//Put this in the section //Vbout Automation

حزب الله يزعزع المنظومة المالية لاستكمال السيطرة على لبنان

تحذر دوائر سياسية من أن مسار تفكيك الدولة اللبنانية وإعادة تركيبها بما يخدم المشروع الإيراني يسير على قدم وساق، في الوقت الذي تبدي فيه القوى “السيادية” اللبنانية حالة من الاستسلام نتيجة تشتتها وانشغال بعضها بأزماتها الداخلية.

وتشير الدوائر إلى أن حزب الله لم ينجح فقط في امتصاص الحراك الشعبي الذي اندلع في 17 أكتوبر الماضي ضد سياسات الطبقة الحاكمة والتي يعد الحزب أحد أقطابها، بل حول الحراك إلى فرصة لاستكمال بسط نفوذه على ما تبقى من المؤسسات الدستورية، من خلال فرض رئيس وزراء (سني) من الموالين له ولشركائه في الحكم والذي ذهب الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إلى حد اعتباره “مجرد موظف عند أحد الضباط السابقين وعند جبران باسيل (رئيس التيار الوطني الحر حليف حزب الله)”.




وتقول الدوائر إن الحزب بتواطؤ من قوى سياسية انتقل اليوم إلى المرحلة الثانية في مسار تفكيك الدولة وإعادة صياغة هويتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية من خلال محاولة شل العمود الفقري الذي تستند إليه (الدولة)، أي النظام المصرفي، بعد أن نجح في تحييد الجيش اللبناني، وحتى خصومه السياسيين.

وبدأ حزب الله العمل على ضرب المنظومة المصرفية منذ فترة من خلال شن حملات إعلامية ممنهجة، وتحريض الشارع، وقد انتقل اليوم إلى مستوى جديد في سياق حربه المفتوحة عليها.

ولطالما شكلت المصارف عقدة بالنسبة إلى حزب الله ليس فقط لجهة فشل ضغوطه عليها بالتمرد وعدم الاستجابة للعقوبات الأميركية المفروضة عليه وعلى الموالين له، لاسيما بعد ما واجهه مصرف “جمال تراست بنك” في سبتمبر الماضي من عقوبات أجبرته على التصفية الذاتية، بل وأيضا لقناعة الحزب بأن هدم النظام المصرفي سيشرع له الباب أمام تغيير كامل المنظومة اللبنانية وتركيبتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفق تصور شمولي ينهل من النموذج الإيراني.

وتلفت الدوائر إلى أن المصارف نفسها سهلت على الحزب عملية استهدافها من خلال بعض القرارات التي اتخذتها خاصة خلال الحراك الشعبي، من خلال احتجاز أموال المودعين لاسيما الصغار منهم، والتضييق على المعاملات المصرفية.

ولئن كان لتلك الخطوات ما يبررها نتيجة تأزم الوضع المالي، فإن ذلك لم يمنع حزب الله من الاستثمار فيها لتوجيه نقمة الشارع إلى المصارف، بما يمهد للانقضاض على النظام المالي، عبر حكومة حسان دياب، التي سربت مؤخرا مسودة خطة اقتصادية تضمنت ألغاما عدة، من بينها هيكلة النظام المصرفي، غاضّة الطرف في خطتها عن مواطن الفساد والهدر الحقيقيين.

ويقول خبراء إن حزب الله يسعى جاهدا لاستبدال دور النظام المالي الحالي بما يطلق عليه الاقتصاد النقدي، وهذا سيمكنه من أن يكون المتحكم الرئيسي في الدورة الاقتصادية، ويلفت الخبراء إلى إحداث شلل على مستوى المنظومة المصرفية سيؤدي بالضرورة إلى تعطيل العمليات التجارية التقليدية، وهذا سيفتح الباب أمام الحزب الذي يسيطر اليوم على المرافق الجوية والحدود البرية الشرعية وغير الشرعية لإدخال السلع والتسويق لها في الداخل للاستفادة من أرباحها.

