية وتطوير بعض مواصفات الطرقات، وتكرير المياه، والصرف الصحي، والاجراءات التي تسهم في الحفاظ على البيئة. وليس ثمة دليل على استعدادات الدول والهيئات المشاركة في مؤتمر “سيدر”، وعددها 40 دولة وهيئة، ما لم تنجز قرارات اصلاح اوضاع الكهرباء التي كانت السبب الرئيسي في الازمة المالية الراهنة. ومن دون تحويل انتاج الكهرباء وتوزيعها من قِبل شركات خاصة معروفة عالميًا، لن يكون اقبال من المشاركين في مؤتمر “سيدر” على توفير التمويل، خصوصا ان اوضاع الدول الاوروبية في مواجهة وباء كورونا، وكذلك الولايات المتحدة، استوجبت تخصيص مبالغ تفوق ما انفق لمعالجة ازمة 2008 المالية العالمية، وبالتالي فان معظم الدول والمؤسسات المشاركة في مؤتمر “سيدر” تركز على حاجاتها حاليًا.

شرط الإقدام على اصلاح قطاع الطاقة ومشكلة الكهرباء شرط ملزم سواء لقروض صندوق النقد الدولي او مؤتمر “سيدر”، والخطة الموضوعة تفترض ان توافر المساعدات من المصدرين هو شرط ضروري للنجاح، وفي الوقت عينه لا تقوم بالاصلاحات، بل هي لم تنجز اي اصلاح، وموضوع استقلالية القضاء افضل برهان على فشل الحكم.

نعود الى قواعد افتراضات الخطة، فهذه القواعد تركز على اقتناص الودائع، وتحويل قسم ملحوظ منها للاستثمار في اعادة تكوين رؤوس اموال المصارف او الاستثمار في شركة رئيسية تحوّل اليها موجودات يسيّرها القطاع العام بخسارة وتقنيات عفا عليها الزمن. والقطاع الوحيد عالميًا والذي يمكن ان يتخطى الكارثة المالية والاقتصادية هو قطاع استثمار الذكاء الاصطناعي والبرامج الالكترونية المتطورة سواء للتحقق من المعلومات الرسمية، او تنظيم اوقات الطيران، وضبط التبادل التجاري الخ.

الخطة تنطلق من قناعة لدى العهد بان الصناعة والزراعة هما القطاعان الاهم في الاقتصاد وينبغي العمل على تطويرهما، وتخفيف الاعتماد على المكتسبات الريعية. هذه المقولة تتردد على لسان الرئيس عون، و”التيار الوطني الحر” ورئيس الوزراء.

هذه النظرة البدائية المتأخرة عن التطورات العالمية اكثر من 25 سنة، تعتبر ان خدمات التعليم، والعناية الصحية، والنقل الحديث، والقطاع المصرفي، وتنقية البيئة والتواصل مع الاختراعات والتطورات التنظيمية العالمية، كلها امور غير مفيدة، والزراعة والصناعة هما عماد الاقتصاد المستقبلي. هذه القناعة التي يبشر بها كبار المسؤولين كافية في ذاتها لامتناع الهيئات الدولية عن المساعدة، ففي جميع الدول المتقدمة تشكل قطاعات الخدمات الاساس في اقتصاداتها، واختصار دور الدولة هو هدفها.

لقد انقضت على العهد ثلاث سنوات ونصف سنة ولم نشهد اي تطوير على صعيد البيئة ومعالجة النفايات، ولا اي تطوير في تنقية مياه الانهر، ولا اي جهد لصيانة ثلاثة معامل لانتاج الكهرباء في مجرى الليطاني عمل على انجازها مصمم المشروع، وطاقة المعامل الثلاثة التي تحتاج الى صيانة ربما تكلف 50 مليون دولار هي 190 ميغاواط، في حين ان السفن التركية تبلغ كلفتها سنويًا 250 مليون دولار، ومدى 7.5 سنوات من استئجارها دفع لبنان نحو ملياري دولار.

حضرة المتحمسين للخطة من منطلقات بدائية، نذكر لكم الامور الآتية:

– الصناعة اللبنانية حققت انجازات جيدة في مجالات متعددة، واهم صادراتنا – وهذه تذهب الى سويسرا – المجوهرات، وهي تحتاج على الاقل لاستيراد المواد التي تستخدم في انجازها الى تخصيص 50 في المئة للذهب والمجوهرات، وبالتالي فان اهميتها الاقتصادية تنحصر بـ750 مليون دولار، وهذا رقم جيد يوازي 1.4 في المئة من الدخل القومي.

