//Put this in the section //Vbout Automation

إعادة النظر بتقديرات الخسائر تنفي الحاجة للمسّ بالودائع

موريس متى – النهار

شكلت الورقة الاقتصادية الإنقاذية التي عملت على وضعها الحكومة بالتنسيق والتشاور مع المستشار المالي “لازارد” وعدد من المستشارين، مادة دسمة للنقاش والتفاعل في الأيام الماضية. وانقسمت الآراء بين مرحب ومعارض ومن يطرح بعض التعديلات والاقتراحات، لتعود الكلمة الفصل للحكومة مجتمعة ومجلس النواب في أي خطوات سيتم اعتمادها لسلوك طريق التصحيح المالي والاقتصادي ووقف الانهيار الحاصل في البلاد.




وضع تجمع رجال الأعمال اللبنانيين الذي يمثل جزءاً أساسياً من القطاع الخاص، مجموعة ملاحظات على برنامج الدولة للإصلاح، مقدماً مقاربته حيال بعض النقاط المطروحة وطارحاً تعديلات على البعض منها، في ورقة أعدت وقدمت لرئاسة الحكومة. يعتبر التجمع أن ما قامت به الدولة اللبنانية مؤخراً لجهة وضع برنامج للإصلاح المالي، هو عمل مشكور لا يستهان به كمحاولة جديّة جديرة بالنقاش، ما حث التجمع لطرح دراسة معمقة لهذا المشروع طارحاً ملاحظاته وإقتراحاته.

المالية العامة

في ما خصّ تخفيض العجز تدريجياً للوصول الى فائض، اعتبر التجمع في دراسته أنّ من البديهي أن يتم ذلك من خلال تخفيض المصاريف وزيادة الإيرادات. ولكن على صعيد المصاريف والنفقات، يعتبر أن كل الأرقام التي طرحت هي أرقام نسبية مستندة الى Percentages & Ratios. والنسب المذكورة في الدراسة تعتمد على أرقام إفتراضية كالناتج المحلي وهو رقم غير دقيق بالنظر الى تراجع النمو وعدم إمكانية تحديده للسنوات 2020 و 2021، في حين أن الأرقام المتعلقة بمصاريف الدولة هي أرقام معروفة سلفاً ومحددة بـ24 ألف مليار ليرة سنوياً تقريباً. ولذلك، كان من الأصح أن تلحظ الدراسة تحديداً رقمياً لتخفيض هذه المصاريف والاجراءات المنوي اتخاذها لإجراء هذا التخفيض كآلية إقفال الصناديق أو آلية تخفيض عدد الأجراء والمتعاقدين، أو آلية تخفيض الإيجارات أو إلغائها في الأماكن الشاغرة أو حتى كيفية ضبط أولئك الذين لا يعملون ولا يلتزمون بالدوام، ومن هنا، ورغم النوايا الجيدة، لم نجد في الدراسة أية آليات أو أرقام حسية لتخفيض العجز.

أما على صعيد الإيرادات، فلا يختلف اثنان على وجوب تحسين إيرادات الدولة، دون فرض ضرائب جديدة في فترة الركود التضخمي STAGFLATION لأنه سيؤدي إلى زيادة في الركود ولا يحسن الجباية في شيء، ويعتبر التجمع انه لا يجب المساس بالحوافز المطبقة لشركات الـ OFF Shore و Holding في هذا الوقت، حيث المطلوب تشجيع هذه الشركات على البقاء والمحافظة عليها بدلاً من اخافتها لأنها تستطيع ببساطة الانتقال إلى بلدان أخرى. ويعتبر أن تحسين الجباية يجب أن يتم من خلال توسيع قاعدة المكلفين وضبط التهرب الضريبي ومكافحة التهريب الجمركي على الحدود والمرافئ الشرعية وغير الشرعية. ومن هنا، الدراسة لم تأتِ على ما يشير الى الآليات الضريبية التي ستعتمد لإنجاز ضبط التهرب الضرائبي والاقتصاد الرديف. وفي هذا السياق، تقترح مقاربة التجمع الاستعانة بالبلديات والأمن العام وقوى الأمن الداخلي والجمارك لتحديد ومعرفة وتوسيع دائرة المكلفين وإحصاء هذا الاقتصاد الرديف وضمه إلى دائرة المكلفين خاصة وأنهم يشكلون قوة مضاربة غير مشروعة.

