//Put this in the section

عون يكرّس نظاماً رئاسياً و”ينسف الطائف”… تغطية ”حزب الله” تفرض سلطة أمر واقع!

ابراهيم حيدر – النهار

ليس خروج الخطة المالية إلى العلن هو نجاح للحكومة في السير بلبنان إلى الإصلاح والإنقاذ، ذلك أن هذه الحكومة تتخبط في قراراتها أمام ملفات اساسية. هي اليوم تواجه غضب الناس من الوضع المعيشي، ولا تستطيع التقدم في معالجة الوضع المالي والاقتصادي، وتضع جسمها أيضاً في مواجهة قوى سياسية معارضة لها وللوصاية السياسية عليها، وكذلك المجتمع الدولي فضلاً عن الخلافات في داخلها، والتي تخرج أحياناً من مصالح وحسابات متصلة بأولويات محور المقاومة. وفي ممارستها تنفذ الحكومة مشروع نقل لبنان إلى ضفة أخرى بالقطع مع المرحلة الماضية وإعطاء جرعة دفع لتشكل النظام الرئاسي بالقوة التزاماً بسياسات الممانعة بصرف النظر عن طلب مساعدة صندوق النقد الدولي.




تعمل الحكومة تحت سقف العهد و”حزب الله”، فهناك أدوار عدة يتولاها كل طرف سياسي من المحور الحاكم وفق سياسي متابع، والذي بات اليوم مسيطراً على كل الملفات بما فيها الأمن والسياسة الخارجية وكذلك الاقتصاد والمال، وهذا الملف الاخير كان في عهدة الحريرية السياسية في إطار تقاسم المسؤوليات في النظام بين 1993 و2008 أي عند اتفاق الدوحة بعد 7 ايار الشهير.وتكرست السيطرة مع بدء الحرب السورية وانخراط “حزب الله” فيها، حيث بات هذا الاخير معنياً بالملف المالي خصوصاً بعد انخراطه بقوة في النظام والحكومة والمؤسسات، وبعد العقوبات التي طالته على غير صعيد.

جاءت الخطة المالية التي أقرّتها الحكومة أخيراً لتحظى برعاية العهد ودعم “حزب الله” أيضاً، فيما بدا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لديه ملاحظات حولها. المهم بالنسبة الى قوى الممانعة التي ترعى مسيرة الحكومة ليس تصحيح حسابات الدولة التي لا تلبي الخطة عملية إصلاحها فعلياً ولا إحصاء الخسائر، إذا كان لا يمكن للحكومة توجيه السهام حقيقة الى كل الذين نهبوا البلد واستعادة هذا المال ليس فقط من الهندسات المالية، فيما أموال الكهرباء على سبيل المثال لا تمس، إنما يوجه الاتهام الى المصارف وأصحابها ووضع رساميلها لإطفاء الخسائر، علماً أن لا اعتراض على طلب مساعدة صندوق النقد، وهو أمر يفتح على كثير من النقاش والبحث طالما أن قوى الوصاية تسير بالملفات وفق ما تراه مناسباً وتعلق أخرى لحسابات سياسية ومصالح تخدم هيمنتها.

رئيس الجمهورية ميشال عون كان واضحاً عندما اعتبر يوم اقرار الخطة بالتاريخي، وهو الذي شارك في السلطة ابتداء من عام 2005 وعمل على عقد تسويات عدة مع الاطراف الذين يحملهم مسؤولية ما حل بالبلد جراء السياسات الاقتصادية السابقة، لكنه في المقابل لا يخفي أنه يريد تغييراً على مستوى الحكم والصلاحيات، بما يؤدي الى الهيمنة الكاملة استكمالاً للانقلاب على الطائف، وعلى ما تمثله الحريرية السياسية، علماً أن الخطة المالية لا تقدم طروحات جذرية للتغيير الاقتصادي، وهي تستند أيضاً إلى الاستدانة، طالما أن الإطباق على الحكم بالسياسة يعطي ما يمثله عون وتياره صلاحيات يريد تكريسها بفعل الامر الواقع. وسيجدد عون في كل مناسبة ومحطة سياسية، بحسب السياسي، تحميل الذين حكموا خلال السنوات الثلاثين الماضية مسؤولية الأزمة، علماً أنه جزء منهم خلال 15 سنة على الأقل، فمن الذي يستوعب اليوممن موقع المسؤولية الأولى حقيقة الانفجار الشعبي ضد الفساد.

