//Put this in the section

عماد الخطة الاقتصادية.. خفض قيمة الليرة

بروفسور جاسم عجاقة – النهار

أقرّت الحكومة اللبنانية خطّتها الاقتصادية التي وصفها رئيس الحكومة حسان دياب بالحدث التاريخي للبنان. وتعتمد الخطة على ثلاثة إجراءات تُشكل أساس الخطة:




أولاً- إعادة هيكلة الدين العام وتحميل الخسائر إلى مصرف لبنان، المصارف التجارية وقسم من المودعين.

ثانياً- خفض سعر صرف الليرة مما يُصحّح الخلل في ميزان المدفوعات والحساب الجاري ويُخفض أيضًا الدين العام بالليرة اللبنانية (الزيادة في الدين بالدولار ستذهب بحكم الاقتطاع).

ثالثاً- طلب مساعدة صندوق النقد الدولي مما يفتح الباب أمام “سيدر” ومساعدات أخرى.

إعادة هيكلة الدين العام

إعادة هيكلة الدين العام اللبناني مقسوم إلى ثلاثة أجزاء: تحميل القطاع المصرفي (وتالياً قسم من المودعين) قسماً من هذا الدين، اقتطاع من قيمة الدين الاسمي، وخفض قيمة الدين بالتضخم (الزيادة في الدولار تذهب بالاقتطاع). وتمّ تعليب هذه الأجزاء الثلاثة في الخطة في المراحل التالية: (1) إعادة هيكلة الدين العام، (2) إعادة هيكلة مصرف لبنان، و(3) إعادة هيكلة المصارف اللبنانية.

تأثير الدين العام على القطاع المصرفي بشقيه، مصرف لبنان والمصارف التجارية، كبير بحكم أن 84% من الدين العام محمول داخليًا. لكن حجة واضعي الخطّة للقيام بتحميل القطاع المصرفي هذا العبء، هو أن مداخيل “سكّ وطباعة العملة وعمليات السوق المفتوحة والأصول غير المادية” هي خسائر يراكمها مصرف لبنان منذ سنين طويلة بحكم أن المعالجة المحاسبية تقوم على تغطية الخسائر الناتجة من تمويل الدولة من المصرف المركزي وتثبيت سعر صرف الليرة بمداخيل مستقبلية من سكّ وطباعة العملة. وتالياً قام واضعو الخطة باحتساب مجموع الأرقام من العام 2009 إلى العام 2020 أي ما يزيد على 40 مليار دولار أميركي وصنّفوا هذه الأرقام على أساسي خسائر متراكمة على مصرف لبنان.

مداخيل سكّ وطباعة العملة هي مداخيل حقيقية تُترجم بفوائد يقبضها مصرف لبنان حين يُقرض المصارف أو الدولة اللبنانية. وتنص النظرية الاقتصادية على أن هذه المداخيل يستخدمها المصرف المركزي للدفاع عن العملة (المهمة الأساسية) في حين أنه إذا ما وضعت الحكومة يدها على هذه المداخيل، فإنها تعتبر ضرائب غير مرئية تفرضها الحكومة على مواطنيها (ضدّ الديموقراطية). من هذا المنطلق، منعت حكومات العالم من وضع اليد على مداخيل سكّ وطباعة العملة من خلال ضمان استقلالية المصارف المركزية ومنع هذه الأخيرة من إقراض الدولة ( مثلاً Loi Pompidou 1973).

ما تُوحي به الخطّة أن الحكومة تتجه نحو وضع اليد على هذه المداخيل وهو مخالف لقانون النقد والتسليف الذي تحكم المادة 91 منه عملية الإقراض. وخير دليل على ذلك العبارات الصريحة التي تنصّ على محو كل مستحقات مصرف لبنان على الدولة مما يعني أن الدوّلة ستُغطّي قسماً من الدين بواسطة الـ seigniorage.

