//Put this in the section

عقوبات أميركا على باسيل هل توصله إلى الرئاسة؟

سركيس نعوم – النهار

لا شك في أن “تفاهم مار مخايل” بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” يوم كان مؤسسه العماد ميشال عون رئيساً له أفاد طرفيه في السياسة وفي الادارة وفي النفوذ وعلى مدى سنوات كثيرة. لكن الاثنين ليسا واحداً سواء من حيث الاقتناعات السياسية الدفينة أو من حيث الانتماء الديني الذي يؤثر وبعمق في الخيارات السياسية لكل منهما وخصوصاً في المراحل الصعبة وطنية كانت أم مصلحية. وقد ظهر ذلك أكثر من مرة منذ توقيعه ولا سيما بعد وصول عون الى رئاسة الجمهورية. وما كان ذلك ممكناً لولا الفراغ الرئاسي الذي ساهم فيه “الحزب” و”التيار” من جهة وأطراف فريق 14 آذار الذين كانت وحدة الهدف عندهم ووحدة السياسة قد انتهت أو ضعفت ومعها التنسيق. ففي عهده الذي صار قاب قوسين أو أدنى من ثلثه الأخير برزت طموحات خلفه في رئاسة “التيار” جبران باسيل الأقرب إليه من كوادره وحتى من بناته الثلاث، وتصاعد نفوذه في قصر بعبدا ومن خلاله داخل الدولة اللبنانية بإداراتها كلها، وصار اعتماد عون عليه كلياً، الأمر الذي جعله يطمح الى خلافته في الرئاسة الأولى، كما خلفه في رئاسة “التيار” وحتى في العائلة إذ صار إذا جاز التعبير على هذا النحو. في عهده أيضاً أُجريت انتخابات نيابية، وحصلت تطورات عدّة إقليمية ودولية، وأفسح ذلك في المجال أمام نشوء تباينات واختلافات تحوّل بعضها خلافات بين الحليفين بعضها الأكبر يُسأل عنه هو. لكنها لم تؤدي يوماً الى تفكير “الحزب” بالتخلي عن “التفاهم” رغم وجع الرأس القوي الذي سبّبه له باسيل واصطفاف عمّه الرئيس معه والذي كاد أن ينتقل الى قواعده وكادراته. الدليل على ذلك ما كانت تنشره وسائل الاعلام عن الخلافات ومن مصادرها المعروفة بالرصانة والدقة. كان السبب الأول للتمسّك بـ”التفاهم” حرب تموز 2006 التي شنّتها إسرائيل على “الحزب” ولبنان في ولاية الرئيس لحود، والتي وقف معه فيها سياسياً وشعبياً الى الآخر حليفه “التيار الوطني الحر”. السبب الثاني معرفة “الحزب” بالمحاولات الداخلية – الإقليمية – الدولية التي بذلت من أجل إقناع عون وباسيل بالانتقال الى الضفة السياسية الأخرى، والتي واجهت الفشل رغم الاغراءات المتنوّعة التي قُدّمت من سياسية وغير سياسية، والتي كادت أن تخسّر “الحزب” حليفاً مزمناً له ولسوريا الأسد قبله، كما التي نظر اليها بشيء من “شط الريق” باسيل وفريقه. لكنه عجِزَ عن الخضوع لها لأسباب متنوعة ربما من بينها إدراكه أن رد الفعل على ذلك قد يكون قاتلاً… من الناحية السياسية طبعاً. السبب الثالث معرفة “الحزب” باستحالة التحوّل العوني – الباسيلي ضده. فالملفات كثيرة وكبيرة. والتفكير في الانتقال من ضفة الى أخرى في الداخل والخارج محفوف بأخطار جمة، فضلاً عن أنه نبّه “الحزب” الى ضرورة التحوّط فاستمر في تأييده التامّ لعون لأنه “ضمان استراتيجي” له، ولأنه “لم يغلط معنا” في الاستراتيجيا كما في الاستمرار في تغطية الصهر بل الإبن الذي لم يُرزق به والدفاع عنه وتلبية ما يمكن من مطالبه مع “إبقاء العين عليه” كما يُقال.




