//Put this in the section //Vbout Automation

وصمة عار تلاحق المصابين بكورونا في المجتمعات العربية

نظرت امرأة مُسنّة، ترتدي عباءة سوداء طويلة، من فتحة بوابة منزلها الذي يقع في مدينة الصدر وهي حي فقير مترامي الأطراف في شرق بغداد، لمعرفة مَن يطرق الباب.

بعدها، أغلقت البوابة سريعا لأنَّها شاهدت أكثر من 40 شخصا، يرتدون أثوابا طبية وأقنعة وجه أو بدلات وقائية كاملة، ترافقهم كاميرتان أو ثلاث كاميرات تلفزيونية وضباط من الشرطة المجتمعية، بالإضافة إلى شباب ينتمون إلى ميليشيا رجل الدين العراقي مقتدى الصدر وعدد قليل من الشيوخ المحليين.




طرق الدكتور باسم عبود، المسؤول عن الإشراف على المنطقة في وزارة الصحة، باب منزل تلك المرأة المُسنّة مرارا وتكرارا دون جدوى.

ويقول الطبيب وسام كونا، الذي يتعاون مع إدارة الصحّة الإقليمية بمدينة النجف الواقعة جنوب العراق “إنه أمر حساس للغاية”. ويقضي وسام حاليا أيّامه في فحص العائلات التي عادت مؤخّرا من إيران، وفق صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

بالنسبة للعراق وبعض الدول العربية فإن إحدى أكبر العقبات التي تواجه مسؤولي الصحّة العامة الذين يحاربون فايروس كورونا تتمثّل في الوصمة المرتبطة بالمرض والعزل. إنه لأمر عميق أن يتجنّب الناس الخضوع للفحوص، ويمنعون أفراد العائلة الذين يريدون الفحص من إتمام ذاك الإجراء، ويؤخّرون طلب المساعدة الطبّية إلى أن يصير المرضى في حالة كارثية.

معتقدات ثقافية

والوصمة المرتبطة بالمرض والحجر الصحي في العراق وبعض بلدان الشرق الأوسط الأخرى تعكس إلى حد كبير معتقدات ثقافية واجتماعية، ولكنّها أيضا تنطوي على عدم ثقة متأصّلة في الحكومة، وخبرة على مرّ التاريخ، وخوف من  الذهاب إلى المستشفى، بالنظر إلى أن تردّي منظومة الرعاية الصحّية في العراق قد يكون أمرا مميتا.

وبحسب ويكيبيديا، تعرّف الوصمة بأنها الرفض الاجتماعي الشديد لشخص أو مجموعة من الناس وذلك لأسباب اجتماعية مميزة مقبولة عند الغالبية، بحيث أن فاعل الأمر المسبب للوصمة يكون موسوما بها ومميزا عن باقي أفراد المجتمع.

وعانت العديد من البلدان العربية من انتشار ظاهرة التنمر بمصابي فايروس كورونا، وتكررت مشاهد رفض الأهالي لدفن جثث المتوفين بالوباء، خوفا على حياتهم.

وفي لبنان تنتشر عبارة “هذا الشخص مكورن”. وحاول أحد المرضى في مستشفى الحريري الهروب نتيجة الضغط النفسي الذي يتعرّض له، ومنذ أيام توجه أحد المصابين بكورونا برسالة مؤثّرة يكشف فيها حجم الألم النفسي الذي اختبره “ما تعرّضنا له مؤلم”، ويطلب فيها أن “نرحم المصاب”.

وتقول أم أحد المصابين “المرض ليس جريمة وليس عيبا حتى نخجل من الإفصاحَ عنه، العيب أن نكون جزءا فاعلا ومشاركا في تحويل كورونا إلى وصمة عار أو ذنب”.

وفي الأردن، يتجه بعض الناس إلى وصم مريض كورونا، بداية ممن سمي “بعرس إربد”، حين حمّل الناس المسؤولية للعريس المصاب، وبعد ذلك طبيب الرمثا الذي انهالت عليه الاتهامات والسباب، وتضخّم الوضع مع مريض “ضاحية الرشيد”، الذي ضجت شبكات التواصل الاجتماعي بكيل الاتهامات والسباب له، وتحميله المسؤولية والسخط عليه، ومع بداية ظهور الفايروس في الأردن، كان هناك العديد من الحملات التوعوية والدعم النفسي أثناء الحجر الصحي، إلا أنه لم يلتفت أحد لتطوير الوعي بعدم وصم مريض كورونا أو “معايرته” أو تحميله سبب عدوى غيره.

وأعلنت الحكومة الأردنية على لسان وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة، وعلى خلفية اكتشاف إصابات لم يعلن عنها أصحابها، أعلنت أنها ستنفذ أحكام القانون الذي يعاقب كل من يتستر على إصابته بمرض معد أو فايروس قاتل.