والصناعة على مختلف اختصاصاتها تحتاج الى الكهرباء باسعار معقولة، وقد سمعت رئيس جمعية الصناعيين في محاضرة في طرابلس يقول ان كلفة الكيلوواط ساعة للصناعيين ما بين كهرباء لبنان، وشراء حاجات الانتاج من المولدات الخاصة، تبلغ 24 سنتًا، في حين ان كلفته في الصناعة الخاصة بالكرتون والورق في فرنسا تبلغ 5 سنتات اميركية، وفي ايران 4 سنتات. فيا حضرة المتحمسين للصناعة، وفروا الكهرباء لها بكلفة مقبولة قبل اعتباركم انها تشكل الركن الرئيسي في الاقتصاد الوطني.

– ننتقل الى الزراعة وحاجتها الاساسية هي الى الري بمياه نظيفة وغير ملوثة. وهنا نسأل الرئيسين: اين هي المياه النظيفة، واين هي ارشادات المزارعين؟ الزراعة الوحيدة التي تحظى بالعناية والتدريب هي زراعة التبغ وربما في المستقبل الحشيشة للاستعمالات الصحية، حتى تنقية المياه وتوفير مجالات تخزينها في بحيرات صغيرة لا يمكن ان تشكل اكثر من 5-6 في المئة من الانتاج القومي.

السادة الكرام، رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، الوزراء، والنواب،

لقد اظهرنا لكم طوال 10 سنين ان عجز الكهرباء هو السبب الرئيسي للازمة النقدية، ولفتناكم الى ان الودائع لا تتزايد بالفعل منذ 2015 والارقام التي تدرج بزيادة 2 وحتى 3 في المئة لم تكن حقيقية لان نتائج الاحتساب تكون في نهاية السنة حينما ترتفع الحسابات بزيادة الفوائد على الاصل، وقد شاهدنا محاولات بعض المسؤولين لجعل المصرف المركزي يعجز عن القيام بدوره، خصوصا مع استمرار عجوزات الكهرباء وتوسع ارقام عجز الموازنة وحسابات عجز ميزان المدفوعات، واوضحنا ان عجز الكهرباء المتراكم بلغ 35.5 مليار دولار تضاف اليها الفوائد بمعدل 6.5 في المئة فيكون هذا العجز السبب الرئيسي في تراكم الدين العام بنسبة 65 في المئة.

وليكن معلومًا ان التأخير في معالجة عجز الكهرباء لا يسمح للسلطة بمصادرة اموال اصحاب الودائع. وبالفعل مارست المصارف بقرارات خاطئة من جمعية المصارف اقتطاع نسبة من المدخرات بمنع تأمين الدولارات واستبدال الحاجات اليومية للمودعين بسحوبات بالليرة اللبنانية. واليوم تريدون تحويل جميع الحسابات بالدولار الى حسابات بالليرة على اساس سعر يساوي 3500 للدولار – ولن يستقر هذا السعر كما يعرف اي مواطن – فمعدل التضخم لهذا العام يبلغ 25 في المئة، وتقديرات تقلص الدخل القومي عام 2020 تراوح ما بين 20 و40 في المئة، فكيف للحكومة والحكم بتقليص الدين العام الى ما دون الـ 100 في المئة من الدخل القومي؟

لنفترض ان الدخل القومي كان عام 2018 (حينما انحسر بنسبة 1.9 في المئة) 60 مليار دولار، فكيف يمكن ان ينخفض الدين العام البالغ 90-92 مليار دولار حاليًا الى نسبة 90-95 في المئة من الدخل القومي، حينما ينحسر هذا الدخل بنسبة 20 في المئة فيصبح اقل من 48 مليار دولار، واذا انحسر بنسبة 40 في المئة يصبح 36 مليار دولار؟

الامر الذي لا تلتفت اليه الحكومة ولا يلتفت اليه الحكم هو ان الخطة تفترض استعادة النمو عام 2024 ونحن نتساءل كيف يكون ذلك؟ الارقام التي تطرحها الخطة كارثية، والاقتصاد اللبناني لا يتحمل التوجه نحو مصادرة الاموال بمنهجية غير مقنعة ومضرة بتوقعات اللبنانيين. لا نريد العيش في ظل الحاجة الملحة وانغلاق فرص الانجاز.

لقد اشرنا عليكم بمنهجية مع الصين تختصر فترة التقشف من 10 سنين الى 3 سنوات ولا تطاول مدخرات اللبنانيين بمخالفة القوانين، ومسؤولية مجلس النواب واضحة، فقد اقر عجوزات الموازنات على 10 سنين والتي اسهمت في رفع الدين العام بأكثر من 12 مليار دولار.