//Put this in the section //Vbout Automation

الفيروس والسرطان! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

بينت أزمة انتشار فيروس «كورونا المستجد» حول العالم، وجود الكثير من المشاكل الهيكلية التي في حاجة إلى الاهتمام الكبير، وخصوصاً في مجالي البنية التحتية الصحية والاقتصادية. إلا أن هناك مشكلة قيمية وأخلاقية تكشفت في خلال هذه الأزمة، وعلى ما يبدو أنها تخرج من البشر أسوأ وأقبح ما فيهم.

إنها العنصرية البغيضة التي تشهد تزايداً مذهلاً، وتسجل من خلالها حوادث عنف بمعدلات مخيفة وغير مسبوقة. الشرق آسيويون ينالون قدراً مهماً من حوادث التنمر العنصري، وخصوصاً في البلاد الغربية، وفي كوريا الجنوبية نالت إحدى الطوائف المسيحية نصيباً هائلاً من التنمر العنصري بعد اتهامها بأن أعضاءها كانوا خلف انتشار الفيروس في البلاد، بعد تجمع كبير لأعضاء الطائفة التي كان بينهم مصابون بالمرض، وانتشروا بعد ذلك بين الناس ناقلين العدوى بين الناس.




وفي الهند نال المسلمون حصتهم من التنمر العنصري البغيض بعد اتهام أحد تجمعات الجماعة الإسلامية بنقل العدوى ونشره على مستوى أكبر في البلاد. وفي الصين يواجه أبناء الجالية الأفريقية المقيمون فيها حالة غير مسبوقة من التنمر العنصري بعد انتشار إشاعات موجهة بأن الأفارقة وراء انتشار الفيروس في الصين.

وفي العالم العربي هناك نماذج مخجلة ومعيبة ومقززة جداً عن حالات تنمر عنصرية عرقية وطائفية. ففي لبنان وجه بعض النواب المتطرفين سهامهم نحو اللاجئين السوريين واتهموهم «بنقل» الفيروس إلى لبنان «ونشره» فيها. وهناك تنمر يحصل داخل أبناء المدينة الواحدة أو المنطقة الواحدة أو البلد الواحد، مع عدم إغفال التنمر الطائفي والديني الموجود في الحالات حول العالم.

العنصرية مرض خبيث، وهو سرطان الشعوب المدمر، أو كما سميت قديماً «الخطيئة الأولى» بحسب كل الأديان السماوية عندما رأى الشيطان نفسه أنه «خير وأفضل» من الإنسان، ومن هنا كانت أول تجربة في التصنيف بين المخلوقات. العنصرية مرض أصيل ومتعمق لدى المرضى من البشر، لم تستطع الأديان ولا القوانين ولا الأنظمة ولا الأعراف من تهذيبها ولا القضاء عليها. التحدي هذه المرة ليس سياسياً ولا اقتصادياً، بل هو تحدٍ أخلاقي في المقام الأول. وقد يكون مفيداً جداً استرجاع أحد أهم قادة العالم في التاريخ المعاصر، وأحد أهم ملهمي الخير، وهو الرئيس الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا عندما قال «لا يوجد إنسان وُلِد يكره إنساناً آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه، الناس تعلمت الكراهية، إذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية إذن بإمكاننا تعليمهم الحب، خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية».

في عام 2020 وفي زمن عالم القرية الصغيرة الواحدة لا تزال روح الجاهلية العفنة تطفو على السطح لتظهر ما وراء القناع الجميل. هناك مقولة جميلة منسوبة لإسماعيل صبري، قال «أنا أعتبر العنصرية مشكلة طبية، يحتاج العنصريون إلى مساعدة طبية ونفسية جادة؛ لأنهم كالفيروس في الجسد يعذبون أنفسهم ويعذبون الجميع معهم».

«كورونا» سيتم القضاء عليه وسيبقى سرطان العنصرية موجوداً بلا لقاح ولا علاج. معايير تطور الأمم والشعوب هو بحالة السلم والسوية مع نفسها ومع غيرها… نقطة على السطر.