وفي السودان نفت أسرة مريض توفي بفايروس كورونا تصريحات وزارة الصحة الاتحادية باعتباره أول حالة وفاة بالمرض في السودان، ونفت أن يكون ابنها قد توفي بالوباء، وأكدت أنه توفي جراء النوبة القلبية. وشككت في نتائج الفحص التي اعتمدت عليها الوزارة وقررت بموجبها وفاة المرحوم بالكورونا. وقالت الأسرة إن الفحوصات التي أجراها المرحوم في أكثر من معمل بالخرطوم وخارج السودان أكدت أنه غير مصاب بالكورونا.

مواجهة حكومية

وتحاول الأنظمة الحكومية مواجهة ظاهرة التنمر ضد مصابي كورونا بشدة. وبحسب المراقبين، يعد التنمر جريمة يعاقب عليها القانون، وتستدعي انتفاضة مجتمعية وتشرعية لتوعية المواطنين، وكذلك معاقبتهم حال احتاج الوضع لذلك.

ويقول الدكتور محسن عزام، عضو مجلس نقابة الأطباء في مصر، إن “حالة الرعب التي انتابت المواطنين من انتشار فايروس كورونا دفعتهم لبعض السلوكيات غير السوية، والتي ظهرت على هيئة حالات تنمر، تعرضت لها طبيبة مصرية رفض الأهالي دفنها، وأيضا والد طبيب آخر”.

وتعيد تصرفات البعض إلى الذاكرة “وصمة العار” التي ارتبطت لعقود بمرضى “الإيدز” فقط لأن واحدة من طرق انتشاره “هي العلاقة الجنسية” التي تعتبر أحد التابوهات في المجتمعات العربية، لكن وبعيدا هنا عن الجدلية التي رافقت مرض “الإيدز”، يضع فايروس كورونا الجميع دون أي استثناء أمام احتمالات مفتوحة للإصابة به.. وهذا يعني أن من يصف الآخر بالعار اليوم لإصابته بكورونا قد يصبح غدا هو نفسه مصابا فقط لأنه ولسوء حظه قد لمس شيئا ملوثا دون قصد!

ويقول الكثير من الأطباء العراقيين إن النفور من الحجر الصحّي والتردد في حجز المرضى به قد يساعد في تفسير الضآلة النسبية لعدد حالات الإصابة المؤكّدة.

واعترف الطبيب حازم الجميلي، نائب وزير الصحّة “إنه لأمر صحيح أن لدينا حالات مختبئة، وذلك لأن الناس لا يريدون الكشف عن إصاباتهم، ويخافون من الحجر الصحّي ومن العزل”.

وأظهر مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع مؤخّرا أن النساء المريضات في الحجر الصحي بأحد مستشفيات البصرة يستلقين إلى جوار بعضهن البعض دون أقنعة، ويَسعلن، ويستغثن بعدما ماتت إحداهنّ.

ويقول الطبيب عماد عبدالرزّاق، استشاري الصحة النفسية لدى وزارة الصحّة بالعراق، إن “البعض يعتقدون أن الفايروس هو غضب من الله، أو ربما يكون عقابا على ذنب اقترفوه، لذا لا يريدون أن يراهم الآخرون مَرضى”. وأضاف “بالنسبة للكثيرين، من العار للأنثى أن تقول إنها تعاني هذا المرض أو أي مرض آخر، حتّى وإن كان السرطان أو مرضا عقليا، وتفتقر المنظومة الصحية في البلاد إلى ثقة الكثيرين”.

وعلى النقيض من العديد من الدول الغربية؛ التي اعترف فيها مشاهير بإصابتهم بالمرض، وحتّى إيران المجاورة التي أعلن ساسة بارزون فيها أنهم أصيبوا بفايروس كورونا المستجد، لم يعترف بالعدوى بين الساسة والبارزين سوى حالة واحدة فحسب.

وترى شيرين حمدي، أستاذة علم الإنسان في جامعة كاليفورنيا بمدينة إرفاين، التي عملت على نطاق واسع في مجتمعات الشرق الأوسط، أن بعض المخاوف المحيطة بالمرض نابعة من الطقوس التي يتبعها الناس في حالات الوفاة. وأضافت “إنك لن تودّ أن تُرغم على الحجز الصحي، ولن تودّ أن تُرغم على دخول المستشفى لأن تلك الروابط الاجتماعية والأسرية قويّة للغاية، إنك ترغب في الموت بين أسرتك”. وتابعت “إن أسوأ شيء في العالم ليس هو الموت، بل أن تموت بعيدا عن أسرتك ومجتمعك، وألّا يكون لك سلطان على ما يُفعل بجثمانك بعد الموت”.

ويُمثّل فرض الحجر الصحي على المصابين إهانة مضاعفة في العديد من المجتمعات. أولا، يضمن فرض الحجر الصحي على الشخص المصاب أنَّ كل شخص في الجوار سيعرف بشأن مرضه. ثانيا، إذا كان المصاب ذكرا بالغا فهذا يعني أنَّه لم يعد قادرا على حماية زوجته أو أطفاله، أو أشقائه الأصغر سنا في حال كان الأخ الأكبر، ومن ثمَّ لا يستطيع أداء دوره المنوط به في العائلة.

