//Put this in the section
حازم الأمين

“حزب الله سندروم” – حازم الأمين – الحرة

يجري جدل واسع في لبنان بين من يعتبر أن الإطاحة بحاكم المصرف المركزي رياض سلامة مهمة طرحها “حزب الله” على الحكومة وعلى السلطة، وبين من يعتبر أن سلامة هو رأس هرم الفساد والإفلاس ويقتضي الإصلاح إطاحته. وفي هذا السجال تم توظيف طاقات مالية وسياسية وإعلامية جعلت من حاكم المصرف مناسبة شقاق استأنف حولها اللبنانيون انقساماتهم نفسها التي ما زالت تشتغل منذ سنوات وعقود.

أهل الرأي الأول هم امتداد للمزاج الـ14 آذاري، وهذا المزاج تحول بعد ذوي هذا التحالف إلى شيء يمكن تسميته بـ”حزب الله سندروم”، أما أهل المزاج الثاني، فما زالوا هم أنفسهم، ممن يبحثون عما يسعفهم في غسل يد “حزب الله” وحلفائه من دم الدولة ومن فسادها.




والحال أن السعي لفصل مساري الفساد اللبناني عن بعضهما بعضا ينطوي على قدر من الفئوية دأب اللبنانيون خلال حروبهم المتواصلة على ممارستها، ثم عادوا والتأموا على القبول بها في مراحل الهدنة، وهي لم تفضِ يوما إلا إلى مزيد من الحروب ومزيد من الفساد ومزيد من القبول بأركان النظام.

فرياض سلامة تولى في نهاية المطاف، عبر هندسات السطو والفساد، مد نظام “حزب الله” بموازنات مكنته من الاستمرار لسنوات إضافية كان من المفترض أن يتهاوى خلالها. والرجل حين قال بالأمس إنه تولى تمويل الدولة عبر سندات الخزينة لم يكن يكذب! لكن أي دولة وأي وظيفة لهذه الدولة تولى مصرف لبنان تمويلها عبر مدخرات المواطنين؟

لنعد قليلا إلى الوراء، ولنستعرض الوظائف الرئيسة التي تولتها دولة الهندسات المالية تلك، وأي موقع للبنان اختارته. “حزب الله” كان القوة الأكبر في هذه الدولة، هو من قرر موقع لبنان الإقليمي والدولي، وهو من اختار للبنان رئيسه ورسم خطوط لبياناته الوزارية. هذه الدولة هي من شرّع للحزب مشاركاته في الحروب في سوريا والعراق واليمن، وهي من سهل عمليات الالتفاف على العقوبات على الحزب، وهي من غض طرفا على أدوار مالية بين لبنان والنظام السوري المعاقب دوليا، وعلى خط تحويلات مالية بين بيروت وبغداد. إنها دولة “حزب الله”، لكنها أيضا دولة رياض سلامة والبنوك التي ظهرت أسماؤها في تقارير غسل الأموال.

وإذا كانت ساعة رياض سلامة قد حانت، وأقدم “حزب الله” على غسل يديه من الوظائف التي أداها إليه الرجل، فإن الذهاب في التحليل إلى أن الحزب ينوي من وراء إطاحته تغيير طبيعة النظام الاقتصادي اللبناني في خطوة باتجاه جعله نظاما موجها يسهل على الحزب ربطه باقتصادات طهران ودمشق وبغداد، ينطوي أيضا على هرطقة مصدرها صدع نفسي أحدثه “حزب الله” بخصومه، فجعلوا يتخيلون سيناريوات تفترض أن الحزب خارج الانهيار الكبير الذي يشهده لبنان وتشهده المنطقة.

لا يملك “حزب الله” تصورا محددا للبنان في أعقاب الإطاحة بسلامة. فالحزب يتخبط أيضا بحقيقة ذوي مصادر تمويله. البيئة التي يمارس حضوره فيها أصيبت بدورها بالانهيار، وجاء كورونا ليضاعف من قوة هذه الإصابة. والحزب محاصر باحتمالات كارثية مصادرها تتعدى ما يجري في لبنان. انهيار أسعار النفط أصابه، وارتدادات كورونا على عواصم المحور ستكون أكثر تأثيرا عليه.

معركة الدفاع عن رياض سلامة ليست أكثر من محاولة لإنتاج شروط شراكة جديدة مع “حزب الله”

أما القول بأن صرافون في الضاحية الجنوبية يتلاعبون بقيمة العملة اللبنانية، فهو افتراض لا يعني أن لدى الحزب خطة لتغيير طبيعة النظام الاقتصادي، كما أن إطاحة سلامة لا تعنيها بالضرورة. ليس لدى “حزب الله” تصورا محددا لطبيعة النظام الاقتصادي اللبناني. الفوضى قد تخدم حضوره ونفوذه، وتأمين قنوات للتهرب من العقوبات الدولية قد يكون أقصى طموحاته. بيئة الحزب أصيبت أكثر من غيرها بالـ”كابيتل كونترول”، ذاك أن المصارف اللبنانية كانت ملاذا وحيدا لودائعها، في حين أتيحت للبنانيين من غير هذه البيئة فرصة هروب إلى مصارف خارج لبنان.

“حزب الله” هو جزء من نظام الفساد في لبنان. لا بل هو القوة الأكبر فيه. هذا النظام يتخبط اليوم، وهو أصيب إصابة بليغة بفعل الانهيار المالي، وأفضت هذه الإصابة إلى انشقاقات فيه وإلى تصدعات ليست معركة إطاحة سلامة إلا أحد مظاهرها. والانجرار وراء انقسامات جديدة حول رياض سلامة، هو استجابة أيضا لحاجة الحزب لعدو جديد بعد أن انفرط عقد العدو السابق.

معركة الدفاع عن رياض سلامة ليست أكثر من محاولة لإنتاج شروط شراكة جديدة مع “حزب الله”، يستأنف عبرها حلفاء سلامة قبولهم بكونهم الشركاء الأصغر في هذه التسوية، ويستأنف عبرها “حزب الله” تصدره الدولة وأهلها.