//Put this in the section //Vbout Automation

دويّ طبول المواجهة الداخلية يعلو فإلى أي مشهد مضطرب يقود هذا الاحتدام؟

ابراهيم بيرم – النهار

خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، بدت حلبة المسرح السياسي كأنها هُيّئت لمواجهة ضارية وربما مفصلية بين القوى التي خرجت من دست الحكم والحكومة، وبين تلك التي تشكل حاضنتها، وذلك بعد تصريحات وتغريدات انطلقت خصوصا من منصة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وكتلته النيابية في اتجاه الحكومة رئيسا ووزراء، وتشعّبت منها اتهامات من عيار أن ثمة انقلاباً تعدّه هذه الحكومة للانقضاض على التركيبة السياسية والاقتصادية.




واستُتبع هذا النهج الهجومي مع فتح قنوات التواصل مع حزب “القوات اللبنانية” عبر زيارة قام بها أركان من الحزب الاشتراكي إلى معراب بعد طول غياب وانقطاع.

وترافق أمر هجوم المختارة الذي استمر أياما مع عودة مفاجئة لزعيم “تيار المستقبل” الرئيس سعد الحريري، مستهلاً إياها بإعادة إحياء النزاع المتصل بملابسات استشهاد والده، من باب استئناف السجال الاعلامي مع النائب جميل السيد.

كل ذلك مترابطاً أعطى انطباعا لدى الفريق الآخر وجمهوره، فحواه أن ساعة المنازلة بين الطرفين آتية ولا ريب فيها، ولأن المكونات الثلاثة هي في طريقها إلى بلورة “جبهة معارضة”، تنطلق في رحلة اعتراض شرسة تنهي فترة المهادنة والسماح التي منحتها تلقائيا لحكومة حسان دياب، وتنطلق نحو تحقيق هدف أقصى هو اسقاطها تمهيدا لإعادة إحياء تركيبة حكومية وسياسية تكون هي قطب الرحى فيها.

وبالطبع ثمة من يرى أن رياح الظروف مؤاتية لشراع هذه الحركة الاعتراضية، وفي مقدمها تأخر حكومة دياب في الايفاء بالتعهد الذي أطلقته وهو وضع خطة إصلاح نقدي واقتصادي تكون مدخلاً لإعادة الاستقرار والتوازن المالي إلى البلاد، وتكون ايضا مقنعة لمن يعنيهم الأمر في الداخل والخارج.

إضافة إلى ذلك، هناك مَن يتحدث عن نقطة ضعف داخل حكومة تجسّد نفسها عبر تناقضات وتباينات ظهرت بين فينة وأخرى. وثمة من يعتبر أن المعارضين، وفي مقدمهم جنبلاط، يستندون ضمناً في نهجهم هذا الى “عدم محبة” يبديه الرئيس نبيه بري للحكومة رئيسا ونهجا، وهو ما تجلى علانية أكثر من مرة.

وأبعد من ذلك، هناك من يجد أيضا “ثغرة” تعمل لمصلحة المعارضين، تتجلى في هذا التراخي من “التيار الوطني الحر” لتقديم الإسناد والاحتضان اللازمَين للحكومة، واللذين يتعين أن يكونا على قدر التحديات والهجمات التي تتعرض لها.

وحيال ذلك، بدا “حزب الله” وحده السند والعضد لهذه الحكومة، ويبادر دوما إلى إعطائها شهادة حسن سلوك.

ولئن كان كل ذلك صار توصيفا ربما بدا قديما ومعلوما لواقع مركَّب يعرف الجميع كثيرا من تشابكاته وتعقيداته، فإن السؤال المطروح تلقائيا بإلحاح هو: إلى أين قد يفضي هذا الاحتدام في المواجهة؟ واستطرادا، ماذا في قدرة المعارضين على فعله في المواجهة المرتقبة، وهل يمكنهم أن يسقطوا الحكومة والعهد، لا سيما بعدما فتح جنبلاط الأمور بهذا الاتجاه ورفع أخيرا شعار “المواجهة مستمرة”، وأفقها إسقاط الحكومة والعهد معا؟

وفق تحليل لـ”ثلاثي” السلطة والحكم والحكومة، ان جنبلاط يصعّد على نحو غير مسبوق محاولا أن يظهر أنه حرق كل المراكب وراءه، إنما يهدف إلى ترسيخ أمور ثلاثة:

– الأول: أن يستعيد زمام المبادرة والريادة في وجه الحكومة على نحو يذكّر بدوره في الأعوام التي تلت استشهاد الرئيس رفيق الحريري، مع علمه أن الوضع مختلف عن السابق.

– الثاني: يحاول الإيحاء بأنه يلقى دعما أميركيا وغربيا كانت أبرز تجلياته في استقباله أخيرا السفيرة الأميركية في دارته في كليمنصو، والتي أعقبها لقاء مع السفير الفرنسي.

