//Put this in the section //Vbout Automation

هل فقد رياض سلامة ظلّه؟

غادة حلاوي – نداء الوطن

رياض سلامة شاغل الناس، والعالم، والمالية العامة والخاصة، يبدو اليوم أشبه بالحاكم الذي فقد ظله، الحائر، الذي تعاكسه الأيام بعدما كان رفيق السعد زمن البحبوحة. كان يختال في عليائه داخل مصرف لبنان، الذي عاش في كنفه نصف عمره منذ إنشائه في منتصف الستينات من القرن الماضي.




تغيّرت الأحوال وتبدّلت العهود، والحاكم الذي كان اسمه يوحي بالثقة، خسر مصداقيته وبات متهماً وقد طلبت الحكومة من وزير المال “القيام بعملية تدقيق محاسبية مركّزة لتبيان الأرقام الدقيقة لميزانية المصرف المركزي”، فضلاً عن وجود مطالبة قوية من “التيار الوطني الحر” بتكليف شركة تدقيق محاسبة دولية لإجراء ما يسمى “التدقيق التشريحي”. يضاف إلى ذلك إقرار مجلس النواب قانون مكافحة الفساد ليكون أول قانون على طريق منظومة مكافحة الفساد، الذي يتوقع كثيرون أن يطاول حكماً حاكمية مصرف لبنان ويحاسبها على إدارتها التي ساهمت في تدهور الوضعين المالي والنقدي.

صديق السياسيين ووليّ نعمة أكثريتهم بات اليوم في مرمى سهام الجميع، فمن لا يزال معه؟ ومن تحوّل ضده؟ وهل لا يزال صديق الأميركيين الممنوع المسّ به؟ وهل هو عصيّ على المساءلة او المحاسبة؟

لدى سؤال خصوم الحاكم عمن معه ومن عليه اليوم يأتي الجواب: “معه جمعية المصارف وتحالف السياسيين المستفيدين منه، وعليه وجع الناس وفقرهم وغضبهم”. يجزم كثر أن سلامة “لم يعد مؤكداً ولا ثابتاً أنه رجل أميركا في لبنان، ربما تكون هالة كونه رجل اميركا الاول في لبنان لا تزال موجودة، ولكن الأهم أن الرجل الذي كان يتلقى جوائز عالمية ومحلية سنوياً أصبح منذ ستة اشهر الوجه البشع لدى اللبنانيين، وجه تهريب الأموال بعد 17 تشرين الأول، ووجه التقنين بإعطاء الناس حقوقها، عرّاب “الهيركات”. صار يمثّل صورة السياسة النقدية الفاشلة وقد فُضحت كلّ أكاذيب الطمأنة التي كان يوزّعها، واذا بالناس تصحو على فجوة من 50 مليار دولار كشفت عنها شركة “لازار”.

يرى آخرون أنه حتى المصارف انقلبت عليه، كثر كانوا ينتظرون وقوعه “على الكوع” ووقع. مجموعة ما يسمى خبراء الاقتصاد “ومن يرون في أنفسهم الخلف الافضل له في موقعه”. ومن بقي معه قلة من الاصدقاء لا تعفيه من ارتكاب اخطاء “عن حسن نية” أبرزها “استمراره في إقراض الدولة”.

الرجل المحسوب على الحريرية السياسية لم يسعفه سعد الحريري اليوم والاثنان في الأزمة ذاتها، واحد في المال وآخر في المال والسياسة. حدّت الحكومة من حركة سلامة وقيّدت صلاحياته فبات يتعاطى مع المعالجات المالية “بالترقيع”. قبل الأزمة كان سلامة ينفذ ثم يبلغ بما قرّر وفعل، وكان للطبقة السياسية ملء الثقة به، بعد الأزمة صار لزاماً عليه وقبل أن يخطو أي خطوة أن “يستشير السلطة السياسية والمالية”. يقول عارفوه: “لم يعد لديه من يؤازره اليوم إلا قلة قليلة من السياسيين من بينهم رئيس مجلس النواب نبيه بري ووليد جنبلاط، الذي يرى في وجوده حنيناً الى زمن التركيبة السياسية القديمة التي تشكل أداة اطمئنان له”. قدّم سلامة لهؤلاء الكثير. أعطاهم واحزابهم قروضاً بلا فوائد، كما دعم مؤسسات إعلامية وشخصيات سياسية ومصارف لسياسيين، فكان من أول أخطائه “خشيته من الطبقة السياسية التي يحاول مراعاتها”.

