//Put this in the section //Vbout Automation

هل سقطت الـ”هيركات” فعلاً؟

لقد بات واضحاً، حتى في نظر الأشخاص الذين يؤمنون بشدة بالمعجزة اللبنانية التي تحدّت لوقت طويل جداً قوانين الجاذبية التي تحكم بلداناً أخرى، أن الأمور ليست على ما يرام على الإطلاق. فالودائع المصرفية تبدّدت فعلاً.

بمعزل عن التفاصيل التقنية، يمكن شرح المشكلة في جوهرها على نحوٍ مبسّط. وفقاً للعديد من الوزراء، يبلغ (إجمالي) احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان 22 مليار دولار فقط. وعلى الأرجح أن المصارف تملك، بحسب تقديرات متفائلة، سيولة قدرها 4 مليارات دولار على الأكثر في الخارج. المجموع هو 26 مليار دولار، وهذا الرقم هو الدولارات “الحقيقية” المتوافرة لتوزيعها. تبلغ قيمة الودائع المصرفية بالدولار (أو الأرقام المسجّلة في الحسابات المصرفية على الكمبيوتر) نحو 120 مليار دولار، وجميعها تسعى خلف موجودات مصرف لبنان الشحيحة بالدولار. إذاً الثغرة هائلة. حتى لو افترضنا تسديد جميع القروض المسحوبة بالدولار الأميركي (من دون أن يتعثّر أي قرض على الإطلاق)، شرط تسديدها بالدولار (لا بالليرة اللبنانية عند سعر الصرف الرسمي أي 1500 ل.ل.، لأن ذلك يؤدّي إلى زيادة الثغرة)، فهذا يعني أنه سيتوافر، في أفضل الأحوال، دولار واحد لكل ثلاثة دولارات من الودائع. وهذا يفترض توزيع احتياطي مصرف لبنان حتى آخر دولار، وهو أمر مستحيل بالطبع لأننا نحتاج إلى الاحتياطي لشراء الواردات الأساسية الإلزامية مثل الفيول للتغذية بالتيار الكهربائي.




تبعاً لذلك، لا مفر من الـ”هيركات” على الودائع.

سوف أتوقّف أولاً عند تعريف كلمة “هيركات”. والمقصود بها هو أي إجراء يُدفَع لك من خلاله مبلغ من المال أقل من المبلغ الذي وُعدت به. على سبيل المثال، إذا كنت قد أودعت 100000 دولار في المصرف، مع سعر فائدة 10% في السنة، تتوقّع الحصول على 110000 دولار بعد سنة من إيداع المبلغ لتفعل بها ما يحلو لك، بما في ذلك مثلاً تحويلها إلى الخارج عند توجيهك طلباً بهذا الصدد، من أجل تسديد أقساط ابنك أو ابنتك في الجامعة. إذا حصلتَ على مبلغ أقل، سواءً كان 105000 دولار أو 65000 دولار أو بالليرة عند سعر 1500 (علماً بأن سعر الصرف الآن هو 3000 ل.ل.)، أو في شكل أسهم مصرفية، أو سند صفري الكوبون، أو أي شيء آخر، فهذه كلها هي عمليات “هيركات”. وقد تطرقتُ إلى أشكال الـ”هيركات” في مقال نُشِر في كانون الثاني الماضي.

فقد اقترحتُ في مقال سابق خطة “هيركات” لحماية المودعين الصغار والمتوسطين، والتركيز حصراً على كبار المودعين (متوسط حجم الوديعة 15 مليون دولار) الذين حصلوا على فوائد خيالية. عددهم هو 6000 شخص وكان مجموع ودائعهم يصل إلى 90 مليار دولار (أكثر من 50% من قيمة مجمل الودائع). لسوء الحظ، لم يعد ذلك ممكناً لأنهم أخرجوا نحو 20 مليار دولار من ودائعهم من المنظومة المصرفية في لبنان، من خلال تحويلات إلى الخارج (عن طريق “الواسطة” القوية)، أو عبر تسديد القروض أو شراء عقارات أو شراء أسهم في شركة “سوليدير”، إلخ… في الأشهر القليلة الماضية. على سبيل المثال، اختفت ثلاثة حسابات تساوي قيمتها مجتمعة مليار دولار، في الشهرَين الأولين من العام الجاري.

