//Put this in the section //Vbout Automation

هل توقّفت المواجهة بين برّي ودياب أم ستُستَتبع فصولها؟

ابراهيم بيرم – النهار

هل وضعت زيارة الساعد الأيمن لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الوزير السابق علي حسن خليل، لرئيس الحكومة حسان دياب، حدّاً للحملة التي أطلقتها عين التينة منذ فترة على شاغل كرسي الرئاسة الثالثة، أم أنها مجرد هدنة فرضتها “النقمة” التي عبّرت عنها شريحة واسعة عندما رصدت لهجة الخطابات الخشنة التي خاطب فيها رئيس المجلس دياب في جلسة الأونيسكو؟




لا ريب أن ثمة من فسّر زيارة خليل إلى دياب على أنها نوع من مراضاة الخواطر من جانب الرئاسة الثانية على تعامل عدَّه البعض بأنه خشن من جهة، واتساع دائرة التعاطف مع دياب، وأثار امتعاضاً مكتوماً لدى “حزب الله من حملة طالت حكومة يصرّ الحزب على تأمين الدعم المعنوي لها يومياً، وقد تجلى هذا الامتعاض للضالعين بخفايا المشهد وخلفياته في الإطلالة الإعلامية لسيد الحزب السيد حسن نصرالله، وعزوفه عن الكلام في الوضع السياسي والحكومة بالذات، إذ إن ذلك هو بحد ذاته موقف اعتراضي عند العالمين بالبواطن، علم تأويله وتفسير أبعاده. ولم يعد خافياً أن بري لم يترك مناسبة منذ نيل الحكومة ثقة المجلس قبل نحو ثلاثة أشهر، من دون أن يكتم تحفظاته عن أداء الرئيس دياب، ومن دون أن يستنكف عن توجيه سهام النقد إليه.

العلّة الضمنية بحسب المتعاطفين مع دياب، أن رئيس المجلس يروم نوعاً من “التطويع” لهذا الآتي حديثاً ومن خارج النادي السياسي إلى سدة الرئاسة الثالثة، وهو ربما يجهل أو يتجاهل قواعد التعامل التي أرساها رئيس السلطة التشريعية مع رؤساء الحكومات المتعاقبين منذ دخوله في أواسط الثمانينيات عالم الحكم والوزارة، والتي استلزمت كما هو معلوم جولات من الصراع والمساجلة، قبل أن تتطبّع هذه العلاقة وفق نمط معين. ولعل الناس ما زالوا يذكرون في هذا الإطار، تراجع الرئيس الراحل رفيق الحريري أمام هجمة من بري وهو يقول قولته الشهيرة: “بيمون أبو مصطفى”، ليفتح بعدها الحريري صفحة إيجابية من التعامل مع شريكه في الحكم، بعدما استوعب الحدود وتكيّف مع القواعد.

والجلي في الأمر أخيراً أن بري وجّه رسالة أولى في وجه دياب عندما هدّد بسحب وزيريه في الحكومة احتجاجاً على عدم التعامل جدياً مع مطلبه بإعادة المغتربين بحجة انتفاء القدرات، لكن يبدو أن دياب بقي ماضياً على نمط التعامل السابق مع عين التينة، والذي يحاول عبره إرساء أسس دور وموقع استقلالي وسطي، فكانت المواجهة الثانية في رحاب قصر الأونيسكو، والتي أتت أيضاً بعد رسائل عدة بعث بها لدياب فحواها: أنا من مرّر جلسة منحك الثقة، ولولا ذلك لما مرّ الأمر بسلام في حينه.

لحظة المواجهة الحامية تلك كان كثر يتوقعون حدوثها، خصوصاً مع عدم كفّ بري عن توجيه رسائل في كل الاتجاهات فحواها أن يكيّف نفسه على قبول حكومة دياب، لكن الثابت أنها لم تأت رياحها وفق ما تشتهيه سفن بري، لذا فعلت فعلاً عكسياً وظهر دياب في موقع “الضحية والمظلوم” .

فالاشتباك مع دياب أتى في لحظة تكشَّف معها أكثر من أي وقت مضى، عجز الطبقة السياسية بكل تلاوينها عن وقف الانهيار النقدي، وتبدّى فيها أيضاً تهرّب قوى السياسة في المجلس عن التصويت لمصلحة قرارات تمنح الطبقات الفقيرة بعض الدعم في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

وبمعنى آخر، أتى الاشتباك مع دياب، لحظة فقد فيها السياسيون آخر بريق لهم، وبدوا مسؤولين بشكل أو بآخر عن التداعي المفتوح على كل الاحتمالات السوداوية.

وما زاد منسوب تعاطف البعض مع دياب أنه ربما للمرة الأولى بدا وكأنه يتوجه نحو مواجهة مفصلية مع حاكم مصرف لبنان تحت ذريعة تفرده بالقرارات والتدابير المالية دون التنسيق مع الحكومة، وهو فعلٌ لم يجرؤ أحد رؤساء الحكومات أو حتى المسؤولين على الإقدام عليه والمضي به.

وبناء عليه، فإن السؤال هو: هل اقتنع بري بصعوبة احتواء دياب في هذه اللحظة، فاكتفى بالمنازلة الأخيرة معه، أم أن للأمر تتمة ستلي؟

إذا صدقت المعلومات القائلة بأن بري وسواه قد باتوا على قناعة بأن دياب وحكومته هما “القدر المحتوم” من الآن إلى نهاية العهد الحالي، حتى وإن اضطرت إلى الاستقالة، وهذا أضعف الإيمان، وهو ما عبّر عنه لسان بري أكثر من مرة، فإن ذلك ربما اعتبره البعض مؤشراً على نية مضمرة من جانب بري بالاكتفاء بحدود المواجهتين المعلنتين والأخرى المضمرة.

فضلاً عن ذلك، فإن من هم في جو مقر الرئاسة الثانية يعتبرون أن سيدها يستشعر أمرين لا يمكن المضي قدماً فيهما.

الأول: أنه ومن موقعه كزعيم لحركة شعبية يفترض أن قاعدتها الأوسع من “المحرومين” والشرائح دون المتوسطة اجتماعياً، مطلوب منه، دور أفعل في مواجهة الأزمة الاقتصادية الخطرة ودرء الانهيار الحاصل، فمن غير المقنع رمي المسؤولية على عاتق الحكومة والقول إنها مطالبة بإجراءات تردع انهيار العملة الوطنية وما يليها من غلاء في أسعار الضروريات الحياتية، خصوصاً أن أي عودة مرتقبة للحراك الشعبي في الشارع ستعيد إحياء الاستهدافات له بصفته واحداً من أركان العملية السياسية منذ انطلاق العمل باتفاق الطائف.

الثاني: أن استهدافاً  لدور وزير المال المحسوب عليه بدأت به بعض الأوساط مشككة بالوزير.

وفي كل الأحوال وحتى إشعار آخر وفصل آخر، ثمة من يرى أن تسعير المواجهة مع الحكومة، ينطوي على رغبة بحرف الأنظار عن قضايا أخرى وأدوار مطلوبة على جناح السرعة، إلى أن يثبت العكس.