وبما أن المبلغ لا يكفي لإطفاء الدين العام، توجّه واضعو الخطّة إلى المصارف عبر رأسمالها ولكن أيضًا قسم كبير من الودائع (من ناحية القيمة) وهو ما يُناهض الدستور بحكم عدم تساوي المواطنين أمام القانون وقدسية الملكية الخاصة!

“الهيركت” المطروح هو من خلال ما يُسمّى بالـ bail-in أي تحويل قسم من الودائع إلى أسهم في المصارف. وعلى الرغم من الطابع الاختياري الذي تمّ إقراره، إلا أن قلّة قليلة من المودعين يُمكن أن تقبل بمثل هذا الأمر. أيضًا ثمّة تحويل لقسم من الودائع إلى أدواة مالية تُصدرها المصارف على فترات طويلة بفائدة صفر مع إلغاء كل الديون الأخرى على المصارف.

وفي ما يخص خفض الدين عبر زيادة التضخم، فقد أشارت دراسة لـ “رينهارت” (Growth in a Time of Debt-2010)، أن التضخم يؤدي دور المُنظم في أوقات الأزمات ويسمح باعادة التوازن المالي. ويعتقد بعض الاقتصاديين أن تضخماً مُفتعلًا يسمح للحكومة بتخفيف وزن دينها العام بالعملة المحلية (خفض معدل الفائدة الحقيقية). وبما أن دين الدولة سيزيد بالدولار الأميركي (تقويمًا بالليرة)، فإن هذه الزيادة سيتمّ محوها من خلال اقتطاع اسمي من قيمة الدين بالدولار الأميركي.

خفض سعر صرف الليرة

تنصّ النظرية الإقتصادية على أن العملة تعكس ثروات البلد وتالياً فإن بلدًا ذا اقتصاد قوي يعني عملة قوية والعكس بالعكس. ما ثبّت سعر صرف الليرة في السنين الماضية هو حجم الاحتياط من العملات الأجنبية في المصرف المركزي والنمو الاقتصادي في الأعوام 2007 إلى 2010.

وتنصّ دراسة لأحد الباحثين على أن كلفة تثبيت سعر صرف الليرة في البلدان التي “لا تتمتّع بثبات أمني وسياسي” هي أقلّ من كلفة تحرير العملة. في حين أنه في الدول التي “تتمتع بثبات أمني وسياسي” العكس هو الصحيح.

ثبات العملة هو أحد ركائز الأمن الإجتماعي، وتالياً تسعى الحكومات إلى الحفاظ على مستوى نمو إقتصادي مقبول لضمان الثبات النقدي تحت طائلة دفع الثمن في الإنتخابات. من هنا يأتي خفض قيمة سعر صرف الليرة اللبنانية في الخطة الحكومية كضربة قوية للأمن الاجتماعي حيث من المتوقّع أن تنخفض القدرة الشرائية ويرتفع مُعدّل نسبة الفقر إلى 73.5% بحلول العام 2024 (الأفق الزمني للخطة الحكومية). هذه الزيادة بالفقر تأتي من العوامل التالية:

أولاً- خفض قيمة الليرة اللبنانية وتالياً رفع التضخمّ في ظل تفشّي فيروس كورونا والمواجهة السياسية مع الولايات المُتحدة الأميركية والتي ستمنع قدوم الدولارات إلى لبنان؛

ثانياً- تجميد الأجور في القطاع العام (ما يُشكّل ثلث العاملين) مع خفض لعدد العاملين بالساعة في القطاع العام (بغض النظر عن التسميات)؛

ثالثاً- الحد من التقديمات الاجتماعية المُقدّمة من الدولة إلى المواطنين (نظام التقاعد، الطبابة والاستشفاء…).

وباحتساب نسبة الفقر التي ستطال المجتمع اللبناني نتيجة الخطة الحكومية من خلال النمو الحقيقي (Real GDP Growth)، والتضخّم (CPI Inflation) الواردين في خطّة الحكومة (Macroeconometric Model)، نستنتج أن عدد الفقراء سيصل إلى 3 ملايين شخص (على 4.2 ملايين) في العام 2024 أي ما يُشكّل 73.57%!