وتمنع العائلات الأكثر تقليدية في بعض الأحيان أقاربها الإناث من إجراء اختبار فايروس كورونا، خوفا من أنَّه في حال ظهرت نتائجهن إيجابية سَيُنقلن إلى حجر صحى بعيدا عن عائلاتهن، وقد يتعرضن لخطر التحرش الجنسي.

وفي هذا الصدد، قالت الطبيبة منى الخفاجي، أخصائية الأشعة في أحد المراكز الخاصة ببغداد “ليس من المقبول ابتعاد الأنثى عن أسرتها في هذا المجتمع”.

وذكرت الخفاجي حالة مريضة تبلغ من العمر 32 عاما مصابة بالتليف، مما يزيد من خطر تعرضها لمضاعفات خطيرة جراء كورونا. عندما أصبحت تلك المرأة تعاني من صعوبة في التنفس، أوصتها الطبيبة بإجراء اختبار فايروس كورونا، لكن والدها وإخوانها رفضوا ذلك، وأصروا على رأيهم حتى عندما ساءت حالتها.

وتداول عراقيون على نطاق واسع مقطع فيديو يظهر رجلا يحمل سلاحا. وهدد الرجل بإطلاق النار على مسعفين حاولوا أخذ امرأة مصابة من منزله.

الوصم الاجتماعي

وفي محاولة للتغلّب على وصمة العار المحيطة بالفايروس وتحديد حجم نطاق الوباء بدقة، لجأت وزارة الصحة العراقية في الآونة الأخيرة إلى إجراء اختبارات عشوائية. ومع ذلك، أسفر هذا النهج عن مجموعة جديدة من المشكلات.

أولا، قد يتعرض بعض الأشخاص الأصحاء للوصم الاجتماعي كذبا. ولتفادي تلك المشكلة، كلّفت الحكومة العراقية أفرادا من الأمن الوطني المسلحين بمرافقة العاملين الصحيين، لكن وجود قوات أمنية يُعتبر أمرا مقلقا للغاية، بالنظر إلى الماضي العنيف الذي عاشه العراق. وهذا الأمر جعل بعض الناس يختبئون داخل منازلهم.

وقال الدكتور محمد وهيب، أخصائي أمراض الجهاز التنفسي في مؤسسة “مدينة الطب” في بغداد “العمل صعب للغاية في هذه الثقافة لأنَّ كل ما نقوم به يثير مشكلة. فإذا أرسلنا سيارة إسعاف لنقل المريض، يشعر الناس حينها بالاستياء لأنَّ الجيران سيرونها”. وأضاف “يحدث نفس الشيء أو أسوأ إذا أرسلنا أفرادا من الأمن القومي. إذ يشعر الناس بالخوف والرهبة”.

وتقول وزارة الصحة إنَّ الاستعانة بأفراد الأمن هو السبيل الوحيد للتغلب على صعوبات إقناع الناس بالذهاب إلى الحجر الصحي. ومع ذلك، يرى الأطباء أنَّه لا داعي للقلق من مشاركة أفراد الأمن، على الأقل عندما تكون مهمة الفرق الصحية مقتصرة على جمع العينات فقط.

وفي مصر أطلقت وزارتا الصحة والسكان والتضامن الاجتماعي حملات توعية لتغير نظرة المجتمع حيال مرضى كورونا، خاصة بعدما ظهرت العديد من النتائج البحثية التي تؤكد أن من أسباب التأخر في الإبلاغ عن الإصابة هو الخوف من نظرة المجتمع.

وحث مايكل ريان المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية هنا على عدم ربط أي وصمة عار بفايروس كورونا الجديد.

وقال ريان في إحاطة فنية حول فايروس كورونا بمقر منظمة الصحة العالمية “تقع على عاتقنا مسؤولية التأكد من عدم ربط أي وصمة بهذا المرض. فهذه الوصمة لا لزوم لها وغير مفيدة”.وأضاف أن تنميط البشر “غير مقبول بشكل مطلق وكامل ويجب أن يتوقف”. وأكد ريان أن الحكومات تتحمل مسؤولية تثقيف شعوبها بشأن أفعال التمييز، لافتا إلى أن “هذه مسؤولية مهمة للغاية، ومسألة نحن بحاجة إلى التعامل معها”.

وخلال نفس الحدث، أعربت ماريا فان كيركوف الرئيس الفني لبرنامج الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية عن قلق مماثل.

وقالت فان كيركوف إن منظمة الصحة العالمية قدمت اسما مؤقتا للمرض، مطلقة عليه اسم “مرض الجهاز التنفسي الحاد الناتج عن فايروس كورونا الجديد – 2019”. وأضافت “رأينا أنه من المهم للغاية أن نقدم اسما مؤقتا، حتى لا يرتبط أي موقع بالاسم”، مضيفة “نريد التأكد من عدم وجود وصمة عار مرتبطة بهذا الفايروس”.

وقد ذكرت منظمة الصحة العالمية أن الاسم النهائي للمرض سيقدمه التصنيف الدولي للأمراض، حيث سيُتخذ القرار النهائي من قبل اللجنة الدولية لتصنيف الفايروسات.

العرب