في غياب قانون رسمي لتنظيم الـ”كابيتال كونترول”، لا يزال الأشخاص الذين يملكون “واسطة” قوية قادرين على تهريب أموالهم، بصورة قانونية، في حين يتلهّى معظم المودعين بتفاصيل غير مهمة. إذاً تخرج الأموال الذكية من المنظومة المصرفية من دون انتظار التوصل إلى حل ملائم.

يتمسك الناس العاديون بالحصول على أموالهم بالدولار، وهو أمر مستحيل ميتافيزيقياً. أما الأكثر حنكة بينهم فيدركون المشكلة ويضغطون من أجل الحصول في المقابل على أصول تابعة للدولة، مثل شركة “إم تي سي” أو شركة “ألفا” أو الكازينو أو شركة طيران الشرق الأوسط أو المرفأ أو المطار أو أراضٍ حكومية، إلخ.

هذا الأمر تعترضه بعض المشكلات. المشكلة الأولى قانونية. مصرف لبنان منفصل عن الحكومة، وهذا التمييز مهم، لأنه لو لم يكن كذلك لأصبحت جميع موجوداته في الخارج (مثل الذهب وشركة طيران الشرق الأوسط وأملاك “إنترا” وحتى الاحتياطي) عرضةً للحجز من حاملي سندات الأوروبوند في محاكم نيويورك، من خلال اختراق الحماية التي تؤمّنها الحصانة السيادية عبر استخدام حجة الشخصية البديلة (طريقة منمّقة للقول بأن الحكومة ومصرف لبنان هما الجهة نفسها). المشكلة الثانية هي أنه من الناحية التقنية، أقرض المودعون أموالهم للمصارف، وليس للحكومة، على الرغم من أن المصارف تورّطت في الهندسات المالية، فأعطت مصرف لبنان عملياً معظم الودائع التي أُنفِق الجزء الأكبر منها. لو أراد المودعون إقراض أموالهم للحكومة، لفعلوا ذلك مباشرة من خلال شراء سندات خزينة. المشكلة الثالثة هي أن موجودات الدولة ملك لجميع المواطنين اللبنانيين، لا للمودعين فقط. فمن خلال نقل أصول الدولة إلى المودعين، تصبح معظم موجودات الدولة مملوكة من 0.3% من المودعين، ما يولّد مجموعة جديدة من الأوليغارشيين، مثلما حدث في الاتحاد السوفياتي بعد انهيار الشيوعية، ويُفضي بصورة أساسية إلى تمديد مخطط بونزي، من خلال إهداء الأصول القيّمة الخاصة بالدولة اللبنانية إلى الأشخاص أنفسهم الذين أفادوا على نحوٍ مجحف من الاقتصاد الريعي اللبناني المعوج.

المشكلة الأخرى هي أن المودعين الذين حصلوا على فوائد خيالية سوف ينالون أسهماً أو أصولاً أكبر بكثير من أولئك الذين حصلوا على فوائد معقولة. لنأخذ على سبيل المثال شخصَين أودعا المبلغ نفسه في المصرف، الأول حصل على فائدة بنسبة 20% في حين حصل الثاني على فائدة بنسبة 5%. بعد خمس سنوات، يكون المودع الأول قد جمع مبلغاً يساوي ضعف المبلغ الذي جمعه المودع الثاني، ويحصل تالياً على أصول تبلغ قيمتها ضعف الأصول التي سينالها المودع الثاني، علماً بأنهما أودعا المبلغ نفسه في البداية.

ومن المشكلات التي تطرحها أيضاً مسألة توزيع الأراضي الحكومية أن كل قطعة أرض مختلفة وفريدة من نوعها. كيف نحدّد مَن يحصل على قطعة الأرض الباهظة الثمن التي تطل على البحر قرب الـ”زيتونة باي” ومَن يحصل على قطعة أرض في الأرياف؟ هل سيتفاوضون مع ملايين المودعين على أساس كل مودع على حدة؟ بالطبع، مَن يريدون أن يتم التعويض عليهم من خلال أراضٍ أو عقارات، يمكنهم أن يحققوا ذلك في الحال بواسطة دولاراتهم اللبنانية (Lollars) قبل حصول الـ”هيركات” بدلاً من انتظار توزيع عشوائي تقوم به الحكومة.

