//Put this in the section //Vbout Automation
سمير عطا الله

رجال الاستعراض – سمير عطاالله – النهار

تتسع في العزل فسحة التأمل، وتكبر عدسة الرؤية، وكلما اقترب الإنسان من نفسه، خاف شطط الآخرين. وفي مثل هذه الحالات الغريبة والغامضة الاسباب، يصبح كل فرد مسؤولاً المسؤولية الكبرى، الموت والحياة. العدوى والانتحار. وتتعرى الحياة إلا من الجوهر. ويسقط التأويل اللفظي امام حقائق الكارثة. وتتطلع الشعوب والأمم إلى اهل الصدق والثقة والعقل، لأن اللحظات الحرجة لا تحتمل الزيف والعروض الفارغة.

تنتهي المراحل الاستعراضية بأثمان فادحة على الناس. وتتحول البهلوانيات الفارغة الى فواجع. وما اقبح الاستعراض الفارغ حين يتم فوق الجثث وبين صرخات الاستغاثة، لأن المخمور بالعرض، لا يميز بين العويل والهتاف. كان تشاوشيسكو لا يزال يرفع يده بالتحية فيما الجموع تصرخ: جرذ. جرذ. وفجأة انتبه وهرب.




نحن في عصر مرير من سياسة الاستعراض. وقف الرجل الساكن البيت الأبيض يقول: “قمنا بجهد عظيم ومثالي ولم نخطىء في شيء، ولم نتأخر في قراراتنا، وما يشاع عن أخطاء، هو صناعة الإعلان الكاذب، وفبركة شريرة من الحزب الديموقراطي”.

أين الفظاعة في الأمر؟ في أن الرجل مقتنع بما يقول. إنها مؤامرة كونية عليه، يسقط خلالها الألوف من البشر كل يوم، معرقلين بجثثهم شهوة البقاء في البيت الأبيض، حيث يَطرد صباح كل يوم، صاحب عقل آخر. حتى جون بولتون بدا معتدلاً امامه.

لا تعود هذه كارثة محلية فقط، عندما يكون رئيس اميركا منتشياً “بجهده المثالي” في مثل هذه الخنقة العالمية التي حوّلت نيويورك الى مقابر جماعية. في اليوم نفسه، خاطب امير من فرنسا، يدعى ايمانويل ماكرون، شعبه قائلاً: “أقول لكم، بكل مذلّة، أننا تأخرنا في اتخاذ القرار”.

كيف للدنيا برجل غاضب على الدوام، لا يصغي إلاَّ لنفسه، في مونولوغ مستمر، صباحاً ومساء، كيف لها أن تطمئن؟ وكيف يصير الأمر عندما يقرر الممتلىء غضباً، أن تغادر بلاده منظمة الصحة العالمية، فيما العالم بين مخالب الوباء الفاشي وقبضة اليأس؟

يهدد الاستعراضيون أمن شعوبهم وسلامة هذا العالم، حتى الواصلين منهم بالانتخاب. وليس الحال في الهند، اكبر ديموقراطية في العالم، احسن منها مع ناريندرا مودي، الذي قيل ان الثياب التي ارتداها في استقبال ترامب، كلفت 92 الف دولار. يترأس هذا الرجل الآن بلاد نهرو وغاندي وحزب المؤتمر، ويقود حزباً حقائدياً يرفض حقوق المسلمين. ولا احد يعرف متى تشتعل شبه القارة الهندية مرة اخرى. كيف حاول هذا المتأنق محاربة كورونا بمنع نشر اخبارها. المسألة هي الخبر- لا الوباء. هي الاستعراض.

الحقيقة أن الكارثة ليست في بلد مكتظ بـ 500 مليون إنسان يسكنون بيوتاً مرتجلة بعضها بلا مياه، شفة أو صرف، وإنما في كيف سيبدو مودي أمام تابعيه. أليس كثيراً على هذه الدنيا أن تبدأ الهند بجواهر لال نهرو وتنتهي إلى ناريندرا مودي؟ الخوف الجدي الآن هو أن تتحطم هذه المعجزة العالمية بين يديّ هذا النرجسي. هذه هي مآسي الديموقراطية: أن يقع الناخب في الهوس، فتصبح الحريات والتقاليد مهددة في اكبر مهادها. تشبه عروض مودي تلك العروض التي كان يؤدّيها معمر القذافي في عباءاته وصولجانه المذهّب وتاجه.

النرجسية مرض لا عارض. يتطلع نرجس في صفحة النهر فلا يرى إلا نفسه. ويطلب المزيد. ثم يروح يضيف الى نفسه كل ما يتمناه ويحلو له. هل سمعت بشرياً من قبل يقول “نحن لم نخطىء”؟ المخطىء دائماً هو الآخرون: الإعلام الكاذب والحزب الديموقراطي، وخصوصاً نانسي بيلوسي، إحدى اكثر السيدات احتراماً في تاريخ الولايات المتحدة. وما هو الاحترام؟ الشيء الوحيد الذي لا يبالي به النرجسيون، لأن متطلباته كثيرة وصعبة، الترفع والتعقل والتمنع وعدم التبذّل. وإذا كان يستحيل عليك أن تحب الناس، فعلى الأقل ألاَّ تهين ذكاءهم. كتبت دومينيك اده في “الاوريان لوجور” رسماً نفسانياً ساحراً للرجل المعبأ بنفسه مثل روبوت، ويحكم اكبر قوة في العالم.