– الثالث: إنه يحاول إحراج “حليفه” القديم الرئيس سعد الحريري، لكي يدفعه إلى مواكبته في المواجهة، مع علمه أنه ليس في وضع شخصي وحزبي يتيح له المواجهة الحاسمة.

كل تلك القراءة، على بلاغتها، لا تعني بالنسبة الى “ثلاثي الحكومة” أن السبل مفتوحة تماما أمام المواجهة التي رفع رايتها زعيم المختارة.

يرى نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي في لقاء خاص أن “ليس في إمكان الذين دقّوا نفير المواجهة والمعارضة أن يقلبوا طاولة المشهد السياسي الحالي وتوازناته المرئية، وإن كان في إمكانهم أن يهزوا هذه الطاولة على نحو أو آخر”.

وفي موازاة ذلك، فإن “حزب الله” سارع سلفا إلى رسم خط دفاع قوي عن الحكومة في وجه “الحملة المنظمة” التي نهضت في وجهها في الأيام القليلة الماضية.

ففي تغريدة أدلى بها عضو المجلس السياسي للحزب القيادي المخضرم غالب أبو زينب، أعطى تكثيفا لرؤية الحزب حيال المتوقع في قابل الأيام، فقال: “هناك ملاحظات على حكومة حسان دياب، لكن الديناصورات السياسية التي تهاجم الحكومة بشراسة وتشكو إدارتها وتدفع باتجاه صندوق النقد الدولي، إنما تمثل العفن المستشري في مفاصل الدولة واستماتته للانقضاض على ما تبقى تحت عنوان الخصخصة والهروب من تبعات ما جنت سرقاتهم الوقحة منذ عام 1992 مجتمعين”.

وفي اسهاب أكبر، ألقى أبو زينب الأضواء على رؤية الحزب المستقبلية، فقال في تغريدة سابقة:

“ثمة مرحلة فاصلة تحتاج إلى مواقف استثنائية من:

1- إدارة مصرف مركزي تكذب وتضلل وشاركت في ذبح الاقتصاد بأدائها الفاشل.

2- مافيا مصارف تواطأت بالنهب المنظم وإخراج الأموال وسرقة المودعين.

3- سياسيين فاسدين يعملون على حماية المذنب وتحميل الشعب ثمن الكارثة”.

ويخلص إلى استنتاج “جازم”: “هذا المخطط يجب إسقاطه ومحاسبة الفاسدين”.

وفي الموازاة أيضا، يُنقل عن القيادة الفاعلة في “التيار الوطني الحر” رد حازم على محاولات وشعارات لإسقاط الحكومة. وتقول هذه القيادة انه “بعد حكومة دياب، ليس مضمونا ولادة حكومة جديدة”. أي أن هذه القيادة تريد تكريس معادلة حكومة دياب أو لا حكومة إطلاقا.

إنها إذاً نُذر المواجهة وأفقها المحتمل، ففي مقابل الدعوة الى اسقاط الحكومة ثمة استعداد للدفاع عنها، ما ينطوي على احتمال أن تفضي إلى وضع مضطرب ومواجهات متنقلة ومتفرقة، خصوصا أن أنصار الحكومة والعهد بدأوا مواجهة مضادة لتصريحات جنبلاط وهجماته. فهل لهذا السيناريو السوداوي مكان؟

في أجواء عين التينة ثمة من ينقل عن الرئيس بري قراءة اكثر هدوءا وأقل توترا، فحواها أنه مستعد لملاقاة هواجس “حليفه الدائم” جنبلاط، من خلال إعطائه ما يدحض هواجسه القائمة على أن هناك من يشن حرب إلغاء أو حرب جديدة عليه لإقصائه من المعادلة، أو على الأقل تحجيم دوره، في إشارة واضحة إلى حصة الزعيم الاشتراكي في التعيينات المرتقبة.

ولئن صحّت هذه الفرضية، فإن معنى ذلك أن الضاغطين على الحكومة إنما يبتغون ضمنا إعادة ترتيب التوازنات والمصالح والحسابات السياسية والداخلية ليس إلا، وهذا معناه أن حدود المواجهة محددة سلفا ويمكن التعامل معها.

أما إذا كان المقصود فعلا قلب الطاولة، فذلك دونه صعوبات وعوائق كبرى، في مقدمها أن أصحاب هذا الشعارغير قادرين على انتاج حلول ناجعة ولم يمضِ على خروجهم من الحكومة إلا أشهر قليلة، فضلا عن أن جنبلاط لن يجد إطلاقا من يدعمه لإسقاط العهد لا من الجانب المسيحي ولا من الجانب الشيعي.