//Put this in the section //Vbout Automation

”السواب” و”السندات” وحّدا مصرف لبنان والمصارف… ثم فتح سلامة على حسابه

سركيس نعوم – النهار

لا يزعم كاتب “الموقف هذا النهار” أنه اختصاصي في الشؤون الاقتصادية والمالية والنقدية والمصرفية. لكن ذلك لا يعني أنه يجهل علاقة هذه الشؤون بالسياسة بل تأثيرها عليها وتسييرها لها كلياً في دول العالم الأول المتقدمة وجزئياً في العالم المتخلّف ولبنان صار في آخره مرتبة، حيث تغيب الديموقراطية ومقوماتها كلها عن الأنظمة الحاكمة في دوله ويعمّ الفساد فيها وتخفّ وتضعف كثيراً مناعتها عند حدوث خضات اجتماعية وأمنية وسياسية واقتصادية (ركود)، أو عند حصول كوارث هائلة التأثير تشمل العالم كلّه مثل الأوبئة، وهي قاتلة جماعية للناس من كل الأعمار والفئات. ولا بدّ أن تكون لها انعكاسات تغييرية كلياً أو جزئياً على الأنظمة الاقليمية كما على النظام العالمي السائد منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. علماً أن التغيير لن يكون سريعاً أو فجائياً وأن مرحلة من الفقر الشديد قد ترافقه في دول العالم الثالث كلها رغم ثروات عدد من دوله. إذ أنها قد تتآكل في مرحلة “الشفاء” لأن القيّمين عليها اعتبروها ملكاً لهم سواء كانوا عائلات حاكمة أو اقطاعيين متسلطين أو عسكريين يدعون شعوب بلدانهم الى التضحية لأن هناك قضايا وطنية مهمة لا بد من النجاح في حلها (استعادة فلسطين مثلاً). لكنهم يفشلون لأن الأطماع ودناوة النفوس حالت دون ذلك، وأخيراً أو أحزاب عقائدية محنطة تؤمن بأن شعوبها معها وأخرى دينية ومذهبية متنوّعة تعتبر أن الله يقودها وأنها لا تخطئ. علماً أن الله واحد أحد عند كل أبناء الديانات التوحيدية الثلاث، لكن الأحزاب المشار اليها احتكرته وتقاتلت في ما بينها ولا تزال ترتكب باسمه كل المعصيات بحيث بدت حروبها حروباً بين “الله” الذي لكل منها. انطلاقاً من ذلك سأتناول اليوم الوضع الاقتصادي – المالي – النقدي – المصرفي في لبنان، والمعلومات المتوافرة عند المنظمات الدولية التي يطلب مساعدتها لحل مشكلاته المستعصية الراهنة وعن تطوّره منذ انتهاء الحرب الأهلية وغير الأهلية فيه وأهمها على الاطلاق “صندوق النقد والبنك الدولي”. ماذا في هذه المعلومات؟




تشير الى أن الوضع الاقتصادي – المالي – النقدي – المصرفي – السياسي مرّ بمراحل خمسٍ كانت الأخيرة منها الأقسى والأكثر إضراراً بلبنان.

المرحلة الأولى: بدأت في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي الذي انتُخب رئيساً عام 1989 بعد انتهاء الحروب في البلاد، وتحديداً بعد تسلّم رجل الأعمال اللبناني السعودي رفيق الحريري رئاسة الحكومة في عهده برغبة منه وبموافقة سورية أولاً لإيجاد حل لانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية للمرة الثانية (الأولى كانت في السنوات الأخيرة للحروب)، وثانياً لإعادة اعمار لبنان الذي كان هدفاً أولاً له بل هاجساً. طبعاً لم تكن السياسة في رأي الرئيس الراحل حافظ الأسد ولا “نظيره” الهراوي جزءاً من مهمة الحريري خلافاً لنصوص الدستور سواء قبل تعديله في “الطائف” السعودية أو بعد تعديله. والدافع الى اختياره كان حضوره العربي والدولي المهم. طبعاً بدأ الحريري بعد تسلّمه “السلطة التنفيذية” التي حصرها اتفاق الطائف في مجلس الوزراء عملية إعادة البناء في البلاد. ونجح في تجديد البنى التحتية المتنوّعة القديمة والمتهالكة وفي بناء أخرى جديدة اعتبر أنها ستلبي حاجات لبنان لسنوات عشر مقبلة. كان مؤمناً بأنه سينجح لأن الشرق الأوسط كان يعيش أجواء سلام محتمل تحققه تسوية الصراع الفلسطيني واستطراداً العربي – الاسرائيلي المزمن، ولأن المصارف اللبنانية كانت “شغّالة” في حينه. فثبّت سعر العملة الوطنية إذ جعل الدولار الأميركي يساوي 1500 ليرة لبنانية بعدما كان سعره أيام حكومة الراحل عمر كرامي وهي الأولى في عهد الهراوي نحو 3000 ليرة لبنانية. وكان مصرف لبنان (البنك المركزي) يقوم بشغله أو بعمله في حينه.

