//Put this in the section //Vbout Automation

دولة الطائف انهارت باكراً… وسلامة ليس إدمون نعيم

سركيس نعوم – النهار

لا شك في أن دولة لبنان مسؤولة أولى عن ما يعانيه شعبه وقطاعاته الاقتصادية – المالية – النقدية – المصرفية من متاعب حالياً لا بل من مشكلات لا تبدو حلولها سهلة وقد لا تكون متوافرة أو ممكنة الآن. والكلام هنا هو عن دولة الطائف التي قامت عام 1989، إذ أن الدولة التي سبقتها أي دولة الاستقلال، رغم معاناتها السياسية السلمية التي لم تتحوّل عسكرية إلّا عام 1975 الأمر الذي أدى الى انهيارها، كانت مستقرة في حدود دنيا أو ربما متوسطة، وكان اقتصادها جيداً ووضعها النقدي – المالي – المصرفي جيداً بدوره (قيمة الدولار في حينه كانت تراوح بين ليرتين وربع وثلاث ليرات). وباستثناء أزمة مصرف انترا وكان الأكبر والأغنى والأكثر توسعاً في الخارج التي أدت الى انهياره، والتي يعيدها البعض الى أسباب سياسية، علماً أن السبب التقني لها كان عدم توافر السيولة مثل اليوم ورفض رئيس لبنان وحكومته في حينه مدّها بها، باستثناء ذلك لم يشهد لبنان أزمات مصيرية في القطاعات المشار إليها. دولة الطائف هذه كانت بحماية الدولة السورية ورعايتها، وقد قامت على أكتاف الذين صنعوا الحرب أو دُفعوا الى المشاركة فيها لأسباب سياسية – طائفية وأخرى وجودية، اقتناعاً من دمشق وحتى من رعاة اتفاق الطائف أن هؤلاء أكثر قدرة من غيرهم على صناعة السلام. طبعاً ثبت عكس ذلك، إذ صاروا مع الباقين من الطبقة السياسية القديمة حكّاماً فعليين في “دولتهم” وفي شوارعهم. ولم يحترم أحد الأنظمة والقوانين. وبدلاً من تأسيس دولة جديدة سليمة وإدارة نظيفة وكفوءة ومؤسسات إدارية فاعلة وقضاء نزيه وأجهزة أمنية وعسكرية تنفّذ أوامر السلطة السياسية، تأسست دولة المحاصصة و”الكومبينات” برعاية “المايسترو” السوري الذي أدار لعبة الفساد والهدر ونهب الأموال ببراعة وقوة. فصارت الدولة الجديدة مشلّعة وبقي الشعب اللبناني شعوباً. دولة الطائف استمرت بعد انسحاب سوريا من لبنان في أعقاب استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005 بفسادها المتنوّع المالي والسياسي والإداري والمؤسساتي. الذي تغيّر فيها أنها صارت بقيادة جهات لبنانية يقود كلٍ منها طائفة ومذهباً وشعباً وحزباً وحركةً وعشيرة. وإذا كانت وحّدتها المصالح فإن الانقسامات الطائفية والمذهبية، ومداخلات الخارجيْن الجديد والقديم مثل إيران الاسلامية وعرب النفط والمال ومعهم الغرب بقيادة أميركا، ونشوء قوة لبنانية عسكرية غير رسمية حرّرت ما احتلته إسرائيل من وطنها ووظّفت ذلك لإنشاء جيش قوي جداً مهمته الرسمية المعلنة مقاومة أي اعتداء إسرائيلي بعد التحرير عام 2000، ومهمته الرسمية غير المعلنة منذ البداية الاسهام الجدي في تنفيذ الاستراتيجيا الاقليمية لإيران الاسلامية التي كان لواضعيها دور حاسم ومهم في تكوين هذا الجيش. هذه الدولة الفاسدة لم تولٍ الوضع المالي الرسمي والمالي الخاص العناية اللازمة بل تركتها لحاكم مصرف لبنان “الشاب” في حينه رياض سلامة وكان الوضع المالي في أيامه رغم اعتداءات إسرائيل الكبيرة جيداً بصورة عامة بعد “النهضة الإعمارية” التي بدأها فيه الحريري الأب. وكانت المساعدات والاستثمارات العربية والدولية تتدفق على لبنان. وظنّ الجميع في حينه (الدولة وحاكم مصرف لبنان والمصارف) أن كل شيء سيبقى على ما يرام. لكن الخطأ الذي ارتُكب أيام الحريري وهو التثبيت الأبدي لسعر الليرة اللبنانية خلافاً لكل القواعد المالية والمنطق أدخل لبنان نفقاً كبيراً ولا سيما بعد قتله كما بعد الانسحاب السوري جرّاء تحوّل لبنان من جنّة ضريبية الى جحيم سياسي وحزبي واقتصادي وطائفي ومذهبي، كما جرّاء تعطّل الدولة فعلياً والفراغ السلطوي المتكرّر فيها على أكثر من صعيد.




