//Put this in the section

هل التقى الأمين العام لـ”الحركة الفيديرالية” ”حزب الله”؟

سركيس نعوم – النهار

لا يزال لبنان بعيداً من الحلول النهائية لأزماته الوجودية الناشئة منذ تكوينه ثم بعد استقلاله، كما للأزمات الأخرى التي برزت مع السنوات بسلمها والحروب وأبرزها انهيار الدولة بعد حروب 1975 – 1990، والعجز عن إعادة بنائها رغم اتفاق الطائف والمجتمَعَيْن العربي والدولي، ثم انهيار الاقتصاد تدريجاً ومعه مالية الدولة ومالية الناس والمصارف. هذا فضلاً عن الانهيار العملي للصيغة الوطنية أو للعقد الاجتماعي أو للميثاق الوطني الشفهي الذي اتفق عليه المسيحيون والمسلمون عام 1943. غنيٌ عن القول هنا أن مسؤولية الانهيارات المذكورة لا تنحصر في فريق لبناني واحد أو “شعبٌ” لبناني واحد. ذلك أن الأكثر نفوذاً منها لم ينتبه الى ضرورة تطوير الصيغة والنظام كي تتحوّل “الشعوب” شعباً واحداً ولاؤه للبنان ولدولته التي تؤمّن اشتراك ابنائه كلّهم في حكمه وحمايته والدفاع عن نظامه الجمهوري البرلماني الديموقراطي الحر. كما أن شريكه من بينها سار في اللعبة مكتفياً رسمياً ونظرياً بالدور الثاني لكنه بقي عملياً يشعر بغبن ويطمع الى إزالته بشراكة متساوية أو الى احتلال الموقع الأول في النظام والدولة. ونسي الاثنان أو لم ينتبها الى شريك مهم ثالث كان دوره هامشياً أو مهمّشاً أحياناً كثيرة والى ضرورة تكوين ثالوث موحّد بينهم تلافياً لأن يُحظى يوماً براعٍ من خارج المحيط المباشر للبنان يعطيه كل أسباب القوة ويمكّنه من إقناع الآخرين في البلاد بأنه يستحق أكثر في السياسة وفي الصيغة. علماً أنه أظهر قبل ذلك للداخل والخارج استحقاقه بالعلم والعمل في الداخل وفي المغتربات، وكذلك باستعادته جزءاً من أرضِ وطنه احتلتها إسرائيل أكثر من عقدين. في غمرة هذه التطورات كلّها كان لشعبٍ في لبنان ولقيادته الآحادية الفذّة رغم وجود سياسيين آخرين فيها دورٌ دائماً وأحياناً مفصلياً في التطورات السياسية السلبية والايجابية كما في الحروب التي عصفت بالبلاد. سبب ذلك كان دور شعبه المؤسّس للكيان اللبناني مع المسيحيين وشعوره بعد الاستقلال أن المسلمين بزعامة السنّة حلّوا مكانه. أشعره ذلك بالمرارة وحفّزه على العمل للتحوّل “بيضة قبان” في السياسة وفي الحرب. وساعدته على ذلك قيادته وقوّة شكيمة أبناء شعبه وعدم تهيّبه المخاطرات السياسية والعسكرية وحصوله بسبب مواهبه الكثيرة على احترام قوىً إقليمية ودولية عدّة. ووريثه اليوم يواجه تحوّل دولة الاستقلال ثم دولة الطائف الى أنقاض ويواجه خطر الضمور الديموغرافي وأثره عنده. دفعه ذلك الى العمل للمحافظة على “شعبه” وعلى دور له في لبنانٍ جديد لن يكون قريباً أو بالأحرى لن يولد قبل استقرار المنطقة بنظام إقليمي جديد، يباركه أو بالأحرى يضعه النظام الدولي الحالي وإن مطعّماً ومعدّلاً، باعتبار أن التغيير الجذري له قد لا يكون مستحيلاً لكنه يحتاج الى مدّة طويلة جداً.




