//Put this in the section

٦٠٪ من الشعب اللبناني سيعيش الفقر!

“اللي بياكل من خبز السلطان بيحارب بسيفه” إلا في لبنان، ترسم حكومتنا خطة إقتصادية كاملة بناءً على خيار صندوق النقد الدولي ثم ترفض تقديم محفزات على طاولة المفاوضات الدولية كتقليص نفوذ “حزب الله” وتنفيذ إصلاحات فعلية مثلاً. وأمام أزمتي كورونا والنفط اللتين تضربان باقتصادات أكبر الدول المانحة المُعوّل عليها في حلّ أزمتنا الإقتصادية، يبدو أن قرابة نصف الشعب اللبناني، الذي بات تحت خط ‏الفقر بحسب البنك الدولي‎، سيدفع وحيداً فاتورة الضغط السياسي جوعاً وعوزاً.

وفيما تراهن حكومة الأخصائيين على المساعدة المجانية من دون مقابل أو تنازل أو قراءة واقعية أو إصلاح سياسي وقضائي وأمني، وتفترض انعدام المصالح الجيوستراتيجية، يبحث المواطن اللبناني عن بصيص أمل بين المصير المجهول للمنح والقروض الدولية التي سترمي أحمالها على أكتافه في ظل وعود بمعالجة تراكمات الفساد والهدر والسرقة وسوء الإدارة. ومن جهته صرح مصدر خاص من “البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً” لـ”نداء الوطن” بمعلومات خاصة وأرقام صادمة تلخص الفاجعة.




ناقوس الخطر

دق البنك الدولي ناقوس الخطر، في خلال اجتماع على منصة الكترونية مع مجلس إدارة تجمع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين في العالم برئاسة فؤاد زمكحل ناقشوا فيه أثر الأزمة الإقتصادية والمالية الحالية التي يواجهها البلد، وأثرها على القطاع الخاص اللبناني بالتحديد. في التفاصيل، يقول مصدر لـ”نداء الوطن” ان المدير الاقليمي للبنك الدولي للشرق الاوسط ساروج كومار جاه وفريق عمله أبديا تخوّفهما من تزايد أعداد الفقراء إذ أنه بحسبهما 60% من الشعب سيعيش الفقر حتماً في تفاصيل حياته اليومية في حين أن 22% منهم سيعانون من فقر مدقع.

باختصار إن الأزمة المالية والإقتصادية في البلاد وصلت إلى حدود الإنهيار والإفلاس، كما يتحدث إقتصاديون عن احتمال وصول الركود في لبنان إلى رقم عشري وارتفاع معدل التضخم إلى 20% وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 12%، وخسارة اللبنانيين أكثر من 50% من قوتهم الشرائية على المدى الطويل في حين سيتراوح العجز في الموازنة بين 13 والـ15% إلى جانب أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي ستقفز بنسب كبيرة. في المقابل يراوح الفساد مكانه، وتبقى سوء القرارات الحكومية سيدة الموقف في إجراءات فكاهية تتراوح بين قوننة زراعة القنب الهندي ومصادرة دولارات تحويلات المغتربين الواردة إلى لبنان وحجز أموال المودعين وقمع المتظاهرين لحقوقهم مع تأكيد غير مباشر في أحد بنود مسودة الخطة الإقتصادية التي قدمها رئيس الوزراء حسان دياب على ارتفاع معدلات الفقر بفعل الإشارة، إلى تقديم الدعم المالي للعائلات الفقيرة. تغلغلت أزمة الفقر المدقع في لبنان منذ العام 2007 حين تلقّت الحكومة اللبنانية في مؤتمر باريس 3، هبة مالية من الدول المانحة لتمويل مشروع دعم تطبيق شبكة الحماية الاجتماعية الطارئة.

وتحت بند القطاع الإجتماعي إنبثقت شبكة الحماية الإجتماعية الوطنية، وبالتالي البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً.

على قارعة الفقر

إلا أن المشروع لم يُطلق حتى تشرين الأول 2011 حيث كان 27% من سكان لبنان أي حوالى المليون مواطن يُصنف فقيراً. ومنذ ذلك الحين تسارعت وتيرة تردِّي الأوضاع الاقتصادية والمالية للبلاد واعتمدت الحكومة البرنامج بشكل رسمي مخصصةً سلفة مالية قدرها 28.2 مليون دولار أميركي كرصيد أولي للبرنامج ولتنظيم سلة المعونات للفترة الممتدة بين 2012-2014. بعدها، وبعيد الأزمة السورية وتزايد أعداد اللاجئين السوريين، ارتفعت معدلات الفقر في لبنان حتى بلغت الـ32% من السكان أي ما يقارب المليون وثلاثمائة ألف شخص فأعيد إطلاق المشرع بهبة جديدة من البنك الدولي بقيمة 8.2 ملايين دولار أميركي تحت إسم “برنامج استهداف الفقر على المستوى المحلي في حالات الطوارئ” محددين تاريخ إنتهاء المشروع في الـ2017، ليعود ويمدد مرتين إلى أواخر عام 2020.

وتظهر الأرقام التي قدمها المصدر من “البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً” لـ”نداء الوطن” أن البرنامج يشمل حالياً 43 ألف أسرة، أكثرها تسكن شمال لبنان 41.4%، يليه فقراء البقاع بنسبة 29.6% و16.1% في جبل لبنان، أما في جنوب لبنان فتعد نسبة الفقراء المستفيدين من البرنامج بـ 8% و4.5% في النبطية لنصل إلى أقل نسبة مستفيدين من سكان بيروت بنسبة 0.4%.