إلا أن ذلك كله لا يعني أن مصرف لبنان مع حاكمه “الابدي” ليس مسؤولاً عن الحال التعيسة مالياً واقتصادياً ونقدياً ومصرفياً التي يعيشها اللبنانيون اليوم. فهو نصح الحريري الأب في بداية حاكميته بعدم الاستمرار في تثبيت سعر الليرة مدة طويلة نظراً الى كلفته العالية. لكن الأخير لم يحسب أنه سيُقتل وأن السلام الاقليمي لن يتحقّق وأن انقسامات اللبنانيين ستتفاقم وأنهم سيعودون الى أجواء الحرب الأهلية إعلامياً وسياسياً من دون خوض حرب فعلية على الأقل في ذلك الوقت. وكان عليه بعد غياب الحريري والانسحاب السوري وبدء عدم الاستقرار الجدّي في البلاد أن يمارس دوره فيُقنع رئاسة الدولة والحكومة والأطراف بالتخلي عن “التثبيت” ويُساهم معهم في وضع خطة مالية – اقتصادية تخفّف الأذى المقبل للناس أو تحول دونه. لكنه لم يفعل وهؤلاء كانوا غافلين وملهيين فقط باحتكار السلطة ومناطق نفوذ وبالاستمرار في حلب مؤسسات الدولة لنفع طائفي ومذهبي قليل أو كبير ولكن أيضاً لنفع خاص أكبر وبكثير. ومع الوقت صار الحاكم جزءاً من هذا النظام وليس القصد من هذه الإشارة اتهامه بالمشاركة في الفساد فهو قد يكون مشاركاً فيه وقد لا يكون لكن كان عليه أن يتصرّف بصلابة وأن ينفّذ القوانين بصلابة مثل الحاكم السابق لمصرف لبنان الدكتور الراحل إدمون نعيم ولا سيما في أواخر سني الحرب الأهلية كما بعد بدء مرحلة اتفاق الطائف، وتحديداً في عهد حكومتي الرئيس الدكتور سليم الحص وقائد الجيش العماد ميشال عون. إذ مارس في أثنائه سياسة غير منحازة بين الحكومتين ونجح في تأمين الأموال وبواسطتها المواد الحيوية للخاضعين الى سيطرتهما وفي الحفاظ على النظام المصرفي وعلى ودائع اللبنانيين، وبعد انتهاء الحرب رفض “طلبات” لوزير الداخلية الراحل الشيخ الياس الخازن الذي أرسل قوة أمنية الى جلبه من مصرف لبنان الى مكتبه بالقوة (في الكورال بيتش). فـ”تصارع” مع هذه القوة رافضاً الامتثال وكان محقاً في رفضه. ونجح في منع إخراجه من المصرف بالقوّة وخصوصاً بعد شيوع الخبر واستنكار الناس والسياسيين لمحاولة الخازن بغالبيتهم. لكن سلامة وبعد تجديد ولايته أكثر من مرة ومع اهتراء الوضع اللبناني صار يشعر أنه لا يُستغنى عنه وأنه محصّن وأنه يتمتع بتأييد مهمّ ومتنوّع داخلياً وإقليمياً ودولياً فـ”طلِع البخار الى رأسه”. بماذا أخطأ سلامة أيضاً؟