يقول أصدقاؤه المقرّبون “وقع الحاكم بين شاقوفين: تسيير أمور لبنان المالية وحماية أموال اللبنانيين من جهة، وضغوط السياسيين وعقوبات الاميركيين من جهة ثانية. هناك تقارير قدّمتها بعض الجهات ضده للأميركيين تفيد أنه حامي أموال السوريين”.

فكرة الاستقالة

“لطالما راودته فكرة الاستقالة”، يقول أحد اصدقائه “وكلما حان موعد انتهاء مدة ولايته كان يردّد أمام المحيطين انه لن يستمر في حال طلب التجديد له. لكنه استمرّ ولا يزال، لاعتبارات يجهلها حتى اقرب المقربين منه. في احدى المرات صارحهم بالقول: “هناك مليون و230 ألف مودع بالليرة اللبنانية، إذا رحت شو بيعملوا وفي مصارف لازم ساعدها لتستمر”.

هل هي حجة مقنعة كي يستمر في مهامه؟ ايضاً الاجابة لا يعرفها أصدقاؤه والمقربون، فهل بات يخاف الرجل على نفسه وقد أمضى ما يزيد على 25 سنة في حاكمية مصرف لبنان، حتى صار كاتم أسرار كلّ النظام المالي اللبناني والمصارف والسياسيين والعقوبات الخارجية، ويعرف من هرّب امواله ومن تهرّب، هو حافظ أموال رؤساء دول سابقين ومخلوعين فضلاً عن قضية الأموال العراقية وغيرها الكثير الكثير. هو عالم من الأرقام بحد ذاته حتى بات يخاف الرجل من ظله. يحاذر في تصرفاته وفي حفظ ملفاته كما في كلامه، وهو الكتوم الا لحلقة ضيقة جداً ممن يشكو لها أمره بين الحين والآخر. بعضهم يحمله مسؤولية ما آلت اليه البلد من تدهور والبعض الآخر يقول “كذب السياسيون لانهم على بينة في كل صغيرة وكبيرة قام بها الحاكم، أولوه ثقتهم، طلبوا فنفذ وحين وقع كل نجاحاته نسيت بسقطة واحدة”.

يقول مقرّبون ان مجموعة عوامل بخرت تطمينات سلامه منها: “أزمة الرئيس سعد الحريري في السعودية العام 2017 حين تم إخراج 4 مليارات دولار الى الخارج، سبقتها معركة التجديد لرياض سلامة ما أدى الى تحويل مبلغ 3 مليارات ليرة الى دولار، العجز الذي ظهر في الموازنة والذي بلغ 6 مليارات و300 مليون نتيجة المصروف غير الطبيعي والتوظيف العشوائي وحجم التقاعد الذي بلغ 4 مليارات ليرة. زاد الدين بشكل غير متوقع”. ويتابع هؤلاء: “بعد الانتخابات النيابية وتحديداً منذ حزيران 2018 لغاية 2019 حصلت أكبر عملية خروج أموال من لبنان وحصل نقص في السيولة، الى أن حصلت الهندسات المالية “التي لم يعرف الحاكم تقديمها بالشكل اللازم فانقلبت عليه”.

في تشرين الأول من العام الماضي سئل سلامة في مقابلة إن كان سيستقيل أجاب: “إذا كان ذلك سيخدم البلد، لكنني أعتقد أنه سيترك أثراً عكسياً في ما يتعلق بثقة الأسواق، لو كنت أنا المشكلة فاعتبرها محلولة، لكن التعبئة وجعل المال ورأس المال هو العدو لا يدفعان للأمام، ونريد بناء دولة واقتصاد نام”. فهل لا يزال سلامة مقتنعاً بهذه الإجابة؟ ثمة من يجزم ان “تغيير رياض سلامة آت لا محالة”. ثلاث سنوات متبقية من ولاية رياض سلامة فهل سيخلده توقيعه على العملة الوطنية أم ستصبح أثراً بعد عين؟