//Put this in the section //Vbout Automation

لماذا استمر مخطط إبعاد الحريري الذي بدأ بعد لقائه ونصرالله؟

أحمد عياش – النهار

لا تزال في جعبة الشخصية السياسية اللبنانية البارزة، التي تعيش حالياً في الخارج بعيدة من الاضواء، معطيات تواكب الأحداث في لبنان حتى يومنا هذا. وكان لا بد من الاختيار من هذه المعطيات ما يتصل بالحلقات الاربع السابقة التي تركزت على علاقات الرئيس الراحل رفيق الحريري مع النظام السوري سواء أيام الرئيس حافظ الاسد أو أيام وريثه بشار. وحلقة اليوم تواكب علاقات نجل الرئيس الشهيد، ليس فقط مع دمشق، بل أيضاً مع الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، منذ أن حمل الحريري الراية بعد اغتيال والده عام 2005. فما هو الجديد الذي لدى الشخصية اللبنانية حول هذه العلاقات؟




وفق معلومات هذه الشخصية أن الرئيس رفيق الحريري، خلال المرحلة الممتدة ما بين العامين 2000 و2005، حاول أن يمد جسوراً مع الرئيس السوري الجديد. ومن بين هذه الجسور دفع رجال الاعمال الى الاستثمار في سوريا، ومن بين هؤلاء الرجال نجل الحريري سعد الذي زار دمشق في تلك الفترة بطلب من والده ليكون في عداد هؤلاء الساعين وراء فرص الاستثمار في سوريا.

ثم كانت الاطلالة التالية لسعد الحريري على سوريا بعد رحيل والده بمبادرة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي لم يكن ليسلّم بانسلاخ هذا البلد عن الاسرة العربية على رغم هول جريمة اغتيال رفيق الحريري. وقد كتب الكثير عن مبادرة الملك عبدالله في السابع من تشرين الاول عام 2009 عندما وصل الى العاصمة السورية فيما كان سعد الحريري رئيساً مكلفاً تشكيل الحكومة الجديدة بعد إحراز قوى 14 آذار إنتصاراً باهراً في الانتخابات النيابية في ذلك العام. وفي رأي الشخصية اللبنانية أن جوهر مبادرة الملك عبدالله كان رأب الصدع في العلاقات بين لبنان وسوريا عموماً وبين الاسد والحريري خصوصاً إثر جريمة 14 شباط عام 2005. ولتحقيق هذا الهدف، جرى الاتفاق على أن يقوم سعد الحريري الذي صار رئيساً للحكومة بعد زيارته لدمشق في 19 كانون الاول 2009 بإطلالة إعلامية عبر مقابلة من ثلاث حلقات على صفحات جريدة “الشرق الاوسط”. ومما جاء في الحلقة الاولى من ذلك الحديث: “عندما تكون الأمور واضحة بين الدولتين لا تكون هناك مشكلات، فعدم الوضوح هو الذي يخلق الالتباسات. ونحن اليوم، مع الرئيس بشار الأسد، مرتاحون إلى الوضوح القائم في العلاقة… للمحكمة مسارها الذي لا علاقة له باتهامات سياسية كانت متسرعة… الاتهام كان سياسياً، وانتهينا منه”.

ما قاله الرئيس الحريري لصحيفة “الشرق الاوسط”، لم تعقبه أية حلقات أخرى. وعزت الشخصية اللبنانية السبب الى ما دار اولاً ما بين الحريري وبين الامين العام لـ”حزب الله” في اللقاء الذي جمعهما في مقر الأخير في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد زيارة الحريري لدمشق، ثم التطورات المستجدة في العلاقات الأميركية-الايرانية. ففي اللقاء في الضاحية الجنوبية، تقول الشخصية اللبنانية، بادر الحريري الى طرح إقتراح على نصرالله ان هناك مخرجاً لكي يجنّب الحزب الاتهام بارتكاب جريمة اغتيال رفيق الحريري عام 2005 ويتضمن إعلان “حزب الله” ان هناك عناصر غير منضبطة ضالعة في الجريمة. لكن نصرالله رفض بصورة حاسمة هذا المخرج. وهو عبّر عن ذلك لاحقاً وبصورة علنية أن الحزب لن يسلّم أياً من عناصره الى المحكمة الخاصة ولو بعد مئات الاعوام.

أما في ما يتعلق بالعلاقات الأميركية-الإيرانية، فقد دخلت طوراً جديداً بعد وصول الرئيس الاميركي باراك اوباما الى البيت الابيض عام 2009 وفق برنامج عمل فاز على أساسه في الانتخابات ويتضمن سحب القوات الاميركية من العراق. ولفتت الشخصية اللبنانية الى ان واشنطن وجدت ان أقصر الطرق لتنفيذ وعد الانسحاب من العراق يكون عبر تفاهم أميركي-إيراني نظراً للنفوذ الذي تتمتع به طهران في العراق بعد سقوط الرئيس صدام حسين عام 2003.

