//Put this in the section //Vbout Automation
راجح الخوري

سرقوا الدولة ويشترونها؟ – راجح الخوري – النهار

هناك طريقة واحدة لا غير لإستعادة المليارات المنهوبة مالية الشعب اللبناني، والتي تجزم وسائل إعلامية غربية اعتماداً على خبراء دوليين، أنها تصل الى 320ملياراً من الدولارات، سرقها السياسيون وأزلامهم والمقاولون نيابة عنهم والمديرون الفاسدون في معظم دوائر هذه الدولة المسخرة المتروكة دائماً كرماً سائباً على درب الثعالب المتعاقبة!

لكن هذه الطريقة للأسف، نسج خيال لأن النسيج الطائفي والمذهبي، سيدفع لبنان الى السقوط مجدداً في الحرب الأهلية، وخصوصاً وسط هذه الغوغاء، التي تحاول دائماً تجهيل السارقين. الطريق المذكورة تقضي بأن نستيقظ غداً كما إستيقظ الجزائريون والسودانيون والماليزيون قبل أعوام، لنكتشف أنه تمّ ليلاً إعتقال كل الزعماء السياسيين المشتبه بهم، وكل أزلامهم في القضاء والأمن والمؤسسات المنهوبة، وأرسلوا الى الإقامة الجبرية المرفهة في الفينيسيا وفي البريستول، وقيل لهم لن تخرجوا قبل ان تردوّا الى الخزينة كل فلس سرقتموه!




يبقى السيناريو الرائع حلماً في لبنان البائس، ما لم تحصل أعجوبة على يد مجموعات من الثوار الطاهرين، الذين يقف الشعب كله وراءهم، فيقرروا تقديم الوطن على الطائفة، والهوية على المذهب، ورغيف أولادهم على مليارات الزعماء الفاسدين وثرواتهم الأسطورية في بلد يجوع.

صحيح انه حلم يدغدغ المخيلات، لكنه لم يكن من المستحيلات، تذكروا مثلاً كيف يعيش الرئيس سليم الحص اطال الله عمره، وتذكروا إيضاً أنه عندما ذهب الرئيس المرحوم شارل حلو برفقة زوجته للإطمئنان الى أرملة الرئيس المرحوم فؤاد شهاب، لاحظ الرئيس حلو ان هناك دمعة في عين رقيب من حرسه، وعندما سأله ماذا هناك، قال وهو يكاد ان يبكي: ألا ترى فخامة الرئيس فرش المقعد في الصالون ممزقا ؟

قبل ان يغادر متأثراً جداً، سأل الرئيس حلو زوجة شهاب وكانت فرنسية تدعى رينيه بوتيو، بخفر وعلى كثير من الألم والضيق: ماذا استطيع ان افعل لك يا سيدتي، قالت: فقط لو تتكرموا بتسديد مبلغ 375 ليرة لبنانية، انا مدينة بها لدكان السمّان.

اخبرني الرئيس حلو شخصياً، كيف ظلّ يبكي في طريق عودته، ولكنني اليوم بعد كل ما فعله النصابون بهذا البلد الممزق، أدمع أيضاً ولا أجد فرقاً بين يتيم يبكي جوعاً في طرابلس أو أي بلدة من وطننا وبين دموع شارل حلو، يوم كان الرؤساء يعملون لبناء الوطن لا لسرقته .

لست أدري لماذا ذهبت بي الذكريات الى هناك، ونحن اليوم، وسط معمعة لا نهاية لها بين الذين نهبوا الدولة وبين الذين تأخذهم مثلي، إحلام تحلّق بعيداً في ان نتمكن فعلاً من المحافظة على لبنة أخيرة في البلد، ونحن ننكب على تحطيم الأنسان فيه قبل تحطيم الجدران واحلام الأطفال!

وطن يضع الكمامات ويتدجج بالمطهرات وينعقد للتشريع تباعداً، ليقرّ زراعة الحشيشة، وطبعاً لأغراض طبية، ولكأن المختبرات العالمية تنتظر عجائب الأدوية، التي سنخترعها، وعندما يكون وزير المال بصدد مسح أملاك الدولة او ما تبقى منها، تمهيداً لبيعها ومعالجة الدين العام، والعالم في أسوأ ازمة مالية بما يعني ان الذين نهبوا مالية الدولة أمس سيشترون أملاكها غداً، ونحن الشعب مجرد ماشية في أراضيهم!