//Put this in the section //Vbout Automation

النفط وحقبة «كورونا» – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

مرت صناعة النفط بمراحل كثيرة شهدت فيها الصعود والهبوط، وكانت السبب لقيام حروب وإسقاط أنظمة. فمنذ أن تم اكتشاف سلعة النفط بشكل تجاري عام 1859 في ولاية بنسيلفانيا بالولايات المتحدة، أصبح الزيت وقود الاقتصاد العالمي وأهم السلع المؤثرة فيه بلا جدال. وأسس ذلك الفهم لمرحلة سياسية واقتصادية جديدة وصفها أحد أهم المؤلفين المتخصصين في هذا الموضوع دانييل يرغن في كتابه المهم «الجائزة»، والذي وصف سياسة النفط بأنها الصراع الأسطوري على السلطة والقوة.

كانت الهيمنة ولفترة طويلة لشركات النفط العالمية الكبرى، فهي التي تقوم برسم سياسات الإنتاج والتصدير وتحديد حصص السوق للأطراف كلها. وقد قام بتشريح دقيق لهذا الدور المهيمن للشركات الكاتب البريطاني أنتوني سيمبسون، الذي تعمق في شرح ذلك الأمر في كتابه الذي حمل عنوان «الشقيقات السبع»، وهو الاسم الذي كان يطلق على الشركات النفطية الأهم في العالم، وهي «إكسون»، و«غلف»، و«تكساكو»، و«موبيل»، و«سوكال»، و«بريتش بتروليم». وكانت لهذه الشركات قوة ضغط مؤثرة جداً على توجهات بلادها السياسية والاقتصادية والعسكرية. وقد فصل ذلك بشكل واضح المؤلف ستيف كول في كتابه المثير «إمبراطورية خاصة» الذي وصف فيه الدور المتعاظم وغير المسبوق لشركة «إكسون موبيل» (بعد اندماجهما معاً)، وقيادتها في بعض الأحيان لسياسات معينة لبلادها.




لكن بعد حرب 1973 بدأ الصعود المتسارع للدور السيادي للدول المنتجة للنفط، وأصبح لمنظمتهم دور مهيمن جداً، وفرض أمر واقع جديد، وباتت القيادة والتأثير لها. إلا أن حقبة الثمانينات شهدت دخول لاعب مؤثر جديد ومهم ومن خارج المنظومة التقليدية للصناعة، والمقصود هنا البنوك الاستثمارية، التي دخلت مجال المضاربة المستقبلية على أسعار النفط، فأوجدت هامشاً سعرياً مغايراً لسعر السوق الطبيعي المبني على العرض والطلب الاقتصادي للسلعة، وأدى ذلك إلى زلزال سعري أودى بالكثير من المنتجين في ضربة قاضية.

ثم جاءت مرحلة دخول لاعبين مؤثرين من خارج منظمة «أوبك»، مثل بريطانيا، والنرويج، وروسيا، والذين أثروا على كمية المعروض في السوق؛ مما أدى إلى هبوط حاد في معدل الأسعار، ومن ثم إلى الضرر البالغ بأعضاء «أوبك». وطبعاً تخلل هذه الفترة بعض الحروب التي صعدت بالسعر كما هو متوقع.

وفي حقبة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، قام وزير الطاقة في إدارته بيل ريتشاردسون بعمل وُصف بالسحر، عندما قام باستخدام مخزون النفط الاستراتيجي للولايات المتحدة (الذي بدأه الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بعد الحظر العربي للنفط في 1973) كلاعب في سوق النفط، فيبيع بعضاً من المخزون عندما يكون السعر مرتفعاً، ويشتري ليخزن عندما يكون السعر منخفضاً.

ثم حلت حقبة النفط الصخري الذي أصبح جزءاً من سياسة الطاقة الأميركية، وجعلها تكتفي ذاتياً من إنتاجها وتصدر الفائض، وخصوصاً مع انخفاض التكلفة لاستخراجه وتحسن فاعلية التقنية المستخدمة. والآن دخل النفط في حقبة جائحة «كورونا» (كوفيد – 19)، التي عصفت بأسعار النفط إلى أسعار منخفضة قياسية. حقبة جديدة محيرة تعصف بالسلعة الاقتصادية الأهم. عرض كبير وطلب متوقف. لا تنقل ولا حراك وبقاء في المنازل ولا سفر… كل ذلك أصاب الطلب على النفط بالجمود، وفي ظل عدم وضوح الرؤية لمدة الخروج من نفق «كورونا»، قد لا يكون من المبالغة أن نقول إن كل الأزمات التي مرت بها صناعة النفط من قبل في واد وأزمة «كورونا» النفطية في واد آخر تماماً.

وكما في القطاعات الأخرى، ستؤدي جائحة «كورونا» إلى إعادة هيكلة صناعة النفط بأكملها، وهذا سيعني خروج بعض اللاعبين أصحاب التكاليف المرتفعة أو المغردين خارج سرب المصلحة الأممية العامة لاقتصاد العالم، وقد يكون في ذلك التغيير خير للجميع.