//Put this in the section //Vbout Automation

مرثية لبيروت – هشام ملحم – الحرة

عكس الإعلان عن إغلاق فندق البريستول العريق في بيروت، بعد حوالي سبعين سنة من افتتاحه، عكس حالة الانهيار الاقتصادي العميق في لبنان، والتحدي الذي مثلته جائحة فيروس كورونا.

ولكن إغلاق البريستول يؤشر أيضا لنهاية حقبة الكوزموبوليتانية البيروتية التي ازدهرت بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن بدأت تحتضر ببطء طويل بعد الحرب الأهلية في 1975 وفي أعقاب الاحتلالين السوري والإسرائيلي، وانتهاكات الفصائل الفلسطينية المسلحة والميليشيات اللبنانية، التي قوضت ما تبقى من سيادة الجمهورية اللبنانية الضعيفة أصلا.




البريستول كان أكثر من معلم سياحي. كان مثله مثل المعالم السياحية والثقافية والتعليمية في بيروت قبل الحرب، من صالات مسارح وجامعات (وتحديدا الجامعة الأميركية) ومعارض فنية ودور سينما ومكتبات ودور نشر ومكاتب الصحف والمجلات، والمقاهي والمطاعم، مكانا يلتقي فيه العالم في بيروت. البريستول في هذا السياق هو من آخر رموز هذه الحقبة المنفتحة والمزدهرة في لبنان.

بعد أفول الكوزموبوليتانية التي كانت متجذرة خاصة في الإسكندرية، وإلى حد أقل في القاهرة، وفي بغداد وحلب ودمشق، في أعقاب سقوط هذه المدن التاريخية الهامة في قبضة الطغيان العسكري، تحولت بيروت إلى آخر معقل للكوزموبوليتانية في المنطقة.
للكوزموبوليتانية Cosmopolitanism الحديثة أكثر من تعريف، ولكن معظم التعريفات تتمحور حول مدينة تعيش فيها فئات مختلفة إثنيا ودينيا ولغويا وتتفاعل فيما بينها ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا بانفتاح وقبول للآخر.

المؤرخ البريطاني فيليب مانسل الذي نشر في 2010 كتابه الهام Levant  حول هذه الظاهرة في ثلاثة مدن ساحلية في شرق المتوسط: الاسكندرية، Smyrna المدينة اليونانية تاريخيا والتي اصبحت تعرف باسم أزمير بعد تأسيس الجمهورية التركية، وبيروت، يرى أن هذه المدن كانت خلال قمة ازدهارها أوروبية وشرق أوسطية في آن، قومية وعالمية، مدن مختلطة بنيت فيها الكنائس والمساجد والمعابد اليهودية جنبا إلى جنب.

ويضيف “التنوع والمرونة هي في جوهر هذه المدن المشرقية”. في هذه المدن كان الناس يتنقلون بين هوياتهم كما يتنقلون من لغة إلى أخرى كما يتبين من النتاج الأدبي لكتاب وشعراء هذه المدن. جامعات هذه المدن صممت لتكون عالمية بطلابها ومناهجها التعليمية. ويرى مانسل أن بيروت هي آخر مدينة مشرقية، بمعنى آخر مدينة كوزموبوليتانية، ولكنه توقع قبل عقد من الزمن أن الاستقطابات في لبنان، وبروز ظاهرة “حزب الله” تشير إلى أن بيروت في طريقها إلى خسارة جوهرها المتنوع السابق لتصبح “متجانسة” مثلها مثل غيرها من مدن المنطقة.

قبل نهاية حقبة الكوزموبوليتانية، أو الحقبة الليبرالية نسبيا كما يسميها البعض في دول مثل مصر وسوريا والعراق قبل وصول العسكر إلى السلطة، وبروز الإسلام السياسي المتشدد كحركات سياسية تطمح للسلطة، كانت مدن مثل الإسكندرية والقاهرة، وحلب ودمشق وبغداد (طبعا مثل بيروت) تشكل فسيفساء اجتماعيا وديموغرافيا ودينيا ولغويا وأثنيا. عرب من مسيحيين ومسلمين، من مختلف الطوائف والمذاهب، يهود (قبل قرن كانت نسبة اليهود من سكان بغداد تصل إلى الثلث، ولليهود جذور عميقة في العراق وسوريا، وتاريخ المسيحيين في العراق مثله مثل سوريا قديم قدم الديانة المسيحية ذاتها التي أسست كنيستها الأولى في أنطاكية، التي كانت حتى القرن العشرين مدينة سورية)، إضافة إلى أكراد وتركمان ويزيديين.

