//Put this in the section //Vbout Automation

جنبلاط واللحظة المعقدة في هجومه الحاد على الحكومة ورئيسها

ابراهيم بيرم – النهار

لم يكن الهجوم الحاد الذي أطلقه أخيرا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في اتجاه الحكومة، أمرا مستجدا له وقع المفاجأة عند الذين يعرفون جيدا زعيم المختارة، وطريقة تعاطيه مع العهود وتفاعله مع رؤساء الحكومات المتعاقبة.




فهؤلاء ما زالوا يعون تماما أن أسلوب الهجوم بدأه وريث الزعامة الجنبلاطية مع الأكاديمي المتدرج في السياسة الرئيس حسان دياب الى أن دفعته الظروف والتطورات غير المحسوبة الى الرئاسة الثالثة، ويكاد يكون نسخة طبق الأصل عن الهجمات التي بدأها ضد كل رؤساء الحكومات المتعاقبين منذ ما بعد الشروع بتطبيق اتفاق الطائف الى اليوم، إذ يرد في خاطر هؤلاء الهجمة الجنبلاطية ضد “القاطن” في بناية “سمسار زادة” الرئيس سليم الحص ثم ضد الرئيس الراحل عمر كرامي وصولا الى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان له معه في مطالع توليه الرئاسة الثالثة بعيد عام 1992 صولات وجولات ومساجلات اتسمت بطابع الحدة الكلامية و بـ”تمريكات” سياسية برزت أكثر ما يكون في دورة انتخابات 1996 خصوصا في دائرة الشوف، لتندرج بعدها الأمور الى إرساء أسس تفاهم مبني على الكثير من التعقيد والتشابك.

وبعد حدث استشهاد الرئيس الحريري المدوي، اضطلع جنبلاط بدور سياسي مختلف صارت تفاصيله وخباياه معلومة، إلى أن انضم إلى التفاهم السياسي الذي أتى بالرئيس نجيب ميقاتي إلى السرايا الحكومية عام 2011 للمرة الثانية ولكن خلافا لإرادة الحريرية السياسية، فكان ذلك بداية مرحلة جديدة قلقة من العلاقة بين جنبلاط والرئيس سعد الحريري، إذ أن الأخير لم ينس لحليفه المحوري ممالأته لـ”حزب الله” ولتوجهاته الصدامية مع الحريري في هاتيك المرحلة.

وقد عكس ذلك الشرخ الضمني نفسه خصوصا ابان دورة الانتخابات النيابية الاخيرة، وما بعدها حينها معروف ذلك السجال الإعلامي الشهير بين جنبلاط والأمين العام لتيار “المستقبل” أحمد الحريري.

وبناء على هذا المنحى في علاقة زعيم المختارة بالرئاستين الأولى والثالثة والتي تنطوي على نهج تميزت به المختارة منذ أيام زعيمها كمال جنبلاط، ليتبدى جليا أن جنبلاط قد قرر فعلا وبعد صمت استمر نحو شهرين (منذ استيلاد الحكومة) المضي قدما في هجمة سسياسية متصاعدة ضد الحكومة ورئيسها، فضلا عن المضي قدما في مصادمته المزمنة مع العهد الحالي، والتي كانت ذروتها وأحد أبرز تمظهراتها في الصدام الشهير في ما عرف باشتباك البنية – البساتين، والتي أعلن فيه جنبلاط في حينه بداية اعتراض على تمدد جبران باسيل وتياره والعهد في مناطق الجبل.