أما بالنسبة لإعادة تكوين الجهاز المالي في لبنان، تقدر خطة الحكومة في (ص 19) خسائر مصرف لبنان هي بحدود 55 مليار دولار ناتجة بمعظمها عن عمليات تثبيت سعر صرف الليرة لسنوات طويلة إضافة الى تدهور سعر الأوروبوند وسندات الدين التي يملكها مصرف لبنان بحيث بلغت الخسائر المجمعة حوالي 63.6 مليار دولار، وبما ان الرأسمال الموجود في مصرف لبنان يبلغ 3.7 مليارات دولار، وبما أن الخطة تقضي بإبقاء رأسمال سلبي “Negative equity” في مصرف لبنان بقيمة 5 مليارات دولار ، فالحاجة تقارب

55 مليار دولار تقريباً لتغطية الخسائر، وقد اقترحت خطة الحكومة بحسب ما تؤكده دراسة التجمع ان يتم تحميل المصارف لمجمل هذه الخسائر تضاف الى خسائر المصارف المقدرة بـ 28 مليار دولار والتي نتجت عن تعثر عدد كبير من زبائنها إضافة الى خسائرها من جراء تدهور أسعار سندات الخزينة، بحيث تصبح قيمة الخسائر المجمعة 83 مليار دولار. وبما ان مجموع رساميل المصارف يبلغ 20.70 مليار، تكون قيمة الخسارة الواجب تغطيتها 62.40 مليار (ص20) ومن هنا تقترح خطة الحكومة أن يكون أحد الحلو هو تغطيتها من الودائع (HAIRCUT) وتعويض المودعين بأسهم في المصارف (BAIL-IN) و/أو بأسهم في صندوق (Recovery Fund) توضع فيه أصول الدولة المنتجة والأموال المنهوبة عند تحصيلها.

وهنا، وضعت دراسة تجمع رجال الأعمال بعض الملاحظات على هذا الاقتراح استناداً الى المسلمات التالية:

– المسلمة الأولى: ان الجهة التي يجب ان تتحمل الخسارة هي الجهة التي استفادت من هذه الأموال.

– المسلمة الثانية: ليس المطلوب ان يتم إطفاء مجموع الخسائر المتراكمة من اليوم الأول، انما المطلوب وضع خطة واضحة لاستيعابها خلال فترة زمنية يتم تحديدها.

– المسلمة الثالثة: فصل خسائر مصرف لبنان عن خسائر المصارف.

