//Put this in the section //Vbout Automation

لاءات بري تصيب حكومة دياب وتعمق جرح ظهيرها السياسي

أطلق رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي سلسلة تصريحات ومواقف بدت غير متناغمة مع توجّهات باقي مكوّنات السلطة السياسية، لاسيما في ما يتعلق بسبل معالجة الأزمة الاقتصادية والمالية التي يتخبّط فيها لبنان.

وظهر برّي أقرب إلى المعارضة (تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي) منه إلى التحالف الممسك بالسلطة الذي يعدّ أحد أقطابه، الأمر الذي جعله في مرمى النيران “الصديقة” في الأيام الأخيرة خاصة لجهة موقفه من تغيير حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.




ويؤكد برّي أنّ المسألة بالنسبة له ليست مسألة حماية سلامة كما يوحى البعض، بل “بالمنهجية التي يُفترض اتباعها في مقاربة هذا الملف الدقيق”.

ويعتبر برّي أن قضية بحجم تغيير حاكم مصرف لبنان لا تُطرح كيفما كان، “وإنما يجب أن تُناقش بمسؤولية، وأن تتم دراسة كل جوانبها ومفاعيلها، والتحسّب جيدا لما بعدها، حتى يأتي أيّ قرار يُتخذ محصّنا وصائبا، بعيدا عن الانفعال والارتجال”.

ويقول رئيس مجلس النواب في تصريحات صحافية نشرت الاثنين “نحن الآن داخل غرفة العمليات، وسط جراحة حساسة جدا، وفي مثل هذا الوضع، عندما يكون الطبيب ممسكا بشرايين المريض، لا يمكن استبداله فجأة والطلب منه أن يغادر غرفة العمليات فورا، حتى لو كان فاشلا، وإنما لا بدّ قبل ذلك من وجود تصوّر واضح للسيناريو البديل الذي سيتمّ اعتماده”.

وتظهر قوى سياسية مثل حزب الله والتيار الوطني الحر حماسة لتغيير حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتسعى إلى تحميله مسؤولية الانهيار المالي الذي يشهده لبنان، رغم أن خبراء المال والاقتصاد يعتبرون أن الانهيار الحاصل هو نتيجة سياسات الطبقة القابضة على مفاصل القرار السياسي على مدار عقود، وأن الخطأ الذي ربما وقع فيه سلامة هو مجاراة تلك الطبقة ومحاولة تأجيل الانهيار من خلال الهندسات المالية التي قام بها.

وتقول دوائر سياسية إن تلك القوى تريد اليوم تحويل سلامة إلى كبش محرقة، لدوافع تتقاطع معها النوازع الانتقامية، بالطموحات في تغيير المنظومة اللبنانية القائمة على الاقتصاد الحر، لافتة إلى أن الرجل يمسك بحاكمية مصرف لبنان منذ عام 1993 بتوافق بين جميع القوى ومن ضمنها تلك التي تسعى اليوم جاهدة إلى ضرب صورته والعمل على الإطاحة به.

وتشير الدوائر إلى أن عملية استهداف حاكم مصرف لبنان بدأت منذ أشهر من خلال شنّ حملة إعلامية ممنهجة ضده، لتنتقل في مرحلة لاحقة إلى تسريب وثائق مزوّرة عن تهريب سلامة المليارات من الدولارات إلى الخارج، واليوم تتخذ هذه القوى من رئيس الوزراء حسان دياب الواجهة لمحاربته.

وجرى خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة جسّ نبض بشأن إقالة سلامة بيد أن وزيريْ المالية والثقافة المحسوبين على حركة أمل التي يتزعمها برّي عارضا بشدة أي طرح في هذا الاتجاه، وهو ما أثار حفيظة دياب الذي عمد عقب انتهاء الجلسة إلى شنّ هجوم لاذع على سلامة، متهما إياه بالتلاعب بالوضع النقدي في البلاد، واصفا مصرف لبنان المركزي بالثقب الأسود.

