//Put this in the section

من “جيل الحرب” إلى “جيل الجائع”، والعرّاب “سلطة حفر القبور” – بقلم كاتيا سعد – باريس

يوم استعادت كلمة “ثورة، ثورة” أنفاسها في بعض المناطق اللبنانية، وتجاهل الثوّار إجراءات الوقاية من كورونا وكسروا قواعد الحجر الصحي-المنزلي وعادوا إلى الشارع، ليصرخوا الجوع والفقر.. هذا دليل كي يدرك المسؤول بأن حجم الأزمة متضخم جداً، وبأن المواطن ما عاد لديه بالفعل ما يخسره. عادوا ظنّاً منهم بأن ضمير الحكام سيستيقظ، ولعلّ هذه الخضّة ستحرّك بوصلتهم نحو قرارات اليقظة، ولكن “لا حياة لمن تنادي”!!

فلانٌ سيتحدّث في بيان إعلامي رسمي، وآخر سيفعل بالمثل.. والنتيجة: وفسّر الماء بالماء. علامَ سيفرح الشعب اللبناني؟ وإلامَ عساه يصغي؟ الشعب نفض عنه سياستكم وسيادتكم، فيوم انعدمت لديكم الوطنية وتنصّل ضميركم من الإنسانية وباتت قراراتكم تدوس على حقّ المواطن بالعيش “الكريم”، حينها زالت شرعيّتكم لديه وبات وجودكم “غير محبّب”.




أسفي على فئة ما زالت تنتسب لهذا الحزب أو ذاك، وتصفّق لهذا الحاكم أو ذاك، وتبرّر لهذا الزعيم أو ذاك، وتبيّض صفحة هذا المسؤول أو ذاك.. أسفي على كل من يسألني عن اسم عائلتي ليعرف “وجهتي السياسية”.. أسفي على طبقة ترمي الحمولة عنها قائلة “استلمت الحكم في لبنان وكان الوضع كارثيّاً”. هل تعرف لماذا؟ لأن نفس الطبقة تعود من جيل إلى جيل، بالإسم أو بالوراثة.

قلنا “نحتاج إلى دم جديد”، أي إلى جينات نظيفة ولكن “لا حياة لمن تنادي”. قلنا “لنستثمر بالأدمغة”، تلك التي اخترقت كل الدول بأقطارها الأربعة، ولكن أنتم معجبون بفكرة التباهي بهم كلبنانيين في الخارج وعند الجدّ تتجاهلونهم. وأنتم “راوح مكانك”، وعلى الرغم من أن الأرض تحت أقدامكم تهتزّ، إلا أنكم لا تشعرون.

الشعب اللبناني لم يعد يسير من سيء إلى اسوأ، لأنه وصل القعر. أنا من لا أفهم بالاقتصاد والأرقام، أتساءل: أيّ منطق يقول بأن الأجور راكدة أو محسوم منها، والأسعار تحلّق عالياً وكأننا في مناقصة؟ أيّ اقتصاد يشرح هذا التلاعب في سعر صرف الدولار غير الثابت، وكأن “الهورمون الأخضر” في حالة هَيجان؟ أيّ معادلة حسابية كفيلة بأن تقنعنا بأن التحويلة بالدولار أو اليورو تستلمها بالعملة التي تتناسب مع مزاج المسؤول؟ أيّ عقل سيستوعب أنّ الحساب المصرفي للشخص، الذي هو “مال حلال”، محرّم عليه ومختوم بالشمع الأحمر؟ حتى نحن اليوم كمغتربين لم نعد نثق بإجراءاتكم “المهزوزة”، ولا بأقاويلكم حول المشاريع التي تضمن “عودة المغترب إلى بلاده”، فلتهتموا أولاً بالمقيمين قبل المغتربين.

ماذا تريدون؟ أن ينقرض اللبناني، ولكن كل محاولاتهم ستبوء بالفشل. فالكلّ واثق بأنّ جيل الثورة “المسؤول” هو لبنان الغد. ولو مهما امتدت أيايدكم بشتى أنواع وسائل القمع والمنع، ستتغلب عليها أياديهم البيضاء. لماذا؟ لأنهم يطالبون بالحقّ، وأول حقّ هو أن “ترحلوا دون قيد أو شرط”. بالأمس، كنتم هنا وبانت ألاعيبكم لدرجة نسمع جيل الحرب يقول “حتى بعزّ دين الحرب ما عشنا اللي عم نعيشو اليوم”. واليوم ما زلتم هنا وحتى خبزنا كفاف يومنا” لم تعد تنطبق على اللبنانيين. انتقلنا من “جيل الحرب” إلى “جيل الجائع”، شكراً على هذه الترقية!!

من قال عنكم “سلطة الفساد” أخطأ بحقكم، بل ظلمكم. فأنتم “سلطة حفر القبور” معنوياً وفعلياً. لبنان لم تحلّ عليه اللعنة طالما ثمة شعب ناضج ما عاد يرضخ لكم. لبنان ينزف، هذا صحيح ولكنه يعرف كيف يقاوم. لبنان مذلول بفضلكم، ولكنه يصون كرامته بعيداً عنكم. وستبقى صرخة “لبنان رح يرجع والحق ما بيموت” تئن في أذن لبنان الوطن، إلى حين تنطفئ شعلة عهدكم.