وفي حال القبول بهذه الملسمات، يمكن المضي في معالجة المشاكل المالية. فخسائر مصرف لبنان قد تأتت من سندات الدين التي يحملها إضافة الى التكلفة الباهظة التي تكبدها للمحافظة على سعر صرف الليرة، وسيتم تحديد القيمة النهائية لسندات الدين من خلال المفاوضات مع الدائنين وإعادة هيكلة وجدولة الدين، وتتوقع دراسة التجمع ان تقل القيمة النهائية للخسائر عن الأرقام المتداولة التي تقدر قيمة السند الواحد بأقل من 20 سنتاً أي بخسارة 80% لان هذا المنطق يفترض أن الدولة متعثرة ولن تستطيع الإيفاء، الا أن إعادة الجدولة سوف تعيد تقييم السندات وتحسن في قيمتها السوقية. أما بالنسبة للخسائر التي تكبدها مصرف لبنان في سبيل تثبيت سعر صرف الليرة تؤكد دراسة التجمع ان جميع فئات الشعب اللبناني، الفقير والغني على حدّ سواء، استفادت منها، وقد تبنت جميع الحكومات المتعاقبة مبدأ تثبيت سعر الصرف من منطلق المحافظة على السلم الاجتماعي وعلى مدخول ذوي المعاشات المحدودة والمحافظة على القيمة الشرائية لليرة. وقد زادت الطين بلة الخلافات السياسية المتتالية من تأخير في تأليف الحكومات والرئاسة الاولى والفراغات الرئاسية والمناكفات السياسية التي لم تتوقف. والأهم من ذلك، ان جميع الحكومات المتعاقبة لم تعالج المشاكل البنيوية الأساسية كما تحاشت التطرق الى الإصلاحات الإدارية الملحة مما شكل ضغطاً متواصلاً واستنزافاً لموارد الدولة وعجزاً في الموازنة تسبب بضغوط كبيرة على الليرة اللبنانية تطلبت تدخلاً مباشراً من مصرف لبنان تأميناً للسيولة وتغطية للعجز. وحين نصل الى تحديد قيمة هذه الخسائر، علينا ان لا نغفل بحسب الدراسة قيمة الأصول التي يملكها مصرف لبنان مثل الـ MEA والكازينو وشركة إنترا, الخ… والكثير من العقارات التي تبلغ قيمتها الفعلية اضعاف قيمتها الدفترية كونه سبق وان سجلت بحسب ما يسمى “السعر التاريخي” لها في وقت استملاكها Book Value، ويمكن إعادة تقييمها بحسب الأسعار الحالية المتداولة. فزيادة القيمة المضافة بعد إعادة التقييم الى رأسمال مصرف لبنان سيساهم في استيعاب الخسارة المقدرة بأقل من 55 مليار دولار، على ان تتم إعادة تكوين رأسمال المصرف المركزي تدريجياً، خلال السنوات القادمة، من خلال المردود الاستثماري للصندوق المنوي إنشاؤه (Recovery Fund) آخذين بالاعتبار ان على هذا الصندوق ان يفي استحقاقات الدين العام الذي تكون قد اعيدت جدولته.

وفي ما يختص بالمصارف، ذكرت الدراسة خسارة مرتقبة بقيمة 28 مليار دولار ناتجة عن تدهور سعر سندات الدين من جهة وخسارة مرتقبة في محفظة الزبائن المتعثرين ”NPL“ حيث يتم تحديد هذه الخسارة بعد القيام بإعادة هيكلة وجدولة الدين ودراسة الضمانات العينية المعطاة من الزبائن المتعثرين لتحديد الخسارة الفعلية النهائية. وتذكر المقاربة التي يقدمها تجمع رجال الأعمال بما تمتلكه المصارف من عقارات استملكتها من زبائنها عبر الوقت إيفاء بالعوض Dation وتم تسجيلها بحسب “قيمتها التاريخية” في وقت ان قيمتها الفعلية تبلغ اضعاف قيمتها الدفترية ومن الضروري إعادة تقييمها وزيادة قيمتها المضافة الى رأسمال المصارف. وقد فرض قانون النقد والتسليف على المصارف ان تقوم بتسييل العقارات المستملكة خلال فترة سنتين من تاريخ استملاكها علماً أن المصارف في معظم الحالات كونت مؤونة بنسبة 100% على هذه العقارات تطبيقاً لقانون النقد والتسليف. إذاً، بحسب دراسة التجمع، لن تتخطى الخسارة 10 مليارات دولار يمكن للمصارف استيعابها من رساميلها الخاصة على أن يتم وضع خطة لإعادة تكوينها بخلال فترة محددة من ضمن منهجية يتم الاتفاق عليها لتستعيد ملاءتها المقبولة عالمياً. ومن هنا لا ضرورة إطلاقا للمس بأموال المودعين ووضع مستقبل لبنان في خطر، خاصة وأن معظم هؤلاء المودعين ينتمون الى مغتربين اجتهدوا كل عمرهم في مشارق الأرض ومغاربها لتكوين ثرواتهم التي لا يجوز المساس بها لا دستورياً ولا إنسانياً. كما أن هنالك جزء من هذه الودائع أصحابها من السوريين والعرب الذين وثقوا بالنظام المصرفي وأمّنوا له خاصة أن هؤلاء المودعين نعول عليهم في خطة إعادة النهوض، لذلك لا يجب المساس بودائعهم وهزّ الثقة بالمصارف وتخويفهم، وإلا فقدنا أية إمكانية مستقبلية لاستقطابهم وجذب الاستثمارات، معرضين بذلك مستقبل أولادنا للخطر والمجهول.