بدأت المرحلة الثانية في عهد الرئيس إميل لحود الذي كانت علاقته سيئة جداً بالرئيس الحريري الأمر الذي دفعه في حينه الى محاولة ضرب إنجازاته في عهد الهراوي لاقتناعه بذلك، مع عدد من الخبراء الاقتصاديين والعاملين معه في ما سمّي “النظام الأمني اللبناني السوري”. واعتبر لحود أن رئاسة بشار الأسد لسوريا خلفاً لوالده ستساعده في ذلك نظراً الى الودّ المفقود بينه وبين الحريري. الخطوة الأولى كانت إبعاد الحريري عن رئاسة الحكومة واختيار الدكتور سليم الحص رئيساً لحكومة جديدة بعد تجاربه الحكومية “الناجحة” مع الرئيسين الراحلين (الإلياسين) سركيس ثم الهراوي. أرادَ من الإتيان به الى السرايا الإطاحة بإنجازات الحريري. لكن الحص، وهو دكتور وأستاذ جامعي ورئيس سابق للجنة الرقابة على المصارف ورجل دولة وصاحب أخلاق عالية ووطني بامتياز، لم ينفّذ ما أمله وشركاؤه منه.

بدأت المرحلة الثالثة بعد الانتخابات النيابية التي أمِل لحود وأخصام الحريري ومعارضوه كلّهم أن يسقط فيها الحريري لكنه فاز وعاد الى مجلس النواب بكتلة كبيرة والى رئاسة الحكومة. فجرى بحث معه ولا سيما من قبل مصرف لبنان (البنك المركزي) وحاكمه رياض سلامة في إعادة النظر بتثبيت سعر الليرة الذي كان هو وراءه لأنه مُكلِف جداً وسيصبح أكثر كلفة مع الوقت. لكنه رفض مناقشة هذا الموضوع، واستمرت الأوضاع سائرة على نحو مرض. بعد ذلك بدأ سلامة يتدخل من ميزانية “مصرف لبنان” وبدأ تنفيذ عمليات “السواب” المعروفة. وهنا أجرى سلامة أول عملية “سواب” بطلب من الحريري كانت حصيلتها 4 مليارات دولار، “فمشي الحال”. و”باريس – 2″ الذي دعا اليه شيراك لمساعدة الحريري وبلاده حقّق في لبنان في حينه 4 مليارات دولار. بعد ذلك “فتح سلامة على حسابه”. وصارت المصارف تشتري سندات وتضعها في مصرف لبنان بفوائد مرتفعة. قبلاً كانت المصارف تقوم بعملها الأساسي والعادي. لكن بعد تعاملها الجديد مع مصرف لبنان صارت هي وهو “واحد” يديره سلامة وحده. طبعاً بقيت الأوضاع مرضية رغم حرب إسرائيل على لبنان عام 2006، والسبب كان إقدام دول عربية مقتدرة عدّة على تزويده مبالغ مالية مهمة بالدولار الأميركي لمساعدته على إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل. كما كان هناك ارتفاع في نسبة النمو داخل لبنان راوحت في حينه بين 4 و5 في المئة.

بدأت المرحلة الرابعة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري إذ شهد لبنان فترات طويلة من فراغ سلطوي كان رئاسياً حيناً وحكومياً حيناً آخر. ولم يدفع ذلك مصرف لبنان الى تغيير نهجه وسياسته.

أما المرحلة الخامسة فبدأت بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية إذ استمر سلامة في ممارسة السياسة النقدية – المصرفية – المالية نفسها. وما صعّب الأوضاع هو أمور عدّة. أولّها الكهرباء التي بقيت نحو عشر سنوات في يدي صهر عون وخلفه في رئاسة “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الذي اعتبر أنه “يفهم أكثر من غيره ويعرف أكثر من غيره في كل شيء”، والذي هاجم وانتقد غير مرة مرجعيات سياسية كبيرة في طوائف عدّة أبرزها الرئيس نبيه بري. كما كان يقول علانية “أن الرئيس سعد الحريري كسلان” وكان الأخير يردّ بالقول “أن باسيل يريد أن يتدخل في كل شيء”. طبعاً لم تُحلّ مشكلة الكهرباء وصارت عبئاً كبيراً على البلاد في “عهده”، كما في عهد مستشارين له تولّوا وزارة الطاقة بعده إذ تعاظمت كلفتها على الدولة، فبلغت 20 مليار دولار في عشر سنوات. لكن ما لا تعرفه المنظمات الدولية أو بالأحرى ما لا تريد أن تتحدث عنه هو الآتي. هل قُدّمت “رشاوى كهربائية”؟ ثم كان هناك اتفاق مع “سوناتراك” الجزائرية ومعه استمرت الأسئلة الدولية عن الرشاوى أيضاً. بعد ذلك “زادت الطين بلة” كما يُقال زيادة الأجور في القطاع العام وسلسلة الرتب والرواتب فضلاً عن السياسة التي انتهجها الرئيس عون ولا سيما على الصعد العربية والاقليمية والدولية. إذ أدت الى تخلّي العرب عن لبنان وتخلّي أميركا عنه. طبعاً أكد مسؤولون في الأخيرة عدم الرغبة في “إسقاط لبنان” لكنهم أكدوا أيضاً عدم استعدادها لمساعدته واستمرارها في فرض العقوبات على “حزب الله” فيه وعلى المتعاونين معه، كما في عدم الضغط على العرب لمساعدته مالياً كما كانت تفعل سابقاً. بل ربما صارت تضغط عليهم للامتناع عن تقديم المساعدة له. لقد اعتبرت أميركا نفسها متأذية من لبنان عون الذي لا بد أن يسقط في النهاية.

كيف تقوّم المنظمات الدولية المعنية قرار حكومة لبنان عدم تسديد سندات “الأوروبوند” المستحقة في شهر آذار الماضي؟ تعتبر أن الحكومة لن تسدّد أيضاً السندات التي تستحق في نيسان وحزيران وغيرها انطلاقاً من نظرية مصرفية هي أن عدم سداد أي سند يجعل السندات والديون الأخرى كلها مستحقة الدفع. ما الحل الآن؟