ثم جاءت الهجرات الحديثة من أرمن ويونانيين وإيطاليين، إضافة إلى جاليات بريطانية وفرنسية وأميركية. جامعات هذه المدن كانت تخرج الآلاف من الطلاب من أوروبا وأفريقيا وآسيا. رؤساء حكومات ودول مثل إيران وأفغانستان وغيرها تخرجوا من الجامعة الأميركية في بيروت.

عندما خسرت مصر جالياتها اللبنانية واليونانية والإيطالية والأرمنية واليهودية وازدادت معدلات هجرة الأقباط، بسبب سياسات جمال عبد الناصر “القومية” وأعمال العنف التي قامت بها لاحقا جماعات إسلامية متطرفة ضد المسيحيين، أصبحت الاسكندرية والقاهرة أكثر قحطا فنيا وثقافيا وإنسانيا. وهذا صحيح في دمشق وحلب. التنوع الديموغرافي والديني والثقافي في بغداد أصبح من الماضي السحيق. العاصمة العراقية في طريقها لأن تصبح مدينة شيعية.

في صباي عندما كنت أمشي في شوارع بيروت كنت أسمع بابلا من اللغات الإقليمية والعالمية. كان أصدقائي اللبنانيين مسيحيين ومسلمين، وإن كنت أدرس في مدارس مارونية. أحد أصدقائي الشيعة أهداني كتاب “نهج البلاغة” للإمام علي، الذي أذهلتني شخصيته ونبله، ومن خلاله عشقت اللغة العربية. كنت أقيم في منطقة محازية لمنطقة أرمنية، وعرفني أصدقائي الارمن على العديد من الكلمات والأغاني الأرمنية (إضافة إلى الشتائم التركية الغنية التي كان يرددها أهلهم). أحد أصدقائي المقربين آنذاك كان قبرصيا لبنانيا، يتحدث اليونانية في منزله.

الحياة الثقافية والفنية في بيروت ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي كما عرفتها، قبل مغادرتي لبيروت في 1972 للدراسة في الولايات المتحدة، كانت غنية وخلاقة. كانت هناك حركة مسرحية متنوعة. كان بإمكانك أن تشاهد مسرحية لشيكسبير في الجامعة الأميركية، وأخرى لموليير في جامعة القديس يوسف، أو مسرحيات لصاموئيل بيكيت أو أنطون تشيكوف، أو للبناني عصام محفوظ في مسرح بيروت (عين المريسة) أو مسرحية للأخوين رحباني وفيروز في مسرح البيكاديللي.

شكل مسرح بيروت ومسرح البيكاديللي صرحين كبيرين من ذاكرة بيروت الثقافية. أحد أبرز الأحداث المسرحية خلال حياتي آنذاك كانت حضوري لمسرحية “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” للكاتب المسرحي السوري الموهوب سعدالله ونّوس، بعد أن نشرها أدونيس في مجلته الرائدة “مواقف”.

في بيروت استمعت لأدونيس يحاضر عن الأدب ويلقي قصائده (لا أحد يقترب من سحر أدونيس وهو يقرأ ويعيش قصائده). استمعت لمحمود درويش مع الآلاف حين زار بيروت بعد مغادرته لإسرائيل وهو يلقي قصائد جديدة لم تنشر بعد. كما كنت محظوظا للاستماع إلى خليل حاوي ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي.

خلال هذه الفترة تعرفت على أدونيس، الذي وهبني سعادة لا مثيل لها حين نشر لي بضعة قصائد في “مواقف” في عدد خصصه للشعراء الشباب. كما تعرفت على المفكر والباحث صادق جلال العظم، وشاركت مع بعض الأصدقاء في حضور جلسات محاكمته بتهم التهجم على الأديان السماوية عقب نشر كتابه “نقد الفكر الديني”، وسارعنا للاحتفال بتبرئته من هذه التهم الباطلة بقرع كؤوس الخمرة. صداقتي مع أدونيس وصادق كانت من أجمل ما حملته معي من تلك الفترة في حياتي.