في هذا السياق، يؤكد رئيس تجمع رجال الأعمال اللبنانين فؤاد رحمة لـ”النهار” أن  الدولة هي المسؤولة المباشرة عن هذه الخسارة وعليها بالتالي تحمل مسؤولية تسديدها، وحالياً يتم إلهاء المواطنين بالهير كات وغيره بعيدا عن المطلب الأساسي وهو الغصلاح، فالخسارة وقعت وبالفعل تحققت وتصفير العدادات المالية لا يأتي بالسيولة للبنان ولا يحل المشكلة. فأساس المشكلة والخسائر هو غياب الإصلاحات منذ سنوات.

وتشير خطة الحكومة الى حاجة تمويلية فورية تتراوح بين 10 مليارات و15 مليار دولار وضرورة لضخ أموال جديدة تساهم في إعادة دوران العجلة الاقتصادية، واحد الخيارات المطروحة هو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي والرضوخ لشروطه التي تشكل موضوع جدل في الأوساط المالية. ومن هنا المطلوب بحسب رحمة هو وقف المزيد من الخسائر من خلال المباشرة بالإصلاحات المطلوبة والتي أصبحت معلومة من الجميع والعديد منها طرح في الجزء الاول من خطة الحكومة خاصة ما يتعلق بالكهرباء والتهريب والحدود والجمارك والقطاع العام، على ان يتم إقناع صندوق النقد الدولي بالخطة الإصلاحية، والمؤسسة الدولية عليها التأكد من ان الدولة اللبنانية جدية بالخطوات الإصلاحية أو ستبقى وعوداً شبيهة بما قامت به الدولة منذ سنوات. ويقول رحمة: “علينا اللجوء الى مساعدة صندوق النقد الدولي والمفاوضة على شروطه في ظل خطة متكاملة نعرض فيها خياراتنا وإمكانياتنا وموجوداتنا التي نحن على استعداد لإعادة تقييمها وتسييلها وخاصة الإصلاحات التي ننوي وضعها حيز التنفيذ، مع العلم أن اللجوء إلى صندوق النقد يشكل ضرورة لإعادة الثقة الى الدائنين والمستثمرين الجدد الذين نحن بحاجة ماسة اليهم والذين سوف ينظرون الى إشراف صندوق النقد الدولي ورقابته كضمانة لحسن سير الامور. فلبنان ليس معدوماً لكنه منهوب ويعاني سوء الإدارة ويستطيع النهوض من كبوته إذا صفت النيات وتمت إدارته بشكل سليم”.

وتذكر دراسة تجمع رجال الأعمال باحتياطات لبنان من الذهب وتقارب قيمتها 15 مليار دولار ويمكن الاستعانة بها للاستحصال على قروض جديدة شرط استعمالها بطريقة ذكية لخلق الحوافز اللازمة للنمو الاقتصادي، كل ذلك يكون من ضمن خطة إصلاحية شاملة وجدية مترافقة مع حوافز ضريبية، لتشجيع المستثمرين الجدد وتوسيع الجباية والحد من التهرب الجمركي، إضافة الى التأكد من استقلالية القضاء الذي يشكل حجر الأساس في العملية الإصلاحية, وتحسين أدوات الرقابة على أنواعها وضبط الهدر وتسكير الصناديق التي لا لزوم لها بحيث يمكن حينها الوصول الى فائض بدلاً من العجز الحالي في الموازنة.

وينهي تجمع رجال الاعمال مقاربته لخطة الحكومة بالتأكيد على أن موضوع لبنان ليس تقنياً بحت لكنه سياسي بامتياز، وعلى السياسيين التوقف الفوري عن الحسابات السياسية الضيقة والمهاترات والنكايات، فكفى شعبوية وحان الوقت لكي يكون الجميع على مستوى المسؤولية لبناء هذا البلد.