//Put this in the section //Vbout Automation

طرابلس على فوهة بركان… صرخة فقراء يخاطرون بحياتهم من أجل الرغيف

لطالما كان تحدي الفقر في طرابلس هو الأساس في الحياة الرمضانية، لكن هذا العام، التحدي هو الخوف من احتمال انتشار “الكورونا”، فلا خلاف على شدة الفقر، واطراد حركته المتنامية سنة بعد سنة، يفاقمه هذا العام انفلات اسعار العملة، وانعكاسه الكبير على المواد الاستهلاكية، لكن التحدي اليوم هو نجم المرض العالمي الكورونا، والخيار: الحياة أو الموت، ونتيجة المفاضلة بديهية، ومحسومة في هذا الخيار.

ليس من المبالغة في شيء إذا قال متجول في أحياء طرابلس الشعبية في الليالي الأولى من رمضان، أنها على فوهة بركان، أو قابعة على شبكة من المتفجرات التي لا ينقص فتيلها لتنفجر بالجملة، إلا إصابة كورونا واحدة.




من حيث المبدأ، يقطن طرابلس زهاء نصف مليون شخص تقديرا، ولا احصائيات دقيقة، وإذا افترضنا، وفقا لجولة في مختلف أنحائها، أن واحدا فقط بالمائة من السكان يخرقون قوانين الوقاية، والحظر، ومنع التجول، لاستخرجنا رقما يناهز الخمسة آلاف شخص، هم متسربون في كل لحظة في مناطق مختلفة، قليلة جدا في القسم الغربي للمدينة، أي غرب البولفار الذي يقسمها قسمين، وكثيرة وكثيفة شرقه.

هؤلاء الخمسة آلاف يشكلون شبكة متواصلة في تحركاتهم العشوائية، وفي غياب الاجراءات الوقائية، حتى كادت الكمامة تختفي بسحر ساحر، ولم يعد لها من لزوم.

تظهر الجولة أن الأحياء الغربية، وهي الأكثر رخاء، منضبطة إلى حد كبير بإجراءات الوقاية، المحلات مقفلة، إلا لما هو مسموح لها بالفتح كالصيدليات والمواد التموينية، والمارة نادرون في الشوارع، والخروق فيها محدودة. في هذا النطاق من المدينة، لا يحتاج المرء لمعرفة أنها تتخذ إجراءات وقائية تفوق التسعين بالمائة.

المحلات اتخذت إجراءات وقائية عالية المستوى، حيث يمنع دخول الزبائن بكثافة، ومتى سمح للزبون بالدخول، فعليه التكمم، والتكفف، والصيدليات اعتمدت إجراء وقائيا بفتح نافذة زجاج متحركة في المدخل، تجري عبرها عمليات البيع والشراء.

بعض المحلات الشهيرة، والمقصودة كثيرا في رمضان، اتخذت إجراءات استثنائية، فوضعت فواصل زجاج بين الزبائن، لكن قبل ذلك، على الزبون العبور في غرفة تعقيم على المدخل، ومن شاء من الزبائن عدم الدخول، تأمنت طلباته بواسطة موظفين مخصصين للغاية.

أحياء الرخاء في الجزء الغربي، هادئة، والحركة قليلة بصورة عامة، ولا يزال للكمامة دور ما في الحياة العامة. وليلا، وبعد الفطور، لم تشهد المنطقة انفلاتا، وظلت منضبطة إلى حد بعيد رغم تزايد نسبة الحركة.

لكن الطامة الكبرى هي في الأحياء الشعبية حيث انهارت كل إجراءات الوقاية مع حلول شهر رمضان الفضيل. قبيل موعد الإفطار، ثمة حركة لافتة على ساحة التل، خفيفة لكن غير متوقفة، بعض باعة، ومواقف تاكسي لا تزال تعمل، أما المحلات فمقفلة.

يقول مصطفى، بائع بسطة للفول الأخضر: “ما المطلوب مني عمله؟ هل أتفرج على عائلتي تتضور جوعا، ولا انزل إلى الشارع؟ عندي ثلاثة أطفال لا أحتمل طلبهم الطعام، ولا أستطيع تلبيتهم”.

وانعطافا باتجاه السراي العتيقة، فالسوق العريض، وشارع الكنائس، عائدا للتل في طرفه الآخر من جديد، تبقى الخروقات في إطار التسرب، وتغيب التجمعات. بضع باعة يعملون للتموين الرمضاني خصوصا العصائر، وبعض الخضار على عربات جوالة.

رشيد، بائع العصائر المتنوعة، يشكو “البيع القليل، وأسعار المواد التي ترتفع دائما، وكل يوم بسعر. أعرض نفسي للكورونا، لكن يا ريت بمقابل ما يستحق. غير أنني لست مخيرا، بين الموت جوعا والموت بالكورونا”.

من الطرف الشمالي لشارع التل، حيث مستديرة تتوزع فيها الاتجاهات المتعددة، تبدأ الفوضى المنذرة بالشؤم في الطريق المتجه نحو الزاهرية. زحمة سيارات معتادة لا تختلف عن الأيام العادية، والباعة والمارة يتجولون بحرية، وتغيب الكمامات بصورة تامة.