عندما كنا نمشي في شارع الحمرا كنا نرى في مقاهيه أفضل وأذكى ما أنتجته المجتمعات العربية من شعراء وكتاب وفنانين. (الشاعر السوري محمد الماغوط قال مرة: في شارع الحمرا، بين المقهى والمقهى، هناك مقهى آخر). هؤلاء ساهموا بشكل كبير في تحويل لبنان إلى العاصمة الثقافية للعرب لعقود طويلة.

كنا نرى أيضا المنفيين السياسيين الذين كان يلجؤون إلى لبنان هربا من الطغيان أو بعد اكتشاف فسادهم الكبير، ليخططوا للعودة مرة أخرى إلى السلطة. بيروت كانت المدينة التي يعيش فيها المراسلون الأجانب وخاصة الغربيين الذين كانوا يغطون أخبار وتطورات منطقة الشرق الأوسط.

كنت وأصدقائي من المدمنين على مشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى الأميركية. في آخر كل أسبوع كنا نمشي من صالة شاهدنا فيها فيلم ويسترن أميركي إلى صالة أخرى لمشاهدة أفلام إيطالية وفرنسية لبازوليني وفيلليني وفرانسوا تروفو وغيرهم. صالة سينما كليمنصو كانت تخصص بين وقت وآخر أسبوعا للأفلام السوفياتية، أو اليابانية. آنذاك تعرفت على أفلام المخرج السويدي انغمار بيرغمان القاتمة بمضمونها وسحرها الأبيض والأسود. كنا نشاهد أجمل وأسخف ما كانت تنتجه هوليوود. أول مرة شاهدت فيها، مجانا، تحفة المخرج الأميركي أورسون ويلز Citizen Kane كانت خلال أسبوع للأفلام الأميركية عرضه المركز الثقافي التابع للسفارة الأميركية في بيروت. كما كنا نشاهد الأفلام الهندية المفرطة في عاطفيتها وأغانيها. وتعرفت على أبرز الأعمال السينمائية المصرية آنذاك وتحديدا أفلام المبدع يوسف شاهين.

كنت وأصدقائي ننتقل من مهرجانات فنية، إلى نشاطات سياسية، وحتى تظاهرات احتجاجية خاطفة، وكأننا نملك الكون. وكنا ننتقد الطبقة السياسية وأمراء الطوائف الفاسدين بشدة وبشكل علني ودون خوف. وأستطيع أن أقول إنني عشت حياتي في لبنان والولايات المتحدة دون أي خوف سياسي. تعلقي الشديد بالثقافة الأميركية، السينما والموسيقى (قرأت بعض الروايات الأميركية مترجمة إلى العربية) هو الذي جنبني الوقوع، كما حدث للعديدين من أفراد جيلي في فخ العداء لأميركا، بسبب معارضتنا لسياسات واشنطن تجاه القضية الفلسطينية ودعمها لأصدقائها من الحكام العرب الأوتوقراطيين.

حتى من بعيد، القليل الذي تعرفت عليه من الولايات المتحدة أقنعني بأن أميركا هي أكثر بكثير من بعض سياساتها الخارجية السلبية. شعرت بجاذبية أميركا وديناميتها الثقافية والفنية وفسيفسائها الإنساني حين كان يفصلني عنها محيط وبحر.

هذه مشاهد من بيروت صباي. في 1975 بدأ الانهيار البطيء والطويل. اقتتال أهلي عبثي، وجنوح فريق من اللبنانيين لدعم من السلاح الفلسطيني، والجيش السوري، وفريق آخر لدعم إسرائيلي، ما أدى إلى احتلالات سورية (وسيطرة فلسطينية على بيروت) وإسرائيلية دامت لعقود ودمرت الأرض والناس، وأسست لحكم ائتلاف فاسد من أمراء الحرب والعائلات الإقطاعية وطبقة جديدة من الأوليغارشية الجشعة.

طبقة مفترسة بكل معنى الكلمة. هذه الطبقة، بمعظمها قبلت بوصاية سورية قاتلة ومهينة. “الحلول” التي جلبتها مثل “اتفاق الطائف” لم تكن جدية أو عادلة أو قابلة للتنفيذ. تم نزع أسلحة الميليشيات اللبنانية، ولكن ذلك لم يؤد إلى بناء جيش وطني حقيقي.

ولكن سوريا، ومن ورائها نظام ديني متخلف في إيران فرضوا على اللبنانيين بقاء سلاح حزب طائفي اسمه “حزب الله” يدين بالولاء العلني السافر للنظام الثيوقراطي في طهران. كل الحكومات والرؤساء الذين تعاقبوا على حكم بيروت لم يستطيعوا الإفلات من خناق سوريا وإيران و”حزب الله”.