كما ستمكن هذه الاستراتيجية حزب الله من تأمين الأسواق للمنتوجات الإيرانية والسورية، وللشركات التي تعد جزءا من منظومته المالية، وبهذا يضرب عصفورين بحجر واحد، أي التخلص من تأثيرات العقوبات الأميركية التي بدأت تخنقه وأيضا جعل كل لبنان يدور في فلك المحور الإيراني السوري باعتباره سيصبح مرتبطا به اقتصاديا.

وعن الخطة الاقتصادية التي تسوق لها حكومة حزب الله قال الوزير اللبناني السابق آلان حكيم في تغريدة الخميس عبر حسابه على تويتر “غياب ذكر الإصلاحات المتعلقة بالتهرب الضريبي والجمركي والاقتصاد الرديف في الخطة الاقتصادية الإصلاحية المطروحة من قبل الحكومة من جهة، والمنهجية المتبعة لإخراج لبنان من الشرعية الدولية عبر تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد نقدي من جهة أخرى، يطرح أسئلة عديدة”.

وأقرّ حكيم بوجود “مؤامرة وانقلاب على الدستور، وتناغم واضح في هذا المخطط الذي يعزز الفساد والأعمال غير الشرعية ويضرب القوانين والنظام الاقتصادي في لبنان”.

وكان الزعيم الدرزي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي قد أطلق في وقت سابق صيحة فزع حيال ما يدبر للبنان قائلا إنهم “يريدون السيطرة على المصرف المركزي والمصارف ويتهمون الآخرين بالأموال المنهوبة، متناسين أنهم جاءوا إلى البلد منذ العام 2005 وبدأوا يمارسون دورهم في السلطة، ويوجهون الاتهام إلى فريقنا. وإذا كنا نحن في الحكومة منذ 30 سنة، فهناك 15 سنة كانوا خلالها شركاء في المجلس النيابي والحكومة، فماذا عنها؟ استلموا على سبيل المثال ملف الكهرباء ووزارة الطاقة وما زلنا حتى اليوم نعاني من عدم معالجته، فنصف الدين تقريباً من الكهرباء”.

وبدا أن جنبلاط يحاول استنهاض همم القوى السياسية الصديقة لإعادة ترتيب صفوفهم والتحرك حيث أن ما يجري اليوم تفوق خطورته حتى ذلك الذي جرى في العام 2005 حينما تم اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، فمن يتعرض اليوم للتصفية هو لبنان وهويته.

وكان اغتيال الحريري قد وحد جميع اللبنانيين ضد الوجود السوري المتهم بالوقوف خلفه وقد اضطرت دمشق إلى الانسحاب من لبنان في ذلك العام، بعد أن جوبهت بمقاومة سياسية وشعبية شديدة قادها تحالف 14 آذار، الذي نجح اليوم حزب الله في بث الشقاق فيه وما سهل عليه ذلك هو الحسابات الخاطئة لبعض أقطابه التي استدرجها الحزب لفخه من خلال القبول بتسوية سياسية في العام 2017 أوصلت حليف حزب الله ميشال عون إلى سدة رئاسة الجمهورية.

واستتبعت هذا الخطأ الاستراتيجي جملة من التنازلات لعل أبرزها الموافقة على قانون انتخابي أتاح للحزب وحلفائه الحصول على أغلبية برلمانية للمرة الأولى، وبالتالي تعزيز تموقعهم الحكومي إلى أن انتهى الوضع بتشكيل حكومة اللون الواحد، بعد أن قررت القوى ذاتها الانسحاب من المشهد على وقع حراك 17 أكتوبر.

ويقول دبلوماسيون إن خيار الانسحاب لتلك القوى التي شكلت في إحدى الفترات خط الدفاع الأول عن سيادة لبنان، يمكن اعتباره خطأ آخر لا يقل جسامة حيث أن ذلك فسح المجال أمام حزب الله لوضع يده على كامل لبنان وتنفيذ خطط تفكيكه وإعادة تركيبه بما يتوافق مع مشروع راعيته إيران.

وإلى الآن لا تجد القوى المنسحبة من المشهد، وفي مقدمتها تيار المستقبل، سبيل العودة مجددا وإعادة تشكيل جبهة قوية قادرة على التصدي لخطط الحزب، وهو مطلب بات ملحا، وإلا فإن “الترحم على لبنان الذي نعرفه سيكون قريبا” على حد تعبير أحد السياسيين.

العرب