وشدد رئيس الوزراء المدعوم من الرئيس ميشال عون وحزب الله على أن الإجراءات التي اتخذها سلامة لم تتم بالتنسيق مع الحكومة، وأن هناك حاجة اليوم إلى تغيير طريقة تعاطي المصرف المركزي مع الشأن المالي.

اندفاعة دياب مدعاة قلق لبرّي الذي يعتبر أنه “ليس هكذا تورد الإبل”، وفي معرض رده على ما حصل في الجلسة الأخيرة وموقف الوزراء المحسوبين عليه يقول رئيس مجلس النواب “إذا لم يبق مصرف لبنان، فإن أموال المودعين قد طارت إلى الأبد”، مشددا “ليعلم الجميع أنا نبيه برّي لا أدافع عن رياض سلامة ولا عن أيّ شخص بل أدافع عن لبنان”.

ويرى محللون أن موقف برّي ليس بالغريب لاسيما وأنّ الرجل المخضرم سياسيّا والذي يتقن الرقص على حافة الهاوية، يدرك أن المجازفة بتغيير حاكم مصرف لبنان في هذا الظرف وفي غياب بديل سيقود إلى تسريع عملية انهيار مالية البلد، وقد كان واضحا بهذا الخصوص حينما قال إذا أقيل سلامة “فسيستيقظ اللبنانيون على سعر الدولار بـ15 ألف ليرة”.

ويلفت المحللون إلى أن موقف برّي قد يضطر حزب الله الصامت حتى الآن إلى إعادة حساباته، وتأجيل خيار الإطاحة بسلامة ولكن الأمر لن يكون كذلك بالنسبة إلى حليف الحليف التيار الوطني الحر ورئيس الوزراء حسان دياب، الذي ينظر إلى خطوات برّي على أنها معول هدام لكل مشاريعه.

والحساسية بين برّي ودياب ظهرت منذ الأسابيع الأولى لتولّي الأخير مهامه، رغم أن حركة أمل كانت في مقدمة الأطراف التي زكته لهذا المنصب، ويقول مراقبون إن برّي يرى أن انسياق دياب خلف رئيس التيار الحر جبران باسيل والذي برز بشكل جليّ في الموقف من التعيينات المالية والقضائية يجعل من الصعب الوثوق فيه وبخياراته.

وشهدت الجلسة التشريعية التي جرت خارج مقرّ البرلمان الأسبوع الماضي أول صدام علني بين برّي ودياب على خلفية رفض الأخير مشروع تقدّم به الأخير لإقرار 1200 مليار ليرة لدعم الفئات الهشة، وقد سعى التيار الوطني الحر والمقرّبين من دياب إلى تسويق الأمر على أنه يندرج ضمن خطوات رئيس مجلس النواب لوضع العصا في دواليب الحكومة، وهو ما اعتبره رئيس مجلس النواب “محاولة لتشويه موقفي بالأسيد السياسي” ويؤكد رئيس مجلس النواب على أنّه لا يعرقل بتاتا عمل حكومة حسان دياب، بل يريد لها أن تنجح في مهمتها الإنقاذية، مستدركا “لكن ما يحصل هو أن حكومة حسان دياب تبدو أحيانا عدوة نفسها”.

ويقول سياسيون لبنانيون إن انتماء برّي إلى ذات التحالف السياسي لا يعني بالضرورة وجود توافق مع باقي الممثلين داخله، بل إن الرجل يتقاطع في العديد من الملفات مع الجهة المقابلة، أي تيار المستقل والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، على غرار موقفه من الهيركات (اقتطاع الأموال من كبار المودعين) وقبله الكابيتال كونترول.

ويلفت هؤلاء إلى أن سياسة برّي تقوم على “البيع بالقطعة”، وهذا الأمر ساعده بشكل كبير على لعب دور ضابط الإيقاع داخل الحلبة السياسية في لبنان، وينظر حزب الله بنوع من الارتياح إلى هكذا تمش لبرّي سواء لجهة فرملة اندفاعة بعض الحلفاء وتحجيم طموحاتهم، أو في علاقة بترك نقطة التقاء مع القوى المعارضة، قد يحتاجها في حال سارت الأمور بما لا تشتهيه سفنه.