//Put this in the section //Vbout Automation

أسئلة صعبة – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

لم أكن موجوداً خلال أحداث طوفان نوح العظيم، ولم أكن ضمن سكان مدينة تشرنوبل عندما انفجر المفاعل النووي فيها، ولم أكن من سكان مدينتي هيروشيما وناغازاكي عندما أسقطت عليهما أول قنبلتين ذريتين في التاريخ، ولم أكن في مدينة نيويورك يوم حصول أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الإرهابية، التي أدت إلى سقوط برجي التجارة العالمي.

كل هذه الأحداث عرفت بأنها أحداث مفصلية؛ أحداث توقف فيها الزمن، وأصبحت مرتبطة بعد ذلك «بالتحول» الذي حصل لاحقاً بعد كل حادثة. ولكن هذه الأحداث ارتبطت بأسماء أشخاص أو مدن، وهذا على العكس تماماً مما يحدث الآن مع جائحة «كورونا» التي «اجتاحت» كل دول العالم، وأثارت الهلع في الهياكل التابعة للمنظومة الصحية، ودمرت الاقتصاد في أيام معدودة، وعزلت الناس عن بعضهم البعض، وغيرت من سلوكهم الاجتماعي قسراً، وعزلتهم في منازلهم جبراً.




قرأنا روايات من قبل ترسم مشاهد مقلقة لعالم ما بعد انتشار فيروس غامض ومدمر، وشاهدنا أفلاماً ترسم عالماً كارثياً مرعباً ومخيفاً، جراء انتشار فيروس فتاك ومجهول، إلا أن ما يحصل اليوم هو حقيقة مذهلة ومفزعة تفوق ما جاء في الروايات. انعزال تام، شلل تام. قلق لا ينتهي. خوف مستمر. دول تنهار في مواجهة التحدي. الخوف مستمر ومنطقي، بسبب الغموض التام في معرفة الإجابة على العديد من الأسئلة الصعبة. ولعل السؤال الأهم الذي يبقى معلقاً، بدون أي إجابة منطقية وافية هو متى ستنتهي هذه الأزمة، وتعود الحياة إلى طبيعتها كما كانت؟

وهل حقاً يمكن العودة إلى ما كان عليه الوضع تماماً. كم من الأساليب والعادات المستجدة التي فرضت علينا في الأزمة ستبقى معنا لباقي العمر. إن أكبر خسارة يستشعر بها الناس حول العالم فقدان الإحساس بالثقة والأمان. الثقة والأمان بالمنظومة الصحية، الثقة والأمان بالمنظومة الاقتصادية، وأن لا يوجد أي شيء مضمون يمكن الاعتماد عليه للبناء. منذ سنوات كتب المفكر الاجتماعي السياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما، كتاباً اختار له عنواناً باسم: «الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي». واعتبر أن اختفاء الثقة في المجتمعات هو أخطر أعداء خطط التنمية والتطوير والرخاء. والقضاء على الفيروس هي المعركة الأهم حالياً، ولا شك أن الجولة الثانية من السجال ستكون مرحلة إعادة بناء الثقة الفردية والمجتمعية، وهي مسألة شديدة التعقيد، وتتطلب خبرات مختلفة ووقتاً غير بسيط. الخسائر التي تحتل عناوين الأخبار يومياً لا تظهر فيها حالات القلق والخوف والذعر واليأس، وهذه حالات متزايدة ومهمة جداً، لا تقل أهمية عن عدد المصابين والمتوفين جراء الفيروس نفسه.

أصعب تحدٍ أمام العالم اليوم ليس إيجاد اللقاح أو الدواء للجائحة، ولكن إيجاد الأمل وسط هذا الكم المهول من الظلمات. أتمنى أن تعود الضحكة، ونذكر هذه الأيام ونحن بخير.