//Put this in the section //Vbout Automation

لبنان: عادت حليمة إلى عادتها القديمة

جلبير الأشقر – القدس العربي

يبذل الطاقم السياسي الفاسد المتحكّم بمصير لبنان قصارى جهده للتنصّل من مسؤوليته الجماعية في انهيار اقتصاد البلد والإفقار المتسارع والهائل الذي ألمّ بسكّانه. ولا تني الأزمة تتفاقم، فالاقتصاد اللبناني لم يعد واقفاً على شفير الهاوية، بل قفز فيها بلا مظلّة قبل عدّة شهور وباتت لحظة تحطّمه على الحضيض تقترب بسرعة متعاظمة. كانت بوادر الأزمة قد بدأت تظهر بكل وضوح قبل سنتين، ومنذ سنتين وتحذيرات الخبراء من انهيار وشيك للاقتصاد اللبناني وعملته تتكاثر. وفي الحقيقة، فإن أي عالم بالحقائق الاقتصادية اللبنانية كان يدرك منذ سنوات عديدة أن الاقتصاد اللبناني يعيش «من قلّة الموت» كما يُقال، أي أنه كان خاضعاً لحالة من التنفّس الاصطناعي، يحيى بفضل أوكسيجين الدولارات النفطية والغربية التي كانت تبقيه على قيد الحياة بهشاشة قصوى.




سنتان كاملتان وصفّارات الخطر تئنّ في أجواء لبنان، ناهيكم من السنوات الطوال التي انصرمت قبل انطلاق الصفّارات وكانت خلالها كافة شاشات مراقبة الاقتصاد اللبناني تشير إلى كارثة محدقة، في حين كان المشرفون عليها سكارى مشغولين بملء حقائبهم بالدولارات وإيداعها في إحدى «الجنّات المالية» في الخارج، عملاً بمبدأ «خذْ المال واهرب». وها أن الشركاء في النهب يتقاذفون مسؤولية الكارثة، بعدما انكشف النهب أمام أعين الجميع، وقد انتفض الشعب منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي ناقماً على الطاقم السياسي الحاكم برمّته.

فاستقال من رئاسة الوزراء أحد كبار المسؤولين عن الكارثة، غاسلاً يديه من مواجهة الأزمة وملقياً المهمّة على عاتق رئيس الجمهورية ومتولّي عهده الذي يتصرّف وكأنه رديف لبناني لمحمد بن سلمان. وبينما كان شعب لبنان قد أخذ يحترق بعد أشهر قليلة من احتراق غاباته، لم يجد أعضاء الطاقم السياسي الحاكم خيراً من التصارع كالمعتاد على الكراسي الوزارية لتوزيعها على محاسيبهم، علماً بأن لا أحد بينهم كان يودّ الإمساك بدفّة الاقتصاد، إذ يعلمون أنها لمهمة مستحيلة. فوجد فريق العهد رجلاً فاقت رغبته في الظهور إدراكه أنه لا يملك أي قاعدة يستند إليها لحيازة استقلال القرار ولو بأدنى حدّ، بل رضي أن يكون دمية بيد الذين نصّبوه رئيساً للوزراء.

وظنّ القائمون على الحكومة الجديدة أن الحظّ حالفهم إذ دخل العالم في أزمة فيروس كورونا، واعتقدوا أن ذلك كفيل بأن يقضي على الحراك الشعبي. فجهدوا كي يعوّضوا عن عجزهم في وجه الكارثة الاقتصادية ببذل مساع حثيثة ومتلفزة في مواجهة الوباء. غير أن مفعول الحيلة في صرف الأنظار لم يدم، حيث تسارع تهوّر العملة اللبنانية معبّراً عن انعدام الثقة الكامل بمصيرها ومصير البلد. ثم جرّبوا لعبة توزيع الفتات على أصحاب الودائع الهزيلة، وقد اخترعوا من أجلها عملية خارقة من الصرف والصرف المعاكس لم يشهد مثيلها التاريخ المصرفي. فوصل يأس الناس وغضبهم حدّاً أبطل قدرة الفيروس على ردعهم ونزلوا من جديد إلى الشوارع والساحات يعبّرون عن سخطهم بعنفوان الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه بما في ذلك الحياة، إذ يفضّلون مواجهة الموت بالثورة على الموت من الجوع.

عند ذلك، عادت حليمة الطاقم السياسي الحاكم إلى عادتها القديمة، ألا وهي لعبة تسعير النعرات الطائفية. والحقيقة أنهم لم ينفكّوا قط عن ممارسة تلك العادة، وقد لجأوا إليها في بداية الانتفاضة اللبنانية، ثم حاولوا تأجيجها بشتى الطرق في وجه الحراك الشعبي، لكنّها لم تفلح حيث أصرّ المحتجّون على أن «كلّن يعني كلّن». وها أنهم يعودون إليها مرة أخرى لكن بصيغة جديدة، بعد أن رأى قسم منهم أن يحمّل حاكم مصرف لبنان وزر مسؤولية الانهيار الاقتصادي، مجازفين بأن ينتقم الرجل بفضح أسرارهم. فقد رأوا فيه كبش فداء مثاليا، يتيح لهم الدخول في مزايدة «شعبوية» بإلقاء اللوم على المصارف حصراً، وعلى مدير أكبرها في المقام الأول، وكأن المصرف المركزي كان حقاً مستقلاً عنهم وكأنهم لم يكونوا على علم بما يقوم به حاكمه وهو في منصبه منذ عام 1993 (!) بينما كانوا يتوالون على السلطة. وكأن المصارف مؤسسات منفصلة عن الطبقة الحاكمة، لا تعمل لحسابها وبالتواطؤ مع أفرادها.

وقد انشرح صدر جميع أعضاء الطاقم السياسي، إذ إن المناورة خوّلتهم من العودة إلى عادتهم القديمة بفعالية أكبر بفضل امتزاج الطائفية بالشعبوية. فدخل جميعهم في المزاد، سياسيون وإعلاميون ورجال دين ورأسماليون وطامحون بالكراسي وهلمّ جرّا. وغدوا منقسمين إلى فريقين رئيسيين في حقل الرماية السياسية الطائفية، فريق يستهدف رياض سلامة بوصفه رمزاً لائتلاف رأسمالي ماروني سنّي (لا يخلو من بعض الشيعة) وفريق آخر يستهدف حسّان دياب بوصفه دمية بيد ائتلاف سياسي ماروني شيعي (لا يخلو من بعض السنّة، ومنهم المذكور نفسه). وكلّما تعالى صراخ الجائعين في الساحات اللبنانية، كلّما رفعوا من حدّة تحريضهم الطائفي.

إنهم يلعبون بالنار. يجازفون بدفع لبنان إلى حرب أهلية جديدة لن تكون تكراراً لحرب السنوات الخمس عشرة التي انتهت قبل ثلاثين عاماً، بل ستكون أشرس منها بأضعاف إذ سوف تأتي بعد الحرب السورية التي تخطّت بكثير درجة الفظاعة التي شهدتها حرب لبنان، وسوف تستحيل من جديد مثل سابقتها مجالاً لصراعات إقليمية تفاقمت حدّتها كثيراً مع مرور الزمن.

ويلٌ للبنانيين من الانجرار وراء أسياد الحرب في رجوعهم إلى هوايتهم المفضّلة، فقد تقضي الحرب على بلدهم بالكامل هذه المرّة.