في ظل الوضع الموصوف أعلاه يضع كلٌ من “شعوب” لبنان أو بعضها تصوّره الجديد للدولة الجديدة كياناً وجغرافيةً ونظاماً وصيغةً وعقداً اجتماعياً. انطلاقاً من ذلك يمكن القول أن الفيديرالية أو اللامركزية الموسّعة جداً قد تكون سمة المنطقة مستقبلاً. واللافت أن البحث فيها عاد الى لبنان بعدما غاب أو غيّبته الصيغة التي رُسمت له بعد حروبه الطويلة (الطائف) ورعاتها الاقليميين والدوليين. الملاحظ أن أنصار الأولى كما الثانية التي قد لا تختلف عنها إلا بالاسم عادوا الى التحرّك والبروز من دون أي خوف، وجعلوا نشاطهم الذي لم يتوقف يوماً علنياً ولم يواجهوا من القوى المتنوعة التي ناصبتهم العداء من زمان أي “قمع” أو تخوين فالأمين العام لإحدى جمعيات الفيديرالية أو حركاتها ظهر قبل أشهر قليلة على شاشة “المنار” تلفزيون “حزب الله” في حلقة حوارية تميّزت بالهدوء وبغياب الخوف سواء من الكلام في هذا الموضوع من جهة أو من مناقشته بهدوء وعقلانية من جهة أخرى. وفي الأسابيع الماضية زار الأمين العام المشار إليه نفسه “الحزب” في إحدى الليالي وعقد مع قادة فيه أو أشخاص قريبين منه اجتماعاً جدياً. هل يعني ذلك أن “حزب الله” صار مع الفيديرالية؟ ليس بالضرورة، يجيب متابع لبناني جدّي للأوضاع في البلاد وفي الوقت نفسه لحركة “الحزب”. لكنه بالتأكيد صار أكثر تقبلاً للاستماع الى مؤيديها وربما للتفكير فيها جدياً. دافعه الى ذلك معرفته أن هذه الصيغة أو أي صيغة أخرى مشابهة قد تكون سمة النظام الإقليمي الجديد إذا تأسّس. ولذلك لا بد من التحسّب، إذ أنه يعرف أن راعيته إيران الاسلامية ستكون أحد الثلاثي الذي سيقود المنطقة في النظام الاقليمي الجديد. لكن لا شيء يؤكد له أن مشروعها الإقليمي “التوسّعي” سيتحقّق وإذا صحّ ذلك فإن على “الحزب” أن يستعد لكي يستثمر قوّته الشعبية والعسكرية في لبنان الجديد من دون ممانعة رعاة النظام الإقليمي وخصوصاً اذا انضبط قادته بما يفترض أنهم سيتلزمون به. طبعاً لا يزال البحث في هذا الموضوع في بدايته، لكن “حزب الله” يستعد لمواجهة كل الاحتمالات والصيغ في المستقبل، لأنه معروف بالقتال الشرس حتى الموت أو الاستشهاد بلغته وليس بالانتحار.

أين المسيحيين أي أحزابهم وتياراتهم وسياسيوهم وأقطابهم الدينيون من الفيديرالية؟ يجيب المتابع اللبناني الجدّي نفسه أن “الأمين العام” للحركة الفيديرالية المشار إليها أعلاه تحرّك استناداً الى معلوماته في اتجاه تنظيمات مسيحية عدّة منها “التيار الوطني الحر” وعهده الرئاسي ولم يلقى ممانعة عند طرحه معها فكرة الفيديرالية. هل يعني ذلك تأييداً أو رفضاً أو انتظاراً؟ لا أحد يعرف لكن التيار وأنصاره يتصرّفون في الدولة كأنهم حكّامها مع “حزب الله” أو بالنيابة عنه. ويعرف الجميع أنهم يعملون للاستئثار بالتمثيل المسيحي الرسمي والسياسي والاداري والمالي والقضائي والأمني والعسكري في دولة لبنان الفيديرالية رسمياً أو اللامركزية أو المركزية واقعاً والمنقسمة دولاً متناحراً دائماً.