إلا أنه بحسبه، من المتوقع أن تؤدي الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة إلى دفع أكثر من 155 ألف أسرة (850 ألف فرد، أي ما يعادل 22% من السكان اللبنانيين) تحت خط الفقر المدقع؛ و356 ألف أسرة (1.7 مليون فرد، أي ما يعادل 45% من السكان اللبنانيين) تحت خط الفقر الأعلى. وفي بيان آخر، أشارت احصاءات البنك الدولي أن 200 ألف لبناني تقلصت رواتبهم بين 30% و50%، ومن المتوقع أن تصل نسبة العاطلين عن العمل إلى 300 ألف أي 44% بينما كانت في العام الماضي 160 ألف لبناني. كما أن كلفة اللاجئين سنوياً تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار منها حوالى المليار دولار تكاليف مباشرة سنوياً. ما يوازي نحو 25 مليار دولار بإجمالي السنوات المنصرمة.

ووفق تقديراتهم، فإن 55% من الشعب اللبناني بات تحت خط الفقر، فيما سُجل في الأشهر الأخيرة إقفال مئات المؤسسات التجارية مترافقاً مع صرف واقتطاع رواتب عشرات الآلاف من الموظفين. واستجابة لذلك، وضع البنك الدولي بتصرف الحكومة مؤخراً قرضاً قيمته 400 مليون دولار على أن يستخدم جزء منه لدعم برنامج الأسر الأكثر فقراً.

زبائنية مبطنة

وعلى الرغم من طرح حجم الفاجعة بالأرقام، لم يخرج مسلسل “الفقر والجوع والبطالة” بجديد ويترقب المواطنون السيناريو الأسوأ. فلطالما كان الإنفاق الحكومي المخصص لمساندة الفقراء من المال العام منخفضاً، إذ لم يتعدّ نسبة 0.15% من مجموع النفقات والـ0.048% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الفائتة أما الفقير فكان يعتمد على المبادرات الشبابية حيناً وعلى هبات “البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً” الهادفة إلى توفير المساعدات الاجتماعية للأسر اللبنانية الأكثر فقراً، ولا سيما تغطية صحية كاملة وإعفاءات من رسوم تسجيل الطلاب في المدارس والثانويات والمهنيات الرسمية، وقد أضيفت بطاقة للمساعدات الغذائية للأسر الأشد فقراً. كل ذلك، ما إذا استطاع الفقير التسجيل في البرنامج!

فبمجرد أن تنقسم إدارة البرنامج بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووحدة الإدارة المركزية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، يشك الكثيرون أن قاعدة بياناته شفافة وهو ما لمسه المواطنون مؤخراً إثر الإتهامات بين الأقطاب عن المحسوبيات و “اللوائح الملغومة” في تسجيل العائلات المستفيدة.

أما المصدر في “البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً” فيشير لـ”نداء الوطن” أن 80% من الأفراد المدرجين في قاعدة البيانات ينتمون إلى الـ 30% الأكثر من السكان لكنه يلحظ بنفس الوقت أن البرنامج يشمل 25% فقط من الأسر التي تعيش تحت خط الفقر المدقع، ويقرّ بالتالي أن هناك حاجة ملحة لتوسيع البرنامج ليشمل جميع الفقراء المدقعين (155,000 أسرة)، بالإضافة إلى توسيع قاعدة البيانات وإضافة مستفيدين جدد من خلال التماس طلبات انتساب جديدة أو إجراء زيارات منزلية لعينة عشوائية من الأسر، أو اعتماد أدوات التنميط القائمة على المخاطر للتركيز على الحالات التي تتضمن احتمال خطأ أو احتيال.

وعلى الرغم من أن ما تنتظره حكومتنا من مال مرصود لفقراء لبنان، إلا أن ضعف الحملات الترويجية السابقة لنفس البرنامج، يطرح تخوفاً جدياً من عدم وصوله إلى الجميع ويمكن أن يحول ذلك دون اطلاع المواطن المعوز على البرنامج وسبل الإستفادة منه.

بطاقة حياة؟!

يتم إصدار بطاقات البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً أو ما يسمى بـ”بطاقة حياة” لصالح الأسر التي حصلت على معدل دون خطّ الفقر المدقع. في الوقت الراهن، تحمل 43 ألف أسرة بطاقة حياة، وذلك من أصل مجموع الأسر المدرجة في قاعدة البيانات والبالغ عددها 140 ألف أسرة (580,000 فرد). وتخوّل البطاقة هذه الأسر الاستفادة من خدمات مجّانية في مجال الرعاية الصحّية والتعليم وتستفيد الأسر المعيشية الأكثر فقراً بينها، وعددها 15 ألف أسرة، من القسيمة الغذائية الإلكترونية (بطاقة سحب إلكتروني). إلا أن الدولة في غالب الأحيان كانت تتقاعس في دفع متوجباتها، مما أدى إلى معاملة الفقراء الذين يحملون بطاقة البرنامج بطريقة غير لائقة، حيث أنه حتى الآن يواجه المرضى الذين يحملون بطاقة الدعم من رفض استقبالهم في معظم المستشفيات ويواجه الأهالي نفسهم امتناع المدارس عن تسجيل أولادهم.

إلا أن التحفظ الأهم على البرنامج يتمثل في كونه لا يحل الأزمة بل يؤجل انفجارها، ويكرس مبدأ الإتكالية والإعتماد بالكامل على المساعدات، فيمنح الفقراء “سمكاً” بدل من تمكينهم من “الصيد” إذ يفتقد البرنامج لأي استراتيجية لتحسين أوضاع الأسر المستفيدة منه وبالتالي لن يحد من “الفقر” ولن يساعد فقراء لبنان على الخروج من الأزمة المستجدة.

مريم مجدولين لحام | نداء الوطن