//Put this in the section

ساسة ورعيان وأيام تاريخية – مصطفى فحص – الحرة

بينما كان المُكلف بحُكم البلاد يعلن عن يوم تاريخي جديد يضيفه إلى رزنامة إنجازاته الخالدة، ويدونه في سجلات عائلته الخالدة، وتياره الخالد وحروبه الخالدة، كنا نشق طريقنا صعودا من بيروت باتجاه البقاع الغربي بحثا عن إنجاز تاريخي نضيفه إلى دفتر إنجازاتنا الفارغ.

في ذلك الخميس، اليوم الأخير من شهر أبريل (نيسان) أو النسيان الضروري لما كان ولما ما سوف يكون، كانت عملتنا الوطنية الأبية تتعرض لعدوان مالي من قبل دولار الإمبريالية العالمية، أدى إلى خسارتها 75 في المئة من قيمتها.




لكن العهد أبى أن يستسلم في تلك اللحظة. قام سريعا بالهجوم المضاد على محور السراي العثماني الكبير، فقد سدد رجاله ضربة موجعة للمندوبة الأميركية السامية، حيث رفض المقيم الأول في السراي الحكومي الإجابة على اتصالاتها المتكررة، واختيار رسائل واتسآب للإجابة على تدخلاتها وإملاءاتها، معلنا رفض الجمهورية الاستجابة لمطالبها، لفتت إلى أن السفيرة قرأت الرسالة، بينما نفى إعلام “العدو” أن تكون السفيرة تستخدم هذا التطبيق.

يوم الخميس الفائت خرج رئيس البلاد والعباد بصفته “بي (أب) الكل” مبشرا اللبنانيين بولادة فجر اقتصادي جديد سيعيد الأمل بعد سنوات اليأس والإحباط. لكن عند قراءة المشروع الاقتصادي يتبين أن تفاصيل المشروع لا تختلف عن مشاريع سابقة لم تنفذ أو “منعت” من التنفيذ أو أجلت حتى يتم تسجيلها باسم العهد وانتصاراته وحروبه الانتقامية والإقصائية على كل من يرفض الاعتراف بإنجازاته حتى لو كانت نكبات، وهي التي يصفها الصحفي اللبناني منير الربيع بقوله “غريبة هي الطبائع اللبنانية التي تهجو نفسها عندما تلجأ إلى امتداح نفسها، وغالبا ما يكون المنطلق في هذا التناقض نابعا من الاستخفاف بعقول الناس، والرهان على انعدام الذاكرة لديهم، وهذا المنهج تحول إلى علم أو أحد فروع علوم السياسة، يندرج في خانة “تخريب العقول” وجعل الناس في موقع المتلقي لا المناقش والمحلل، والذي يقارب الأمور بكل اختلافاتها”.

في الأسبوع الأخير من شهر النكبات، ما بين انهيار الليرة محليا وانهيار أسعار الطاقة عالميا، كانت أحلام اللبنانيين المعلقة على عائدات النفط والخام تنهار أيضا. لم تترك شركة توتال للسر مكان، فقد أعلنت، دون الأخذ بعين الاعتبار مشاعر العهد وحاجة سجلاته للإنجازات، عن عدم الجدوى الحفر في أملاك العائلة الحاكمة البحرية “البلوك رقم 4” حيث الكميات المكتشفة أقل بكثير من كلفة الإنتاج، هذا الخبر المحبط دفعنا نحن التائهين للبحث عن مخرج من هذه النكبة.

عودة على بدء، إلى يوم العهد التاريخي، وما رافقه من نكبات أصابت النفط والليرة تزامنت مع كورونا وتداعياتها، في ذلك اليوم اتجهت مع ثلاث من الرفاق السابقين فاروق يعقوب وأنور الحمصي وشادي هنوش إلى بلدة المنصورة في البقاع الغربي، كان هدفنا القيام بإنجاز نضعه في خانة الإنجازات التاريخية بعد 15 عاما من الخيبات، وكان الحل ثوريا بعيدا عن الصحافة والتجارة والتعليم، للانتقال إلى قطاع الماشية وتربية الأغنام كحل طويل الأمد بعدما أغلقت كل الحلول مع هذا العهد.

في المنصورة بدأ يومنا التاريخي، تباحثنا في أنواع الماشية وبطريقة الاعتناء وكيفية بناء المكان، وسريعا انتقلنا إلى الأرباح حتى قبل وضع الميزانية، وللحظة اعتقدنا أنها ستزيد عما كنا سنجنيه من تجارة النفط الافتراضية، وبما أن مشروعنا التاريخي محدودا، أضفنا أنواعا أخرى من الطيور والدواجن إلى مزرعتنا، وعدنا إلى بيروت ونحن نحمل خيارنا التاريخي الذي سألتني والدتي عنه مساء، فأجبتها أن المشاريع الاستراتيجية الكبرى تضاف إلى مخططات تعدد الدخل في مرحلة الحاجة إلى تطوير الأمن الغذائي، كما أن تعزيز الاقتصاد الوطني يحتاج إلى قرار تاريخي، لكن والدتي اختصرت جوابها بالمثل الشعبي “رعية يوم.. تيسنة سنة”.

في لحظة تلاشي الأحلام وضياع الأمل، وفي ذروة نكران العهد للواقع ولجوئه إلى الخيال، تقفز تفاصيل رواية غبريال غارسيا مركييز “خريف البطريرك” إلى الذاكرة، إلى أيام الديكتاتور الأخيرة، حاضره وماضيه، إنجازاته وانتصاراته، ذكرياته وما يريده في ذروة خريفه: “أعيش أنا ويموت ضحايايا ويكتبها خلسة على جدران المراحيض العمومية في زوايا مملكته البائسة، ويطربه سماعها من أفواه الجوعى والمتسكعين والمشلولين والمتسولين على درجات سلم القصر الرئاسي والبرصي تحت أشجار الورد، أنثر على رؤوسنا ملح العافية سيدي البطريرك”.