السبب الرابع هو اقتناع أصحاب الإغراءات الدولية – الاقليمية – المحلية باستحالة ضرب “تفاهم مار مخايل” لأسباب متنوّعة قد يكون بعضها غير مبدئي في ظل استمرار قوّة “حزب الله” بل تزايدها، ونجاحه في الامساك بالوضع اللبناني أو بالأحرى في منعه خصومه من النجاح في إضعافه أو ضربه. دفعهم ذلك الى انتقاده والتهجّم عليه مباشرة ومداورة والى تهديده بشموله وربما مع آخرين في “التيار” وربما في بعبدا بالعقوبات التي “تنزل متل الشتي” كما يُقال على إيران من جهة وابنها اللبناني “حزب الله” من جهة أخرى. يدلّ ذلك على يأس منه كما على معرفة بأنه لن يقدم على الانتقال من ضفة سياسية الى أخرى قبل أن يتأكد من ضعف حليفه الحالي وتالياً من عجزه عن معاقبته. وهذا الضعف غير محتمل الآن وربما في المستقبل المنظور لأن مصير “الحزب” مرتبط بمصير مؤسِّسته إيران الإسلامية، ولأن أميركا الزعيمة الآحادية للعالم حتى اليوم على الأقل لن تتركها تحقّق مشروعها التوسّعي في الشرق الأوسط وخصوصاً في الدول المجاورة لإسرائيل، لكنها لن تشنّ حرباً عسكرية مباشرة عليها. وهي تنفّذ تحقيقاً للهدف ردوداً محسوبة مباشرة على إيران لكن عبر الوكلاء. إلا أن ثقتها في قدرة هؤلاء ضعفت بعد تجاربهم العسكرية الفاشلة ولا سيما في اليمن باستثناء إسرائيل التي لها فيها ثقة بلا حدود. وإسرائيل مثل أميركا ليست في وارد شنّ حرب مباشرة على إيران لثقتها بقدرتها على الانتصار في أي حرب مباشرة تشنّها عليها الأخيرة، كما في أي حرب مؤذية لها يشنّها عليها “حزب الله” علماً أن نتنياهو رغب أيام الرئيس الأميركي السابق أوباما في حرب كالمُشار إليها، لكن الأخير خذله وحذّره من حرب كهذه مؤكداً له أنه سيحتاج فيها إذا أقدم عليها الى مساعدة بلاده وهي أو هو لن يقدمها. هذا فضلاً عن اقتناع الجميع في العالم أن قيادة المنطقة بعد دخولها مرحلة استقرار جدّي، وهذا أمر لا يزال بعيداً، ستكون إيران جزءاً أساسياً منها وتالياً “حزبها” اللبناني. وكي لا يعتبر البعض التلويح بعقوبات أميركية على باسيل وشخصيات مسيحية أخرى وربما مسلمة أيضاً عليه أن يقرأ جيداً كلاماً لسفير واشنطن الأسبق في لبنان جيفري فيلتمان الذي يبدو أنه انضم أخيراً الى “بروكينغز” وهو مركز أبحاث أميركي بالغ الأهمية، قاله قبل أيام في مقالة نشرها على الموقع الالكتروني للأخير. مما قاله أنه “يسجّل غموضاً إزاء عدم شمول العقوبات الأميركية جبران باسيل لدوره في تعزيز قبضة “حزب الله” على لبنان وتأمينه الغطاء المسيحي له إذ أنه بالنسبة الى إدارة أميركية تركّز على طهران يجب أن يكون هدفاً للعقوبات بعدما لم يعد يشغل منصباً رسمياً”. هذا الواقع الجديد ربما يدفع باسيل الى العودة الى انخراطه القديم والعميق مع “حزب الله”، ولا سيما بعدما أخفقت محاولاته المتكررة في السنتين الأخيرتين لإقناع أميركا بالانفتاح عليه. ودافعه يبقى دائماً الرئاسة الأولى التي بعُدت عنه بعد خلافاته مع حليفه “الحزب” والتي يظنّ مع آخرين الآن أنها قد تكون صارت أقرب اليه وخصوصاً إذا أضافته إدارة ترامب الى لائحة المعاقبين رسمياً منها.