//Put this in the section //Vbout Automation

تواجه أسوأ كابوس.. كيف تتصدى اقتصادات دول الخليج لأزماتها بسبب كورونا والنفط؟

تواجه دول الخليج العربي أسوأ كوابيسها الاقتصادية بسبب أزمة تفشي كورونا العالمية وانهيار أسعار النفط لأدنى مستوياته منذ عقود، ومثل الحكومات الأخرى في مختلف أنحاء العالم، أغلقت دول الخليج قطاعات كبيرة من اقتصادها في محاولة حاسمة لاحتواء انتشار فيروس كورونا، إذ دفعت الأزمة الكثير من الشركات في دول الخليج إلى الإغلاق، أو اتخاذ قرارات صعبة خشية انهيارها، فيما بدأت الحكومات الخليجية باتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ القطاعات من النزيف المستمر.

وجاء تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر الأربعاء 15 أبريل/نيسان، وتوقع انكماشاً اقتصادياً عالمياً هذا العام، بتوقعات قاسية بالنسبة للخليج العربي، إذ توقع الصندوق أن تلك الدول التي تعتمد موازناتها بقوة على صادرات النفط، ستعاني ضغطاً إضافياً نتيجة انهيار أسعار الخام، الناجم عن تراجع الطلب على النفط، رغم اتفاق تخفيض الإنتاج الذي توصلت إليه منظمة أوبك وروسيا والولايات المتحدة، الأحد 12 أبريل/نيسان، بسبب تأثير الجائحة التي هوت بالطلب على النفط.




صندوق النقد: دول الخليج ستعاني كثيراً

جاءت توقعات الصندوق أكثر تشاؤماً فيما يخص اقتصاديات دول الخليج العربي، وذلك بسبب تأثيرات انهيار الأسعار، التي لا يبدو أن اتفاق التخفيض الأخير سيؤثر على ارتفاعها قريباً، وهي كالآتي:

السعودية: بالنسبة لأكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم وهي السعودية، توقَّع تقرير الصندوق أن ينكمش اقتصادها بنسبة 2.3% في العام الجاري، من نمو 0.3% في 2019، بحسب الصندوق الذي كان يتوقع نمواً بنسبة 2.2% للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي هذا العام، قبل أن تغير الجائحة جميع توقعات النمو.

وبشأن القطاع الاقتصادي غير النفطي في السعودية، توقع التقرير انكماشاً بنسبة 4% في العام الجاري، وهو ما يعني مزيداً من الضغوط، في وقت كان ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، يسعى للتخفيف من اعتماد اقتصاد المملكة على صادرات النفط وتنويع موارد البلاد، في إطار رؤية 2030 التي تبناها، لكنها تبدو الآن حلماً بعيد المنال إلى حد كبير.

الإمارات: أما فيما يتعلق بالإمارات فقد توقَّع تقرير الصندوق انكماشاً بنحو 3.5%، بفعل تداعيات الوباء وإجراءات الوقاية والإغلاق الاقتصادي؛ فإلى جانب انهيار أسعار النفط التي تمثل مصدراً رئيسياً للدخل، جاء أيضاً تأجيل معرض إكسبو 2020 في دبي، الذي كان يمثل فرصة كبيرة لدفع النمو الاقتصادي للعام الجاري، ليشكِّل ضربة إضافية بعد الوباء وأسعار النفط.

الكويت: أما بالنسبة للكويت فقد جاءت توقعات صندوق النقد أقل تشاؤماً، حيث من المتوقع أن يكون الانكماش الاقتصادي بنسبة 1.1% فقط، بفعل قدرة الإمارة الخليجية على تحمُّل تداعيات الجائحة بصورة أكبر من السعودية والإمارات، من ناحية الاحتياطات النقدية لديها.

قطر: في حين توقَّع التقرير انكماش الاقتصاد القطري بنسبة 4.3%، متأثراً بالأضرار الناجمة عن انتشار فيروس كورونا، على أن يتعافى العام المقبل وينمو بنسبة 5%. وتوقع الصندوق أن ينكمش الحساب الجاري لقطر العام الجاري بنسبة 1.9%، وبنسبة 1.8% في عام 2021.

عُمان والبحرين: بالنسبة لعُمان توقع التقرير انكماش الاقتصاد العماني بنسبة 2.8% في العام الجاري، مقارنة بنمو 0.7% العام الماضي، وذلك بسبب تداعيات كورونا وانهيار أسعار النفط، وجاءت توقعات الانكماش بالنسبة للبحرين بنسبة 1.5%.

