//Put this in the section //Vbout Automation

خير جليس في الحجر كتاب! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

في فترة الحجْر المنزلي التي فرضتها ظروف جائحة فيروس «كورونا» حول العالم، حاولت التعامل مع هذا الظرف المقلق بأحسن الطرق الممكنة واستغلال «الانقلاب في الوقت» الذي طرأ بشكل مفاجئ على الجميع، بأحسن الأساليب الممكنة. وكان خياري الأول العودة إلى صديقي المفضل: الكتاب! قفزت العناوين أمام عيني وأنا أحاول أن أختار المناسب منها من مكتبتي، ووجدت العناوين وكأنها تخاطبني في إشارة لما يمر به العالم.

بدأت مشوار الاختيار مع الأدب الروسي فوجدت رائعة دوستويفسكي «الجريمة والعقاب» مناسبة جداً في معناها للتهم الموجهة للصين بأنها «خلف» كارثة انتشار فيروس «كورونا» حول العالم. وأجواء الحرب المنتشرة حول العالم تحت شعار «الحرب على الفيروس» جعلت من رائعة ليو تولستوي «الحرب والسلام» تقفز أمامي، وهي التي كانت في الصعود والهبوط في الخطوط الدرامية للحياة البشرية وهي تخوض حرباً فرضت عليها وتتوق لسلام حرمت منه.




والعزلة التي فرضها فيروس «كورونا» علينا نقلتني إلى أدب أميركا اللاتينية، وتحديداً الواقعية السحرية للعبقري ماركيز ورائعته الخالدة «مائة عام من العزلة»، فهي تثير أشجان ومخاوف التباعد الاجتماعي والزمني، وهي الحال التي يمر بها الناس اليوم. ثم توقفت ملياً عند إحدى أهم روائع الأدب الأميركي لجون ستاينبيك، وهي روايته الأشهر «عناقيد الغضب» التي يصف فيها مأساة الانهيار الاقتصادي وتبعاته، وهو الكابوس المصاحب للجائحة المدمرة والكارثية. وهناك رائعة همينغواي «العجوز والبحر» التي ركزت على تحدي الإنسان للزمن وهو الذي يمر ثقيلاً في ظل هذه الأزمة الحادة وغير المسبوقة.

أيضاً تقفز أمامي إحدى روائع الأدب الإنجليزي لتشارلز ديكنز، وهي روايته الشهيرة «قصة مدينتين»، التي يفتتحها بالجملة الخالدة «لقد كانت أفضل الأوقات وكانت أسوأ الأوقات» لتصف بشكل مقتضب خليط المشاعر التي يمر بها العالم اليوم. ثم يجيء على البال الأديب التشيكي فرانز كافكا المعروف بأسلوبه السوداوي العميق والذي يبرز في رائعته «التحول» التي تصف مشاهد كابوسية تشبه التحول الكبير في واقعنا الذي نعيشه اليوم.

ثم يقفز إلى عنوان رائعة الأدب الفرنسي للمؤلف الكبير فيكتور هوغو «البؤساء» وكأنه في العنوان يصف حال سكان الأرض بشكل شديد الرمزية والبلاغة والعمق. ثم أحلق فأصل إلى الرائع أمين معلوف وكتابه الذي يحمل عنواناً يصف ما حصل بكل معنى الكلمة «اختلال العالم»… عنوان عبقري لكتاب يشرح خطايا العالم وصراعاته اليوم. ثم أعود إلى عالم الرواية العربية لتقفز إحدى روائع نجيب محفوظ «بداية ونهاية» لتذكرنا ببداية ما حدث لنا وتذكرنا أننا بانتظار نهاية له.

عناوين كثيرة تقفز أمام عيني كل منها يذكرني بقدرة الكاتب على تشريح حالة وواقع معين بعدد بسيط من الكلمات، لكنها جميعاً تنجح في مخاطبة الحالة الإنسانية الشديدة التعقيد.

الاطلاع هو إحدى أهم مرايات ثقافات العالم، فقراءة إنتاج أدبي لدولة معينة هي بمثابة دورة مكثفة في ثقافة هذا البلد ليعلمنا عنها المثير. فالوضع الحالي ومحاولة فهم ما يحصل فيه هو أشبه بتصوير مشاهد الخيل وهي تركض في نصف السباق وإصدار الحكم بمن فاز وتخرج بالتالي علينا نظريات المؤامرة لمحاولة شرح ما يحدث، وهنا قفزت أمامي رواية الإيطالي امبيرتو ايكو الرائعة «بندول فوكو» التي تبرع في وصف طلاسم عالم تنظيم المؤامرة الغامض.

الكتب وصفة مضمونة لصحبة مفيدة في ظروف صعبة، ومتى ما راعيت أصول الصحبة بإحسان الظن وفتح الخيال وتوسيع الآفاق كانت المتعة المضاعفة. وفي هذه الظروف العجيبة قد يكون هذا الأمر أشبه بالحلم. رحلة طويلة وكابوس مزعج كان فيهما الكتاب رفيقاً وصديقاً.