أما بعض محلات التموين بالحلوى والخبز، إضافة إلى البسطات في الشوارع، فحدث ولا حرج. ازدحام في الخارج، وأكثر منه في الداخل، وتغيب المسافات بين الزبائن، وذلك على طول الخط بين الزاهرية وحتى باب التبانة. وحركة السيارات أكثر من المعتاد، فقبيل الإفطار، كانت حركة السيارات خفيفة على هذا الخط، لكنها مزدحمة بشكل لافت. ليس هناك من محرمات في زمن الكورونا في هذه المناطق الواسعة، والناس يتصرفون بانفلاشية دون واعز.

وبعد الإفطار، يعتاد الطرابلسيون على النزول إلى الشوارع، يقيمون حياة جديدة، نشطة، متفاعلة، ويقيمون الجلسات، ويكتظون في المقاهي. حياة الانقلاب النهاري-الليلي، كانت تجعل طرابلس قبلة المدن والمناطق المحيطة بها ليلا.

رمضان الحالي، ومع الكورونا، تظهر إجراءات وقائية ملحوظة في غالبية المناطق، لكن الانتهاكات تحدث في الجزء الشعبي، كأنه يريد أن يعبر عن سخطه على ما آلت الحال به، فينتقم من السلطة بالانتقام من نفسه. لذلك، تكاد تكون هذه المناطق أفلتت من عقالها، ابتداء من ساحة موسى في باب الرمل، وحتى باب التبانة، ومرورا في العديد من المواقع والأحياء بينهما، حيث اتخذت مجموعات مجالس لها، يتجمع في كل منها العشرات، يقيمون الحلقات التسامرية، على القهوة والشاي والزهورات، والأراكيل، بصورة عادية.

“هيي موتة.. ربما تكون أفضل من هالحياة التي لم نر فيها إلا المصاعب”، يقول خالد أحد الشباب المتجمعين على مدخل السويقة.

في أحد مقاهي ساحة موسى، تجمع لاعبو الورق، ومتناولو الأراكيل، مطمئنين إلى أن مدينتهم بخير، ولم يصل الكورونا إليها، ويقول الفتى ربيع هازئا: “لو بدو يجي (الكورونا)، كان إجا. مانو طايقنا.. هربان منا”.

بعد الإفطار طرابلسيا، كثيرون من المؤمنين يقصدون المساجد للمشاركة في صلاة التراويح، لكن المساجد التابعة لدار الأوقاف الاسلامية التزمت قرار الحجر، ولم تفتح أبوابها، وهذا ما ظهر في مسجد الرحمن، والطينال، والمنصوري، والتوبة، والحميدي، أما البرطاسي فقد ارتفعت فيه التلاوات القرآنية، بينما ظلت أبوابه مقفلة. إلا أن بعض المساجد الأخرى في داخل الأحياء، فمارست شعائرها الرمضانية دون تحفظ.

وفي حنين للايام الرمضانية الجميلة، أقيمت بعض زينة، لكنها ما تزال خجولة مقارنة مع السابق، خصوصا عند مستديرة النور، حيث أضيئت كلمة الجلالة، وكذلك ظهرت بعض زينة في باب الرمل وأحياء مختلفة من المدينة.

ينطبق شيء من المشهد عينه في الميناء، تحديدا في شارع بور سعيد، فمن أوله وحتى منتصفه عند مستديرة الساعة، الإقفال تام، وحركة السيارات خفيفة. وبعد المستديرة، يبدأ الأزحام وصولا إلى مستديرة الغروبي، حركة سيارات كثيفة، وحركة مارة خفيفة، ومحلات الحلوى والتموين، تعمل، وبسطات العصائر قائمة بصورة اعتيادية، والمتمونون يتنقلون بلا وقائيات.

في محل لبيع الحلوى، شوهد اصحاب المحل يردعون الزبائن من الدخول، ويقدمون لهم طلباتهم من الخارج.

يذكر صاحب المحل أنه يريد تنظيم الدخول والخروج من محله بحيث يخف الاكتظاظ، خصوصا وأن محله مشهور بالجودة، والثمن المقبول: “لا استطيع ردع الزبائن الذين أحبوني، وانا قدمت لهم حلا مقبولا لطباتهم، بحيث خففت ما أستطيع من السعر، فالوقت ليس للربح الوفير، والفقر يضرب أطنابه في كل مكان”.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل تنجو المدينة بالمعجزة، والعجيبة، دون تدخل سلطة تضبط الحركة؟

من جهته، اعرب رئيس بلدية طرابلس رياض يمق في بيان عن قلقه من تراجع كثير من السكان عن اجراءات التعبئة العامة، وقال:” يبدو أن هناك توجها بعدم التشديد على المواطنين”.

واضاف: “فيما لم تقرر المطاعم حتى الآن فتح أبوابها في رمضان أمام روادها، خرقت بعض المساجد قرار تعليق صلوات التروايح جماعة، وفتحت أبوابها في المناطق الشعبية كجامعي حمزة وحربا، والتزمت مساجد أخرى اتخاذ التدابير الوقائية في التباعد بين المصلين”.

وأسف “للتدهور الكبير الذي تشهده المدينة على المستوى الاقتصادي، ولا سيما أن المساعدات لا تكفي في ظل عدم توحيد الداتا بين الجمعيات والبلدية”.

وختم: “على المستوى الصحي لم نتجاوز الخطر بعد، ونخشى موجة كورونا ثانية، قد تتفجر في شهر رمضان، إن لم نتخذ التدابير الوقائية اللازمة”.

المصدر: النهار