//Put this in the section //Vbout Automation

برنامج عاجل لإطفاء لهيب الدولار… ومن هنا يبدأ؟

أحمد عياش – النهار

قبل إطلالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي كشف بالارقام مستور السياسة، إحتلت صورة النيران التي اندلعت في الايام الاخيرة في عدد من فروع المصارف، لاسيما في طرابلس، صدارة الإعلام. وبدا السؤال عمن أشعلها ضعيف الحجة، ويعود السبب الى ان الارتفاع الجنوني لأسعار صرف الليرة مقابل الدولار لم يبقِ مكانا لأي سؤال. ووفق مصادر بارزة في حراك 17 تشرين الاول، فإن مدبّري الحرائق وهم ينتمون الى جهات معروفة، لم يكونوا في حاجة الى أكثر من قذف الزجاج الحارق على آلات السحب الالكتروني او مداخل المصارف لكي يجدوا ان الجمهور الغاضب حاضر لإكمال المهمة. لكن السؤال البارز اليوم هو: كيف بالامكان إطفاء الحريق الكبير المتمثل بانهيار سعر صرف العملة الوطنية؟




في معلومات لـ”النهار” من مصادر ديبلوماسية غربية، ان تحرّك عدد من سفراء الدول الكبرى في الساعات الـ48 الماضية، منشأه تقديم النصح والتنبيه من مغبة انزلاق لبنان الى الفوضى التي تأخذ البلد الى المجهول. لكنها لفتت الى ان هناك محاولة من بعض الاوساط الرسمية لكي توظف هذا التحرّك في مصلحتها. ومن الامثلة ما يتعلق بالتحرّك الفرنسي الذي سُوّق وكأنه يتبنى خطة لم تبصر النور بعد، ومتعهدا إعادة مؤتمر “سيدر” الى دائرة الفعل، وهو أمر ليس مطروحا على بساط البحث حاليا، أقله بسبب انشغال فرنسا في معالجة نتائج وباء كورونا وما تسبب به من خسائر فادحة في الارواح والاقتصاد.

هل اقتصر تحرّك السفراء الغربيين في لبنان على تقديم النصح وإطلاق التنبيه؟ تجيب المصادر بالتأكيد ان هناك افكارا عدة يتداولها السفراء وغيرهم كثر من الجهات المحلية والعربية والدولية من اجل رسم طريق لإنقاذ لبنان وبصورة عاجلة من مسار الانهيار الذي تسلكه التطورات الداخلية حاليا. ومن أبرز هذه الافكار التي يمكن وصفها بأنها “برنامج عاجل” يفرمل انهيار سعر صرف الليرة ويضع الاقتصاد في غرفة العناية الفائقة:

1- الشروع فورا في فتح قنوات التفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي يملك وحده اليوم مفتاح الحل للازمة المالية في لبنان.

2- تبني مبدأ خصخصة قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات بصورة حاسمة ووفق المعايير الدولية المضمونة من كل النواحي.

3- تسييل أو رهن كل أو جزء من موجودات لبنان من الذهب والتي تقدّر قيمتها الآن بنحو 17 مليار دولار.

على طريقة لكل سؤال جواب، توضح المصادر ان لبنان ليس مفلسا كما جاهر أخيرا عدد من كبار المسؤولين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية ميشال عون الذي كان يقول قبل انتخابه رئيسا ان لبنان بلد منهوب وليس مفلسا، ليتراجع بعد ذلك الى القول ان لبنان صار مفلسا. وقد حذا حذوه رئيس الحكومة حسان دياب. لكن ما دام لبنان غير مفلس، فأين هي المشكلة إذاً؟

الدخول في الجواب عن السؤال الاخير، يقود بحسب اوساط سياسية، الى فتح ملفات لا يتم حاليا مقاربتها بسبب الحلقة المفرغة من تبادل الاتهامات وتقاذف المسؤوليات. وفي مقدم هذه الملفات، ملف الحكومة الحالية التي صار من المستحيل المراهنة على قيامها بواجباتها التي كان من المفترض فيها تحمّلها منذ اللحظة الاولى لقيامها على أساس انها حكومة ذوي الاختصاص. ولكن بعد أشهر من ولادة الحكومة باتت الاخيرة تحمل صفة “حكومة الاشباح” نظرا الى انها مارست ولا تزال تمارس الادوار التي رسمها لها النافذون الذين منحوها الدعم كي تصل الى الحكم. وتضيف هذه المصادر: قيل الكثير ان حكومة الرئيس دياب هي حكومة “حزب الله”، ولا جدال في أن الحزب كان صاحب القرار الحاسم في تشكيلها، كما ان دعمه لها هو الاساس كي تستمر. لكن هذا النفوذ للحزب لا يحجب حقيقة ترسّخت في الفترة الاخيرة وهي ان رئاسة الجمهورية صارت تمارس علانية التدخل في تسيير شؤون الحكومة من دون الاخذ في الاعتبار ان الرئاسة الثالثة لها موقعها ونفوذها بموجب الدستور والاعراف. ولفتت هذه الاوساط الى ان دوائر الرئاسة الاولى تتباهى بأنها أعادت الى المسيحيين عموما ورئاسة الجمهورية خصوصا صلاحيات إنتزعها منها اتفاق الطائف والدستور المنبثق منه. وهذا التباهي يستند الآن الى التدخل بلا حدود في عمل الحكومة على كل المستويات.

وكي لا تكون هذه الانتقادات من دون سند، تتابع الاوساط نفسها القول: عند استقالة الرئيس سعد الحريري وصولا الى تنحيه بعد اسابيع، كان سعر صرف الدولار في حدود الـ 1500 ليرة للدولار الواحد. لكن ما ان خرج الحريري من السرايا حتى بدأ سعر صرف الدولار يرتفع على رغم تسمية الدكتور دياب رئيسا مكلفا. بعد ذلك كان من المؤمل ان يتراجع سعر صرف الدولار بعد اعلان التشكيلة الحكومية الجديدة. لكن ولمجرد انجاز تأليف الحكومة واصل سعر صرف الدولار ارتفاعه مقابل الليرة، عاكسا خيبة أمل الاسواق من وصول حكومة لا تستوفي شروط الاختصاص والاستقلالية. ثم جاءت مواقف الرئيس دياب لكي تقضي نهائيا على أي أمل في لجم تدهور انهيار سعر صرف الليرة، وذلك عندما أعلن اولا ان مدخرات المودعين قد تبخّرت، ثم إطلاقه هجوما غير مسبوق على حاكم المصرف المركزي. وحول هذا الهجوم، تقول الاوساط السياسية انه كان على رئيس الحكومة أن يستقيل فورا لأنه هو من يتحمّل المسؤولية وليس من يصنّف موظفا كبيرا. واوضحت ان العالم لم يعرف تجربة كالتي مرّ بها لبنان بسبب موقف الرئيس دياب، إذ من المألوف ان يبقى حاكم أي مصرف مركزي بعيدا من الاضواء لا في قلبها كما يحصل حاليا في هذا البلد. وتسأل الاوساط: هل بقيت هناك ثقة عند احد في لبنان او خارجه كي يودع أي مبلغ في قطاعه المصرفي بعد هجوم رئيس الحكومة على حاكم “المركزي”؟

وخلاصة القول: ما تقترحه المصادر الديبلوماسية والاوساط السياسية يؤدي الى ان بداية التصدي للانهيار المالي ستكون برحيل الحكومة الحالية، على ان تأتي حكومة من المستقلين فعلا عن نفوذ الفريق الحاكم والفريق المصنّف معارضا. وإلا فان الانهيار مستمر والأعظم آت؟