وتتابع الشخصية اللبنانية: بعد ظهور حجم النفوذ الايراني المتزايد في العراق وتالياً في لبنان، لم يعد ممكناً الاتكال فقط على تطبيع العلاقات بين بيروت ودمشق. وعندما جاء الموقف السلبي من الأمين العام لـ”حزب الله” في ما يتصل بالمحكمة الدولية، خفف الحريري اندفاعته نحو دمشق واكتفى بما قاله لـ”الشرق الاوسط”. لكن العام الذي أمضاه الحريري في السرايا، أي 2010، كان عاماً خالياً من أي إنجاز يتيح للحريري ان يتكل عليه. لذلك، وما أن أطل العام 2011 حتى نفذ تحالف 8 آذار – عون الانقلاب الشهير الذي جعل الحريري يدخل الى اللقاء مع الرئيس اوباما رئيساً لمجلس الوزراء اللبناني ليخرج من اللقاء رئيساً سابقاً للحكومة.

وأشارت الشخصية اللبنانية الى ان مرحلة ترطيب العلاقات بين الحريري ودمشق بعد اغتيال والده شهدت انفتاحاً استمر اعواماً وخلالها كانت هناك لقاءات تجري بين شخصيتين أمنيتين بارزتين لبنانية وسورية والاولى محسوبة مباشرة على الحريري. كما جرت لقاءات بين شخصية سياسية بارزة في فريق الحريري مع أركان الحكم في دمشق، وقد استمرت هذه اللقاءات الى ما بعد إقصاء الحريري عن رئاسة الحكومة.

وتتابع الشخصية اللبنانية: منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، كان الاتجاه العام للاحداث في سوريا ولبنان هو إنهاء نفوذ السنّة في هذين البلدين. تعزز هذا الاتجاه، بعد انتصار ثورة الامام الخميني في إيران عام 1979، وإسقاط حكم الرئيس العراقي السابق صدّام حسين عام 2003. وعندما وصل رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة في نهاية العام 1992، كان بعض الرجال الاقوياء في طائفته إما قد فارق الحياة اغتيالاً كحال الرئيس رشيد كرامي، وإما انتقل الى المنفى كحال الرئيس صائب سلام. وبدا لوهلة ان حكم أقوياء السنّة عاد الى سابق عهده الى لبنان مع وصول الحريري الى سدة الرئاسة الثالثة. لكن هذا الانطباع كان صالحاً خلال فترة حافظ الاسد وعلاقاته الوثيقة بالعاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز. لكن، وبعد غياب حافظ الاسد عن ممارسة الحكم بدءاً من العام 1998 بدأت محنة الحريري التي بلغت الذروة باغتياله عام 2005 بتدبير وقرار مشترك إيراني- سوري.

لم يتغيّر شيء طوال المسيرة السياسية للرئيس سعد الحريري بدءاً من العام 2005 ولغاية اليوم. وبدا وكأن هناك تسليماً غربياً عموماً مع تفهّم عربي بأن النفوذ السنيّ في لبنان لم يعد كما كان الحال قبل نصف قرن. لكن غياب هذا النفوذ كلّف لبنان ولا يزال ثمناً باهظاً بسبب فقدان الصلة مع العالم العربي عموماً، والخليجي خصوصاً، أي انقطاع هذا البلد عن أهم مصادر القوة التي منحته الازدهار منذ زمن قيام لبنان الكبير قبل قرن.

في اعتقاد الشخصية اللبنانية ان المحنة التي واجهها الرئيس سعد الحريري ولا يزال هي أنه مهما حاول أداء المرونة في التعامل مع الواقع اللبناني من زاوية ميزان القوى الذي يحكم لبنان فإنه لن يصل الى تثبيت قوته. فالقرار الحقيقي لدى سيد هذا الميزان، أي “حزب الله”، هو إنهاء كلياً لمرحلة السنيّ القوي. وكشفت عن نقاش سبق ابتعاد سعد الحريري عن السرايا ما أوصل حسان دياب اليها، وفي هذا النقاش جرى إسداء “نصيحة” من الرئيس نبيه بري للحريري أن يتجاوز مسألة حجم الثقة لتكليفه والذي وجد فيه الاخير رسالة رفض لتسميته، كي لا يتكرر ما حصل مع والده عام 1998. لكن حصل ما حصل، وأصبح سعد الحريري في صفوف المعارضة التي تتلمس طريقها حاليا. فهل تغيّرت الظروف التي أبعدت الحريري مرتين عن القصر الحكومي الاولى عام 2011 والثانية عام 2019؟