ومما يثير اهتمام راصدي الحراك الجنبلاطي، أكثر ما يكون هو ادخاله تعبير التحذير الواضح من التوجه نحو “النظام الشمولي”، فباستخدام هذا المصطلح يتخوف هؤلاء من أن يكون قد قرر فعلا توجيه رسالة مشفرة الى “حزب الله”، فقد درجت العادة على أن يتوسل جنبلاط هذا النوع من الخطاب السياسي ومفرداته عندما يكون في صدد “الاحتكاك” بشكل أو بآخر مع الحزب، وهو ما ينطوي اذا ما تكرر وتطور على رغبة مضمرة من رئيس التقدمي لانهاء “الهدنة” و”التهدئة” التي أرساها منذ فترة مع الحزب، بعد رسائل مباشرة يعني بها السيد حسن نصرالله تضمنت في حينه مطالبه، وخطوطا حمراء، فضلا عن مخاوفه القريبة والبعيدة في آن معا، اذ أن الشمولية تعني وفق التفسيرات السياسية، حكم الحزب الواحد أو اللون الواحد، وهذا الوصف لا يجول في خاطر أي أحد من دون أن يرد اليه اسم الحزب الأقوى والأكثر فاعلية والذي بات يجاهر بدفاعه الشرس عن الحكومة الحالية، ويعتبرها الامر الذي لا بد ولا غنى عنه.

وعلى مألوف سياسة الحزب ونهجه، فإن الجهة الحزبية المعنية بملف العلاقة مع جنبلاط لن تبادر فورا إلى إعطاء رأيها سلبا أو إيجابا، بمضامين هذا الكلام وخلفياته، فهي وفق دأبها على الاستيعاب وبرودة الأعصاب ستأخذ وقتها في الدرس والتحليل، وستعمل على استشراف ما اذا كانت رسالة عابرة أم أنها بداية لنهج تصادمي ممتد في المكان والزمن، ليبنى لاحقا على الشيء مقتضاه، علما أن الجهة عينها لا تخفي اطلاقا رغبتها في أن تظل حدود العلاقة مع المختارة وزعيمها على الرتابة عينها أي “التطبيع” والمهادنة، ولا تذهب الأمور في اتجاه دائرة المساجلات.

وبمنأى عن ذلك، يبقى المتابعون عند سؤالهم عن الأبعاد والخلفيات العاجلة الآجلة التي فرضت على جنبلاط مفارقة مرحلة “المهادنة” لحكومة دياب تحت عنوان ضرورات المرحلة والانتقال الى مرحلة “المخاشنة” واظهار العداوة والاستدراج الى مربع التساجل اليومي؟

كثر كانوا يتوقعون أن ساعة فتح جنبلاط باب المواجهة مع دياب وحكومته آتية ولا ريب فيها، وفي الأسباب الآجلة سبب بيّن وهو أنه لم يكن أصلا في عداد المحسوبين على المشاركين فيها عند ولادتها، وكان بطبيعة الحال ينتظر أن تنطلق ومن ثم يسبر غور تفاعلها مع حساباته ومطالبه لكي يعرف بالضبط درجة التعامل معها.

والواضح أن جنبلاط يعي تماما أن حكومة دياب قد ظهرت في قلب دوامة الأزمة لا سيما بعد تأخرها عن وضع خطة الإصلاح المالي والاقتصادي التي وعدت بها وتصدت لها أصلا، لذا فهو اختبار لخطة حرجة ومؤثرة، أي لخطة ما أسماها رئيسها “الحملة السياسية” عليها من أكثر من جهة.

ومن البديهي عند راصدي سلوك جنبلاط أن “معركة” جنبلاط مع الحكومة هي “مواجهة ذات حدود” اذا ما “أحسن” رئيسها “لعبة التناغم” معه، إن على مستوى التعيينات الآتية لملء الشواغر العائدة للطائفة الدرزية وأبرزها قائد الشرطة القضائية، وخصوصا أن معلومات تناهت اليه فحواها أن هناك زعامة درزية أخرى تحاول أن تكسر احتكار المختارة وتسمية من يشغل هذا المنصب.

وثمة بالطبع مقاصد أبعد من التعيينات يريد جنبلاط بلوغها وتطويع الحكومة والحد من اندفاعتها، واستطرادا أن يستبعد حضوره السياسي الوازن في المعادلة السياسية في لحظة التحولات، وهو بالطبع يريد أن يكون ذلك تحت “وطأة نيران هجماته السياسية”.

هجمة المختارة على الحكومة انطلقت للتو فأي فصول تخبئ؟