أخيراً، غالب الظن أن صندوق النقد الدولي سوف يصرّ على معالجة خسائر المصارف والمودعين، قبل أن يدفع أي أموال للدولة اللبنانية، مثلما فعل في قبرص.

في حين نفى مسؤولون في الحكومة اللبنانية، في تصريحات عدة (مراوِغة)، حدوث الـ”هيركات”، يحصل الاقتطاع من الودائع الآن من خلال تحويلها إلى الليرة اللبنانية، عبر طباعة نقود بالليرة وتسديد الأموال للمودعين وفقاً لسعر صرف أقل من سعر السوق، فيما تستمر القدرة الشرائية للعملة المحلية بالتراجع. لقد بدأ هذا النوع من الـ”هيركات” مع المودعين الصغار علماً بأنه يُفترَض أن يتمتعوا بالقدر الأكبر من الحماية. فعندما يحصلون على دولاراتهم بسعر 2600 ل.ل.، في حين أن سعر الصرف يتراوح حالياً من 3000 إلى 3200 ل.ل.، فهذا يعني أنه جرى اقتطاع نسبة 15 إلى 20% من ودائعهم، ويمكن أن تكون نسبة الاقتطاع أكبر كلما زاد حجم الحساب.

تتمثّل القيمة الطبيعية لليرة في سعر الصرف الذي من شأنه أن يؤدّي إلى تصفير العجز في ميزان المدفوعات. مع الـ”هيركات”، يمكن الإبقاء على هذه القيمة أعلى بقليل من القيمة الحالية. لكن إذا جرى الآن تحرير 100 مليار دولار بالليرة اللبنانية، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقَّع تسجيله العام المقبل (والذي يبلغ نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي الذي سُجِّل العام الماضي)، وحتى لو جرى تحريرها على نحوٍ تدريجي، فسوف يتدهور سعر الصرف ليسجّل أكثر من 10000 ل.ل. مقابل الدولار أو أسوأ من ذلك بكثير. وهذا يعني أن عملية الـ”هيركات” – وتحويل الودائع من الدولار إلى الليرة هو حكماً نوع من الـ”هيركات” – سوف تُموَّل عندئذٍ بواسطة أموال جميع المودعين، وتعويضات نهاية الخدمة (الضمان الاجتماعي)، ومستحقات المتعاقدين والمستشفيات، وكذلك جميع المواطنين اللبنانيين الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية.

من الجوانب الأكثر إثارة للمفاجأة في هذه المأساة أن الحكومة استخدمت شركة “لازارد” الاستشارية المتخصصة في إعادة الهيكلة، وشركة “كليري غوتليب” للاستشارات القانونية، وهذا ما فعلته أيضاً جمعية مصارف لبنان التي استعانت بالشركة الاستشارية “هوليهان لوكي”. أما المودعون فلم يستعينوا بأي جهة استشارية، علماً بأن الأموال العائدة لهم والتي هي على المحك تتخطى تلك العائدة للحكومة وجمعية المصارف مجتمعتَين! إنه أمرٌ لافت حقاً أن المودعين لم يرصّوا صفوفهم بعد لإنشاء تجمّع خاص بهم والاستعانة بخبراء لتمثيل مصالحهم.

مما لا شك فيه أن المشكلة في إنشاء مثل هذا التجمع هي أنه لعبة غالب ومغلوب. فالمكسب الذي يحققه طرفٌ معيّن هو خسارة للطرف الآخر، لأن من شأنه أن يولّد نزاعاً بين المودعين دون عتبة معينة، قد تكون 100000 دولار مثلاً، وأولئك الذين تتخطى ودائعهم هذه العتبة. فما هو السبيل إذاً لحماية مصالح المودعين من دون إلحاق الأذى بمودعين آخرين أو بباقي الفئات في البلاد على اختلافها؟

المصدر: النهار