ومع مرور كل سنة كان لبنان يفقد بعضا من رونقه الكوزموبوليتاني القديم. خلال هذه الفترة بدأت بيروت تفقد مكانتها كمدينة حاضنة للمثقفين العرب، وحتى للسياح العرب والأجانب، وبدأت مدن عربية أخرى تدعي أنها ورثت بيروت كبيئة حاضنة لما كانت تحتضنه بيروت خلال أيام عزها، لمجرد أنها أقامت فروعا لجامعات أميركية فيها.

طبعا نسي هؤلاء أن الجامعة الأميركية في بيروت كانت متميزة بسبب مناهجها وأساتذتها، ولكن الجامعة ازدهرت أيضا لسبب أساسي آخر وهو أنها موجودة في بيروت الليبرالية والمنفتحة، والتي تسمح لك، ـ على الأقل في السابق ـ بتوجيه أي نقد سياسي أو فكري لكل ما يعتبره كثيرون “مقدسات” غيبية أو سياسية.

ومع مرور السنين، بدأت المواهب المحلية والخارجية بمغادرة بيروت كما حدث للإسكندرية والقاهرة وغيرها من المدن العربية. وتزامن ذلك مع زحف “حزام البؤس” الذي كان يحيط بالمدينة من اللاجئين أو الهاربين من العنف والقتال في جنوب لبنان، إلى قلب العاصمة.

وخلال هذه السنوات العجاف تم اغتيال رؤساء للجمهورية ورؤساء حكومات، واغتيال رجال فكر وكتّاب ومعلقين سياسيين وصحافيين وشخصيات سياسية وطنية. وفي 2008 وجه “حزب الله” سلاحه وسلاح زعرانه وحلفائه إلى صدور اللبنانيين. ثم أقام “حزب الله” تحالفه مع جنرال لبناني فاشل ومتهور اسمه ميشال عون كان مستعدا لبيع روحه لأي طرف يمكن أن يوصله إلى القصر الرئاسي.

بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري خلفه نجله الضعيف سعد الذي أرغمته تظاهرت شعبية على الاستقالة، بدأها شابات وشباب لبنان في الخريف الماضي وأدت بسرعة إلى تعبئة المجتمع اللبناني بكامله وراء مطالب سياسية شرعية وعادلة.

جاءت التظاهرات بعد تفاقم الانهيار الاقتصادي الذي يختبره لبنان منذ سنوات. بعد أشهر من المساومات على خلفية الانهيار الاقتصادي، جلب تحالف “حزب الله” مع ما يسمى التيار الوطني الحر (وهو ليس تيارا وليس وطنيا وليس حرا) الأكاديمي حسان دياب رئيسا لوزارة ضعيفة. وكأن مشاكل لبنان غير كافية، حين زار وباء فيروس كورونا البلد المنكوب اقتصاديا وسياسيا ليضاعف من نكبته الصحية. خلال هذه الفترة الخانقة اكتشف اللبنانيون ربما أكبر كذبة في تاريخ لبنان المعاصر: هشاشة وإفلاس القطاع المصرفي.

لا أحد يعلم كيف، أو إذا كان بإمكان لبنان عبور هذه الفترة الانتقالية دون اضطرابات كبيرة أو حتى أحداث عنف أو فوضى واسعة. اللبناني الذي تريد الطبقة السياسية والمالية ومن يقف وراءها، حرمانه حتى من سحب ودائعه المتواضعة من المصارف أو حماية تقاعده بعد سنوات من العمل الشاق، يدرك الآن أن هذه الطبقة المفترسة سوف تحلق شعر رأسه وشعر شاربه، وسوف تنهبه. هذا اللبناني هو الآن بين نارين: جائحة كورونا القاتلة، وفيروس الطبقة السياسية المفترسة.

منذ سنوات وأنا أراقب من بعيد الاحتضار الطويل لبيروت الليبرالية والكوزموبوليتانية، إغلاق أو وفاة فندق البريستول هو مؤشر رمزي لنهاية حقبة لبنانية وعربية طويلة. بيروت التي كانت تعبق بالحيوية والأمل والإبداع خلال سنوات شبابي، مقبلة ربما على مرحلة ستعبق بشوارعها روائح دخان الحرائق والبارود والدم المسفوك.