ما الحلول التي تلجأ لها دول الخليج لمواجهة هذه الأزمة؟

تسارع دول الخليج إلى الإعلان عن تدابير تحفيز ضخمة في محاولة لإنقاذ الأسواق، وبعد أن كشفت السعودية في نهاية مارس الماضي عن تدابير بقيمة 32 مليار دولار لمساعدة الشركات، قال محمد الجدعان، وزير المالية في المملكة، إن البلاد مستعدة لمضاعفة مستويات الديون، وأكد أن المتعاقدين سيحصلون على أموالهم.

بالنسبة للسعودية، أكبر مصدر نفطي في العالم، تسعى المملكة لإعادة تزويد خزائنها بالمال عبر القروض الكبيرة وبشكل غير مسبوق، إذ بدأت الأربعاء 15 نيسان/أبريل بتسويق سندات دين دولارية على ثلاث شرائح بفائدة أعلى كثيراً من مستويات الفائدة على السندات الأمريكية التي تستثمر فيها المملكة نحو 182.9 مليار دولار حتى نهاية يناير/كانون الثاني الماضي.

ووفق وثيقة نشرتها وكالة رويترز، فإن السندات السعودية جاءت لأجل خمس سنوات ونصف، بفائدة 3.15٪ فوق الفائدة المحددة على سندات الخزانة الأمريكية، وسندات لأجل 10 سنوات ونصف عند نحو 3.25٪ وسندات لأجل 40 عاماً عند نحو 5.15٪.

كانت السعودية قد أعلنت أنها ستخفض إنفاق الميزانية بنسبة 5% بسبب أزمتي كورونا والنفط/ رويترز

وفي مارس/آذار الماضي، حدد بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات عند 0.758٪ وفائدة 30 عاماً عند 1.4٪. والسندات لأجل 40 عاماً التي طرحتها السعودية، هي الأطول أجلاً بالدولار لمقترض خليجي على الإطلاق. وتتصاعد نسبة الدين من الناتج المحلي في المملكة بمستويات قياسية منذ عام 2015، لتبلغ بنهاية العام الماضي 24.1٪ بينما لم تتجاوز 1.6٪ في 2014.

وكانت المملكة قد أعلنت الشهر الماضي أنها ستخفض إنفاق الميزانية بنسبة 5% وتذكرنا هذه الخطوة بقرار خفض الإنفاق بعد انهيار أسعار النفط عامي 2014  و2015، الذي يشمل تعليق مدفوعات بقيمة عشرات المليارات من الدولارات للمتعاقدين.

أما الإمارات، فقد رفع البنك المركزي الإماراتي تدابير دعمه إلى 34 مليار دولار، تشمل السماح للبنوك بتقديم إعفاء لعملاء الشركات وتجار التجزئة من الفوائد ودفعات تسديد الديون الأصلية.

وكشفت أبوظبي عن تدابير تحفيز بقيمة 9 مليارات درهم (2.4 مليار دولار). وتقدم بنوك دبي إعفاءات من سداد الديون لأولئك الذين يضطرون إلى أخذ إجازة غير مدفوعة الأجر، وتقدم خططاً لتقسيط رسوم المدارس ومواد البقالة.

وقال محمد الشيباني، مدير عام ديوان حاكم دبي رئيس مجلس إدارة بنك دبي الإسلامي، في بيان: “في هذه الأوقات غير المسبوقة، تعد الإجراءات القوية والحاسمة ضرورية ومهمة للحفاظ على الاقتصاد”.

وتلجأ دول الخليج بشكل عام إلى الاعتماد على احتياطاتها من العملات الأجنبية خلال الأزمات، على عكس بعض الدول الأخرى في الشرق الأوسط، إذ تملك أبوظبي صندوق ثروة سيادياً بقيمة 850 مليار دولار، فيما تملك الرياض احتياطيات بقيمة 502 مليار دولار.

لكن دبي، التي تعتمد على سلامة مُصدّري النفط الخام الإقليميين فضلاً عن التجارة العالمية، تفتقر إلى مخففات الصدمات المالية لعائدات النفط الضخمة. ففي عام 2009 اضطرت الإمارة إلى اقتراض 25 مليار دولار من أبوظبي والبنك المركزي الإماراتي في الوقت الذي كانت تعاني فيه من أزمة ائتمانية.

لكن هل تنجح البنوك في إيقاف نزيف الاقتصادات الخليجية؟

تقول كارين يونغ، الباحثة الأمريكية في معهد أميركان إنتربرايز (AEI)، المتخصصة في الاقتصاد السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط، إن لجوء العواصم الخليجية للبنوك المركزية لن يكفي لإنقاذ اقتصاداتها من هذه الكارثة.

إذ تستخدم العديد من دول الخليج بنوكها المركزية لتقليل تكلفة الاقتراض عن طريق خفض أسعار الفائدة، أو لإنشاء حزم تحفيز توسع القروض الحكومية للشركات أو حتى التحويلات النقدية المباشرة للعمال كبدل البطالة أو الإعفاءات الضريبية.

وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، تواجه الإغاثة الاقتصادية من خلال القطاع المالي بعض التحديات الخاصة بكل منطقة. وتحاول دول المجلس إنقاذ القطاع المالي في الخليج، لكن هذه الأزمة تؤكد محدودية الأوراق المتاحة في أيدي حكومات المجلس لتحفيز النمو في القطاع الخاص.

وتقول الباحثة يونغ في مقالة منشورة بموقع المونيتور الأمريكي، إن التحويلات النقدية المباشرة، وتخفيف ضريبة الدخل على المواطنين والمقيمين، لا تعد خيارات حقيقية في دول مجلس التعاون الخليجي؛ فلا توجد ضريبة دخل شخصي لاستردادها، وليس من مصلحة الحكومات الخليجية على المدى الطويل دعم رواتب العمال الأجانب.

وبذلت حكومات دول الخليج بعض الجهود لدفع جزء من رواتب المواطنين في القطاع الخاص وتمديد فترات السماح للأقساط والإيجارات. وأعلنت قطر عن تمويل بقيمة 820 مليون دولار من بنك قطر الوطني للتنمية لدعم رواتب العاملين في القطاع الخاص من المواطنين والأجانب للأشهر الـ3 المقبلة، لكن هذا هو الاستثناء وليس القاعدة.

وفي بعض النواحي يمكن أن يؤدي الاعتماد المفرط على البنوك لتمديد الإقراض إلى أزمة إضافية لم تحدث بعد. إذ يعتبر قطاع البنوك في مجلس التعاون الخليجي معرضاً للخطر بشكل خاص، لأن نسبة القروض التي تقدمها البنوك المحلية للحكومة أو للكيانات ذات الصلة بالحكومة في ارتفاع منذ عام 2009.

وتميل البنوك المركزية في مجلس التعاون الخليجي إلى اتباع أسعار الفائدة التي يحددها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي. ومع انخفاض أسعار الفائدة الآن، فهناك مساحة أقل للبنوك لتحقيق ربح من الإقراض، وهناك أيضاً مسألة القروض المتعثرة، خاصة أن أسواق العقارات والشركات المتعاقدة في الخليج تعاني بالفعل من ضغوط متزايدة.

تستخدم العديد من دول الخليج بنوكها المركزية لتقليل تكلفة الاقتراض عن طريق خفض أسعار الفائدة/ رويترز

وهناك مشكلة أكبر في مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بسيولة البنوك الخاصة؛ فالودائع الكبيرة في البنوك المحلية هي أموال حكومية أو أصول مملوكة للدولة. وإذا احتاجت الحكومات إلى السحب من ودائعها المصرفية في الوقت الذي تتأثر فيه إيراداتها بانخفاض أسعار النفط، فإن البنوك ستجد قدرتها على الإقراض محدودة.

وتمثل ودائع القطاع العام أكثر من 20% من الودائع المصرفية في السعودية، وأكثر من 30% من إجمالي الودائع في قطر، وفقاً لبحث أجراه بنك “إتش إس بي سي”. ونظراً لأن العديد من البنوك مملوكة جزئياً أيضاً من قبل الحكومات أو أفراد العائلات الحاكمة، فهناك أيضاً مخاطر أخلاقية حيث تتسع المنافسة على الإقراض، وقد ترغب الحكومات في الاعتماد على البنوك المحلية للحصول على الدعم. ويصبح الخطر على صغار المقترضين واضحاً، كما كان الحال قبل أزمة “كوفيد 19″، حيث كان الإقراض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي منخفضاً.

ووفقاً لبيانات من دراسات “إتش إس بي سي” وصندوق النقد الدولي، فإن ما بين 5% إلى 7% فقط من القروض المصرفية ذهبت لمثل هذه الشركات في الكويت والسعودية والإمارات وسلطنة عُمان.

في النهاية، من غير المتوقع أن تستطيع البنوك إنقاذ اقتصادات الخليج، كما أن الحكومات غير مستعدة لتوجيه عمليات الإنقاذ للشركات عندما يكون لديها مصلحة واضحة في إنقاذ كياناتها المرتبطة بالدولة أولاً. ولا يزال إرث الاقتصاد الخليجي المتمحور حول الدولة، والاعتماد على عائدات النفط، يعوق قدرة هذه الدول على الاستجابة للأزمة المالية الحالية. وفي حين تتفوق دول الخليج في السيطرة على السكان فيما يخص تدابير التباعد الاجتماعي وتوفير الاختبارات، إلا أنها لن تنجح كثيراً في إعادة بناء القطاع الخاص الضعيف بالفعل.