وعلى الرغم من الإجراءات لتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي المنصوص عليها في الخطة، فإن هذه الإجراءات تبقى محدودة أو غير قابلة للتطبيق بحكم الواقع المالي للدولة.

من هذا المنطلق، نرى أن أي مسّ بالليرة اللبنانية قبل تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية سيكون له تداعيات اجتماعية كارثية نظرًا إلى الدور المركزي للثبات النقدي في الأمن الاجتماعي.

تحرير سعر الصرف يُشكّل مطلباً أساسياً لصندوق النقد الدولي لكونه يُعالج الخلل في ميزان المدفوعات عبر تخفيض القدرة الشرائية للمواطن اللبناني وتالياً تقليل الاستيراد!

وكنتيجة يُمكن القول إن تحرير سعر صرف الليرة يُشكّل “محور الخطة”، وإذا ما أُطيح بهذا البند من الخطّة تحت تأثير الضغط الشعبي، فإنه من شبه المستحيل تنفيذ الخطة.

طلب مساعدة صندوق النقد الدولي

لم يتأخر الرئيس حسان دياب بطلب مساعدة صندوق النقد الدولي قبل الحصول على موافقة مجلس النواب على خطته. وهذا الأمر آتٍ من قناعته أن لا خلاص من دون ضخّ أموال من الخارج. ويأمل الرئيس دياب أنه بموافقة الصندوق على مساعدة لبنان، سيفتح الباب أمام تحرير أموال “سيدر”.

لكن المُشكلة الأساسية في هذا الطلب هو البعد السياسي للملف والذي تخوّفت منه بعض القوى السياسية المحلّية التي رفضت سابقًا طلب مساعدة الصندوق مع احتمال تضمين مطالب الصندوق مطالب ذات بعد سياسي. وقد أتى تصريح مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر ليؤكد أن الحصول على المساعدة الخارجية لن يكون بالسهولة مع إثنائه على طلب المساعدة من الصندوق.

وعلى هذا الصعيد لا تذكر الخطّة أية خطوات فعلية عن كيفية مقاربة الحكومة لهذا الملف وبالتالي مع الإنقسام السياسي الحالي الذي لا سقف له، هناك صعوبة كبيرة أمام الحصول على مساعدات.

ملاحظات عامة

العديد من الملاحظات يُمكن إدراجها على الخطة، نذكر منها البعض:

– لا يوجد أي ذكر لقطوعات الحسابات منذ العام 1993 حتى العام 2018!

– لا يوجد أي جدول زمني بالإصلاحات بل عناوين عامة

– سعر صرف الليرة مبني على السعر الحالي (تغير بين مسودة الخطة والخطة المقرّة) وبالتالي نتائج الحسابات كلها تتغيّر مع تغيير سعر الصرف مما يعني أن هذه الحسابات تحوي هامش خطأ كبيراً.

– تداعيات تدابير الإيرادات والإنفاق مبنية على تقديرات محاسبية غير واقعية خصوصًا أنها لا تأخذ بعين الاعتبار الواقع اللبناني

– لا يوجد أي تقديرات رقمية لنسبة الفقر أو البطالة التي ستنتج من هذه الخطة

– لا يوجد أي تقديرات رقمية لتداعيات كورونا على تطبيق الخطة

– الأرقام تقديرية وليست مبنية على نموذج Macroeconometric يسمح بحساب المتغيرات الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية

– فرضيات السيناريو الأساس (baseline scenario) تفاؤلية جدًا ولا يُمكن الاتكال عليها علميًا، إذ إن المنهجية تقضي بأخذ 3 سيناريوات “تفاؤلي”، “تشاؤمي” و”الأكثر احتمالًا” والقيام بإعطاء النتائج على أساس: (تفاؤلي + (4  الأكثر إحتمالًا) + تشاؤمي) \ 6.