//Put this in the section //Vbout Automation

ماذا يعني أن تودّع البريستول؟

ماذا يعني ان تودع اماكنكَ؟ ماذا يعني أن تفقد بعضاً من ذاكرتكَ وأنت تعاني حاضرك ومرارة الايام وتقلق على المستقبل؟ ماذا يعني أن تخشى كثرة الارتحالات وأن لا يعود المكان يشبهك وتشبهه؟ البريستول هو أحد معالم هذه المدينة وعناوينها، يطوي أوراقه ويقفل أبوابه.

هو تاريخ من تاريخ في المدينة، قطعة غالية في الجوار الاليف، وتحفة من تحف رأس بيروت تهوي. الاوتيل الفخم في عراقته كان مؤنسناً مع أبناء الجوار. كنا نمر قربه في بداية السبعينات كلما خرجنا من المدرسة الايطالية أو في العودة. نتوقف بدهشة أمام الحارس أمين وهو يفتح الباب للركاب من السيارة أو المدخل بطريقة برتوكولية جميلة. أثناء الحرب كان يزودنا مربعات الثلج لمياه باردة في زمن العطش والظلام. طبع باسمه منطقة متكاملة في رأس بيروت بين الحمراء وفردان والصنوبرة والصنائع، وأعطى اسمه للقاء أول معارضة للوجود السوري في لبنان.




تأسس في العام 1950 وكان أصحابه من آل ضومط. صممه المهندس الفرنسي جان روبيار (1981-1902)، وأداره لفترة جورج الريس، أحد أمهر الطباخين في لبنان والعالم العربي. يروي سمير عطالله ان الريس عندما سافر الى فرنسا استقبله صاحب مطعم مكسيم في باريس، وأنه أذهله بإعداد 32 طبخة من الباذنجان. ظل المطعم مشهوراً بطبخاته وخصوصاً نهار الجمعة مع الصيادية والسمك المشوي، أو متفنناً في صناعة الحلويات. ذات مرة أخبرني الصديق السعودي ابرهيم النجيدي، رحمه الله، وكان عاشقاً كبيراً للبنان، ونزيلاً دائماً في أوتيل البريستول، أن أحد أحلامه أن يشتري هذا الأوتيل أو يمتلك اسهماً فيه.

عرف الفندق من النزلاء المشاهير والرؤساء: جاك شيراك، الملك حسين، والياس سركيس الذي كان يجري فيه لقاءته واجتماعاته لمعركة الرئاسة 1976 ثم يذهب لينام في أوتيل الكارلتون. وكان ينزل فيه الموسيقي محمد عبد الوهاب، وكذلك رياض السنباطي في 1981 ومعه الالحان لفيروز. انطبع الفندق بلمسة ثقافية وحضارية واستقطابية لنشاط المجتمع في اللقاءات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، في اجتماعات الليونز، وفي تواقيع الكتب.

في البريستول التقيت بالشاعر محمود درويش وهو يوقّع كتابه “لماذا تركت الحصان وحيداً؟”. وفيه أطلقنا كتاب “بيروت أمين الباشا” لمناسبة بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009. وقف أمين الباشا يوقّع ويرسم ويغني كتابه لبيروت وعشاقها ومن مكان يليق ببيروت حضارة وتاريخاً. فيه أيضاً اطلقنا كتاب “وجوه نيرة في الجامعة الاميركية” 2011 لميشال جحا بالتعاون مع جمعية متخرجي الجامعة الاميركية وفي حضور دولة الرئيس سليم الحص. والتقينا أيضاً في الذكرى الاولى لغياب الروائية اميلي نصرالله مع عائلتها والاصدقاء والمحبين. وفي الكافي شوب سكبنا عشرات فناجين القهوة والساعات الجميلة مع أمين الباشا ورشيد الضعيف وجبران عريجي ومع الروائي جورج شامي والباحثة الهام كلاب البساط ورأينا النسخة الاولى من كتاب “رواية طويلة في سيرة عادية”.

كان أوتيل البريستول في معنى المدينة جزءاً اساسياً من المكان الجميل وألفته، ومن الزمن الجميل ورونقه، وعنوان رقي وثقافة ومساحات مشتركة. كيف يمكن أن نثبت المكان في اللغة؟ كيف يمكن تشييد منطقة حرة في ذروة الكلام؟ كيف نسمح للمكان الذي في قلب مكانه بأن يهرب من نفسه ومن أهله؟ كيف لم ننتبه الى شراكة المكان في صنع الذكريات وصنع الحياة؟ كيف نستقيل من شهادتنا الكبرى للمكان ونترك للحياة الوارفة أن تتعرى؟

الوطن أمكنة ووجوه ونجوم، وحين تسقط هذه أو تلك أو بعضها، فإن اجزاء من أراوحنا تسقط معها. حينها تجتاحنا سنابك الظلمة وجحافل الظلام.

هذا بعض ما يعنيه، أن تودّع فندقًا كفندق البريستول.

المصدر: النهار