//Put this in the section //Vbout Automation

كيف نعيش الحجر المنزلي بأمان؟

كاتيا سعد – بيروت أوبزرفر – باريس

هذا يتأفّف “ليس لديّ الوقت لأفعل أيّ شيء”،
وذاك يتذمّر “بالكاد أجد الوقت لأمضيه مع عائلتي”،
هذا يقول “ما هذه العيشة والغلاء، أريد الهجرة”،
وذاك ينوح “ما هذه الحال، لا أجد وقتاً لذاتي”،
هذا ينعي “الغلاء يتآكلني، مصاريف الزواج تضغط عليّ…”،
وذاك يرفع الصوت ” ما هذا الطاقم الذي يحكمني”..
وما بين “التأفف الخاص” بكل فرد ونمط حياته وظروف معيشته، و”التذمّر العام” على صعيد سياسة دولة وقوانين مجتمع.. نسأل “ما الذي تريده؟” ويجيب “التغيير”.




التغيير حاجة حياتيّة
هذه الحاجة إلى التغيير هي طبيعيّة، ويقول شربل أبو حنّا، الاختصاصي في التدريب التنفيذي والتنمية البشرية/التطوير الذاتي، بأن الإنسان كلّما حقق مرتبة من احتياجاته الشخصية تنمو لديه الرغبة بتحقيق أخرى، ويطمح إلى إدخال الجديد إلى نمط حياته. وهذا ما تشرحه نظرية “Maslow Hierarchy”، وهو عالم اجتماع ومعالج نفسي، التي ظهرت في الستينات “Hierarchy of Needs” (“التسلسل الهرمي للاحتياجات”) وتفصّل الاحتياجات الخمس الرئيسية: الأكل والشرب والنوم، الشعور بالأمان، الإنتماء إلى محيطه، احترام الآخر له، والتحدّي بينه وبين نفسه لتحقيق طموحه. ومن جهة أخرى، ثمة عوامل خارجية تلعب دوراً في التغيير منها الحزن، الشعور بالحرمان والتعرّض لصدمة. ويبقى الهدف الرئيسي من التغيير هو أن يعيش الإنسان حياة أفضل ويحسّن من وضعه، فهو “لم يخلق ليعيش القلق، بل ليعيش الفرح والسعادة”.

ويبقى “التغيير” مجرّد نظرية، طالما لم نشرع إلى ترجمته على أرض الواقع. ويبدأ التغيير بشكل رئيسي من الإنسان، وأن يسأل نفسه “ما الذي يزعجني وأريد تحسينه، من أجل الوصول إلى نمط الحياة الذي أريده؟” بحسب قول شربل أبو حنّا. هنا، يحتاج إلى ترتيب أولوياته على أن يبدأ بالأهمّ نزولاً حتى المهم، مع ضرورة تجنّب الأعذار والعراقيل الخارجية التي تفرض عليه الشعور بالضياع ومن ثمّ قد تدفعه إلى الاستسلام. فعليه بالمثابرة حتى ينجز ما يريده، وما يؤمّن له بالتالي السعادة التي يطمح إليها في حياته ويكسر نمط حياته الروتيني.

كورونا فترة “نقاهة” للمتذمّر
وإن تعذّر على البعض تحقيق التغيير الذاتي، فالحياة أحياناً تهدينا الفرصة على طريقتها. فلنقف عند آخر المستجدات “الحياتية – العالمية”: فيروس كورونا المستجد أو ما يعرف أيضا باسم “Covid-19”. عندما بدأ العالم يأخذ على محمل الجدّ هذا الفيروس، كان الحجر الصحي أهم خطوة اتخذتها حكومات الدول من أجل الحدّ من انتشاره وضبط سرعة تفشّيه، وإن أتت فجائية وسريعة وبدّلت من نمط الحياة اليومية المعتادة. منطقياً، هذه الخطوة هي سلاح ذو حدّين: الأول، الوقاية الصحية ؛ والثاني، فترة “نقاهة” لهؤلاء المتذمّرين. ولكن فعلياً، بقي الوضع على حاله لدى غالبية هذه الفئة، وأخذ التأفف الشكل المعاكس. كيف؟ على النحو التالي:
“ما هذه “الزربة” (الجلوس في المنزل وعدم التمكّن من الخروج)؟”،
“أعاني كثيراً من كيفية ضبط الأولاد وتدريسهم”،
“لا شيء لأفعله وأنا طوال الوقت في المنزل”،
“ها قد تأجّل زواجي”…
ناهيك بالتأكيد عن النكات التي تفشّت خلال هذا الموسم من الحجر الصحي: عن الوضع النفسي، الحرمان الجنسي، علاقة المرأة بزوجها والعكس، صيحات النجوم على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من المضامين الساخرة والتي منها الجيد ومنها غير المسؤول وبلا هدف. مع الأسف فالبعض لم يحاول حتى الاستفادة من هذه النعمة، واكتفى بأن يقول “ماذا أفعل؟”.. والواقع يقول “يمكنك فعل الكثير”.

هنا، ينصح شربل أبو حنّا بأهمية إيجاد البدائل عن الممارسات اليومية التي اعتدنا القيام بها، وحُرمنا كلياً أو جزئياً منها خلال الحجر المنزلي. وهي بدائل من شأنها تأمين الرضا والاكتفاء الذاتي، منها: تمضية الوقت مع العائلة، القراءة، تحديث السيرة الذاتية خاصة في حال كنا نبحث عن عمل أو نرغب بتغيير العمل، وضع خطة عمل وإستراتيجية منظّمة في حال كان الشخص يريد افتتاح عمله الخاص، ممارسة الرياضة، بالإضافة إلى تعلّم مهارات جديدة كالطبخ وال e-commerce…
ويشدّد شربل على أهمية التفكير الايجابي، والنظر إلى ما هو سلبي بطريقة أكثر إيجابية وتحويله إلى عمل جيّد.

وتبقى مرحلة الحجر مؤقتة، ومن المهم ألا يذهب ما عشناه هباءً. بمعنى آخر كيف أخطّط لمرحلة ما بعد الحجر؟ يقول شربل أبو حنّا: “من المهم أن يحافظ الإنسان على النظام الذي أقامه خلال فترة الحجر، والسلوكيات الجيدة التي اكتشفها.. وأن تدخل في نمط حياته بعد العودة إلى حياته اليومية الطبيعية”. بمعنى آخر أن يُدخل هذه السلوكيات إلى “دائرة الأمان” (“Comfort zone”) التي رسمها له واعتاد التقوقع فيها، والتي تشعره بالأمان وغالباً ما يصعب عليه الخروج منها.

ويبقى الإنسان سيّد نفسه وقراراته، ولكن الإيجابية حقّ من حقوقه وعليه بعدم التفريط بها. والذكاء ليس بالتأفف والتذمّر وإنما بالتغيير. وإن أعطتك الحياة فرصة، عليك باستغلالها. رسالتي هذه كانت إلى “النقّاقين” (المتذمّرين) بشكل خاص، ولكنها موجّهة إلى الجميع بشكل عام. فالحياة نعيشها مرة، فعلى الأقل لنعيشها بسعادة وقناعة.