//Put this in the section

«كورونا» بإدارة «تايوانية»! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

هل من الممكن أن تشتري ساعة يونانية؟ أو تفضل طعاماً إنجليزياً؟ أو تثق بهندسة برتغالية؟ هناك سمعة ترويجية بنيت لدول معينة، فدقة السويسريين جعلتهم يتفوقون في صناعة الساعات، وبراعة الفرنسيين والإيطاليين جعلتهم أهم طهاة العالم، ومن الصعب التفوق على الألمان في الهندسة. وهذا بعض ما يشير إليه باقتدار الكاتب الأميركي فيليب كوتلر في كتابه القيّم «تسويق الأمم»، ولعل من أكبر ضحايا التسويق السلبي كانت «تايوان» التي حصدت السمعة السيئة، وارتبط ذلك باسمها نتاج منتجات مقلدة سيئة السمعة في فترة السبعينات الميلادية من القرن الماضي، وارتبطت هذه السمعة باسمها حتى باتت مضرباً للأمثال لكل ما هو رديء ومقلد ورخيص، فيقال للشيء بأنه «تايواني» إذا كان المقصود وصفه بالرديء.

كان هذا بالأمس، لكن اليوم هناك قصة جميلة ومختلفة تروى. فاليوم يمدح العالم بأسره التجربة التايوانية في التعامل مع جائحة «كورونا» بنجاح منقطع النظير. هناك مثل يتم ترديده بكثرة في تايوان هذه الأيام وهو «إذا سرت مع اتجاه عقارب الساعة ستفوز أما إذا اخترت أن تسير عكس عقارب الساعة ستخسر»، وهو لعب بالكلمات للاعتراف بفضل الرجل الذي ينسب إليه نجاح تايوان الكبير في التعامل مع «كورونا». والرجل المقصود هنا هو وزير الصحة شين شيه – شونج؛ وذلك لأن كلمة شيه – شونج شبيهة بكلمة «الساعة». أجمعت الآراء العلمية والطبية والجماهيرية على أن توليفة التعامل الهادئ والمحترف وغزارة المعلومات المقدمة بدقة وشفافية مع روح دعابة مخففة، ساهمت في بناء ثقة عظيمة بين المنظومة الحكومية الصحية والجمهور. مع وجود أكثر من ثلاثة ملايين إصابة مؤكدة لفيروس «كوفيد – 19» حول العالم يكون عدد الإصابات في بلد مثل تايوان (حجم سكانه 24 مليون نسمة) لم يتخطَ 429 حالة وست وفيات فقط منذ 21 يناير (كانون الثاني) حتى الآن هو حال لا يمكن وصفه إلا بالمبهر، علماً بأن تايوان هي جار لصيق للصين بؤرة المرض الأولى وفي المنطقة القارية نفسها التي حصل فيها الانتشار الأولي للجائحة وشمل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها. ومع ذلك لم تغلق تايوان اقتصادها لأنها اعتمدت على وعي الناس ووثقت بشعبها الواعي فقدمت له المعلومات بشفافية تامة، ووثقت باقتصادها المتنوع والقوي بشقيه الخدمي والصناعي والذي أمّن كافة الاحتياجات الطبية والغذائية بسلسلة إمداد فائقة الجودة والدقة. ومنذ يوم الجمعة الماضي لم تسجل تايوان أي حالة جديدة. ولم يلقَ وزير الصحة التايواني الثناء والتقدير من إعلامه ومن شعبه وحسب، ولكن أتاه الشكر من شهادة رئيسة تايوان تساي انج التي وصفته بمصدر الطمأنينة للبلاد.




وزير الصحة، وهو طبيب أسنان سابق يتابع مؤتمره الصحافي اليومي الآلاف من المواطنين، يقدم أنموذجاً في فن التواصل السهل الممتنع، وكوّن سمعة عالية من المصداقية والثقة؛ مما أكسبه المحبة والتعاطف. كان دوماً الصوت الحنون والمطمئن والإيجابي، وكان يرفض رفع وتيرة السلبية والتشنج، وظهر هذا الأمر بوضوح خلال ذروة الأزمة في شهر فبراير (شباط) وأرقام الصين وكوريا ترتفع بشكل جنوني، وأصاب ذلك الأمر الناس في تايوان بالخوف والهلع، ووجهت إليه أقسى الأسئلة الصحافية وتعامل معها بحكمة وإيجابية منحت الجميع قوة وثقة من خلال تطبيقه قواعد التباعد الاجتماعي والتعقيم والفحص المبكر والعزل الطبي للحالات المستوجبة لذلك.

عبر السنوات الماضية استغلت تايوان عوائدها المالية الهائلة نتاج تفوقها الصناعي في مجالات التقنية المعلوماتية ببناء بنية طبية عصرية ومميزة، وأصبحت مع الوقت أحد أهم مراكز الطب في آسيا لتنافس اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلند، وهي المسألة التي كان وزير الصحة التايواني يستمد من خلالها ثقته بالمنظومة الطبية وعلمه بقدراته على مواجهة الجائحة الفتاكة. واليوم تشارك تايوان خبراتها في التعامل مع الجائحة لتقدمها للعالم. هذا الرجل أصبح اليوم بطلاً قومياً في بلاده، وأكثر اسم يبحث عنه خلال الأشهر الماضية على محرك البحث الشهير «غوغل» في موقعه بتايوان، وفي استطلاع للرأي أجرته قناة «تي في بي إس» الإخبارية الخاصة نال 91 في المائة درجة رضا على أدائه وهو أعلى بكثير من أي درجة أخرى نالتها أي شخصية عامة في تايوان.

تايوان التي تعرف رسمياً باسم جمهورية الصين الوطنية، لكن يمنع عليها استخدام هذا الاسم بسبب ضغوط جمهورية الصين الشعبية، وضغوطها وتهديداتها الممارسة على الدول الأخرى والمنظمات الدولية، تايوان هي دولة فتية (معظم سكانها من جيل الشباب) وديمقراطية بامتياز، لها رئيس منتخب، وبرلمان منتخب، وقضاء، مستقل وصحافة حرة، ودستور حامٍ للحريات والحقوق وفصل حقيقي للسلطات. بإنجازها العظيم في مواجهة جائحة «كورونا» هي بذلك تعيد صياغة سمعة جديدة لها في ذهنية العالم. نجاح وإبهار.