وبينما بات واضحاً أن معارضة الخطة المالية تتسع على غير نطاق، علماً أن المجتمع الدولي يربط المساعدات بالاصلاح وكذلك بالسياسة، فيما الشارع اللبناني مفتوح على كل الاحتمالات، بدا ان الاجتماع الموسّع الذي دعا اليه عون الأربعاء في قصر بعبدا ويضم رؤساء الكتل النيابية كلها، هو خطوة لتكريس المرجعية الرئاسية ونظامها، وفق السياسي اللبناني، وهي تأتي لقطع الطريق على أي خطوة أو مبادرة يمكن أن يطلقها رئيس مجلس النواب في ساحة النجمة، في الوقت الذي تتسع فيه مروحة المعارضة للخطة ولسياسة الحكومة، علماً أن كتلاً عدة يمكن أن تقاطع الاجتماع ليقتصر في شكل رئيسي على قوى محور الممانعة وما يدور حوله. ويلفت السياسي إلى أن استعجال عون في تحقيق انجازات يرتبط بالوقت وبما تبقى من الولاية الرئاسية لحسم اسم جبران باسيل، وهو سيصعد في المرحلة المقبلة للإمساك بكل الملفات بتسهيل من “حزب الله” الذي يغطي التوجه الحكومي بحسمه ملفي الأمن والسياسة الخارجية. أما الأخطر وفق السياسي، فيكمن في الاندفاع الى نيل الحصة الأكبر في السلطة والمؤسسات وفي المال والاقتصاد إلى حد شطب كل القوى الأخرى من دون أن يقدم أي انجاز يمكن الركون اليه، إذا أن الانهيار يسابق الخطط والفوضى الأهلية تكتسح الشوارع، والغضب الشعبي من ينزلق الى العنف المتفلت فيما الحكومة عاجزة عن اقناع اللبنانيين بأنها حكومة انقاذ.

واياً يكن المشهد في المرحلة المقبلة، فإن الكلام الذي يكرره “حزب الله” بضرورة اعطاء فرصة للحكومة ويتوزع موقفه بين الرعاية والتوجيه، لا ينفي أن المحور الحاكم والوصي على الحكومة يريد تغيير المعادلات في البلد، مستفيداً من تراجع نبض الانتفاضة الشعبية وتمكنه من توظيف بعض حراكها، علماً أن المعارضة التي حاولت ايضاً تحريك الشارع لم تستطع رفده بحركة شعبية، وهي عاجزة أيضاً عن بناء حركة معارضة وطنية حقيقية، بعدما تمكن العهد و”حزب الله” من اخراجها من السلطة الحالية، وهو يتجه الى تغيير أسس الحكم والتركيبة السياسية، فإذا كان هذا الأمر غير ممكن بالدستور، ليكن الامر الواقع مثبتاً بالهيمنة عرفاً وتقليداً، علماً أن تحقيق هذه الأهداف، ستغير وفق السياسي وجه لبنان الذي بدأنا نرى بعض عناوينه في السياسة والامن والاقتصاد والمال.

المفارقة أنه برغم الاحتفال بكل مشروع و”إنجاز”، وبرغم السيطرة والاطباق على مفاصل البلد، يتبين أن الحكومة والعهد ومعهما “حزب الله” غير قادرين على حل الأزمة المالية، ولا على وقف الإنهيار ولا الانزلاق الى الفوضى. ومع ذلك يقنع هؤلاء أنفسهم بأن خططهم إتقاذية، فيما هم يرهنونه للخارج بالتوازي مع الإفقار، ولا يقنعون اللبنانيين بقدرتهم على فتح ملفات فساد حقيقية تطال كل المتورطين بنهب البلد، إذ لا يمكن السير بهذا الملف باستنسابية وبتركيب ملفات وتسوية أوضاع، فيما يستمر المحظيون بنهش ما تبقى من جسم البلد. في حين أن لبنان الذي يتغير تدريجاً لا يجد أيضاً من ينقذه ويقدم خطة بناء بديلة للدولة…