فقط شجعان هذا العالم يجرؤون على الدخول في منافسة احترام النفس. لا يقوى كثيرون على تحدي هذا الامتحان لأنه سيرة بكاملها، وليس مهرجاناً انتخابياً. كانت خلفه صورة ديغول عندما قال ماكرون للفرنسيين، اقف امامكم بكل تواضع. تلك اللغة التي كان يستخدمها أحبار الكنيسة: الحقير إليه تعالى.

هناك الاستعراض، وهناك الانجاز. وعندما ينتهي العرض لا يبقى شيء يُذكر. إثنان قدّما نفسيهما للعالم في حرب الخانقة: دونالد ترامب الذي لا يخطىء، لكن ادارته لمواجهة كورونا فتكت بالبلاد، وانغيلا ميركل، حيث حصدت الكارثة اقل عدد من الضحايا، ومن ثم اعلنت هزيمتها. واحد يعمل للملصقات، وواحدة للتاريخ.

لشدة ما هي متواضعة، خُيل للنرجسيين في لبنان أن لا وجود لها. فلما جاءت اول مستشارة المانية في التاريخ لزيارتنا، افهمناها أن وقتنا ضيق ومشاغلنا الديبلوماسية كثيرة. لم يتضمن برنامجها عشاء تكريمياً. عندما شاع في اوروبا قبل اشهر أن ميركل مريضة، اهتزت اوروبا. مثل هذه الشخصيات تلعب دوراً اساسياً في توازن العالم، او في اختلاله.

النرجسيون يهددون سلامة بلادهم اولاً. رؤوس لا تعرف الحوار لأن الآخر لا وجود له، إلا خادماً أو مصفقاً. لم يبقَ حول ترامب سوى المهللين. امير فرنسا، البرنس ماكرون، لم يتفوه بكلمة في مسألة كورونا، إلا بعد استشارة اللجنة العلمية. هو انتُخب رئيساً للجمهورية وليس خلفاً لباستور، سيد اللقاحات ومنقذ صناعة النبيذ وصاحب “بسترة” اللبن والحليب.

ترامب أصر على ان يخاطب الاميركيين في كارثتهم، بقدر ما يعرف. وما يعرفه في العلوم موازٍ، على ما يبدو، لما يعرفه في غيرها. ومبدأ “الصفقة” الإلهي لا ينطبق على قضايا الحياة والموت. رجل الدولة نادر، أما رجال الاستعراض فيملأون الناس بخنّاق يشبه الكورونا. تصور لو ان رئيس اميركا اليوم هو تيودور روزفلت، الذي وصفه ديغول بأنه “نبيل ديموقراطي”.

في ازمات الفراغ المريعة، تتطلع الناس الخائفة إلى النبلاء. إلى ذوي الفكر والرؤية، وحكمة المسؤولية. إلى الذين يستقرئون العواصف والأعاصير عندما يرون تلبّدها عاماً بعد عام. حياة الناس ومصائر الدول وأرزاق الشعوب، ليست نكتة بائخة ننقلها بين الأمكنة، إلى أن نرتطم بهذا الجدار الرملي السريع التفتت، ولا يبقى لنا سوى أن نضع اللوم على الحزب الديموقراطي والإعلام المزيف.

إذ يتساءل اللبنانيون في ذهول ورعب عمن هو المسؤول عن الكارثة، يقال لهم إنه الحزب الديموقراطي! ولعله جميع الاحزاب الديموقراطية معاً، وفي جميع المراحل. ولا ينتظرنَّ احد أن يقف في هذه الغابة رجل في قامة ايمانويل ماكرون ليقول لقد اخطأنا. نحن لا نخطىء. نحن الحكومة التي تقول لأصحاب الأصول المالية، لا اصول لكم. ونحن المصرف الذي يقول للمودع ليس عندي مال اسدد به ديوني، وليس المودع من يمتنع على جري العادة، منذ أن اخترع آل ميديتشي البنوك. ونحن الذين نخيّر الناس بين القطع من فوق أو القطع من تحت أو التشليح من كل مكان.

في اسابيع قليلة اختل نظام الحياة وتخلخل. ليس النظام المالي بل نظام الحياة. الأزمة دخلت كل البيوت واغلقت المصانع ودمّرت الطمأنينة إلى سنوات طويلة آتية. وآخر ما وصلت إليه الرغيف والأفران. والحكومة منهمكة في مواجهة كرامة القضاء، وتسريب سدّ بسري.