//Put this in the section //Vbout Automation

ما الهواجس والمصالح التي أمْلَت على واشنطن الإضاءة على دور كوثراني في العراق؟

ابراهيم بيرم – النهار

لا يرقى شك إلى أن الدوائر الأميركية المولجة متابعة ملف “حزب الله”، تدرك سلفا ومنذ زمن بعيد المهمة التي يضطلع بها الشيخ محمد كوثراني في إدارة ملف الحزب والمجموعات والقوى العراقية اللاعبة في خلفية المشهد العراقي البالغ التعقيد والموغل في التداخل.




فعالِم الدين الكهل والمتلقّي دروس المقدمات الدانية والعالية في حوزة النجف الأشرف في بدايات حياته الدراسية، والمتزوج من سيدة عراقية، صار أشهر من نار على عَلم، ويختزن في عقله أدق التفاصيل عن الشأن العراقي، الى درجة أنه صار مرجعية كبرى لكل القوى والمكونات العراقية الشيعية منها والسنية والكردية والتركمانية، والأيزيدية والمسيحية، حتى أن الضباط السابقين في الجيش العراقي (والمسرّحين الذين ما زالوا يسعون الى جمع أنفسهم) يدقّون مقره في الضاحية الجنوبية منذ أعوام لحل مشاكلهم الداخلية وتناقضاتهم بعضهم مع بعض، في حين أن الجهات الإيرانية المعنية، تلجأ في أحيان كثيرة الى الإستعانة به بغية إيجاد تسويات ومعالجة تعارضات ورأب التصدعات الحاصلة، إذا ما أعيتها الحيلة، أو لأن حجم المشاكل العراقية يفرض عليه مقارعة مختلفة للأمور ولطرق المعالجة.

عوامل عدة جعلت لهذا الرجل الجنوبي (من منطقة الزهراني) هذه المكانة وهذه الفرادة في المضي قدماً في حمْل الأعباء الثقيلة لهذا الملف وعدم الانزعاج منه، وفي مقدمها:

– دماثته المميزة وطول باله.

– درايته العميقة بتشعبات الموضوع العراقي ومكونات القوى فيه، اضافة إلى معرفته بأحجام هذه المكونات، وبظواهرها وبواطنها.

– إن المكونات العراقية نفسها القريبة من إيران والبعيدة عنها والمعلِنة حياديتها ووسطيتها تضع “حزب الله” موضع ثقتها التامة وتجد في شيخه المكلَّف (كوثراني) إدارة الملف الأذن المستمعة والواعية وصاحب الرأي الموضوعي ومصدر النصيحة الأخوية.

وقد تكرست مرجعية الحزب تلك بعدما أخفقت المكونات العراقية السياسية والدينية العراقية في إيجاد قواسم مشتركة، وإرساء أسس لعبة سياسية معقولة تضع مصلحة العراق وقضية إعادة إنهاضه من تعثراته المزمنة والحديثة فوق كل اعتباراتها.

وعليه فإن السؤال المطروح هو: إذا كان الشيخ كوثراني معلوماً العنوان، ويعمل في عين الشمس منذ أكثر من عقدين من الزمن، ومعروف الدور، وسبق للإدارة الاميركية ان وضعته على لائحتها السوداء عام 2013 بتهمة دعم الإرهاب، فلماذا اذاً تبادر الخارجية الأميركية قبل أيام، ومن دون سابق إنذار إلى وضع جائزة “مخبرية” تصل قيمتها إلى 10 ملايين دولار لمن يدلي بأي معلومات عن نشاطات هذا القائد في “حزب الله” (اللبناني) وشبكاته وشركائه بتهمة أنه يؤدي دورا رئيسيا في التنسيق بين مجموعات مؤيدة لإيران في العراق، وهو دور كان تولاه في السابق قاسم سليماني (قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني)، وفق ما ورد في بيان الخارجية الأميركية؟

واستطرادا، فان القيادة الأميركية لم تكتشف البارود عندما تحدثت أخيرا عن قيادي قديم ومعروف تماما في “حزب الله”. فمما لا شك فيه أن ثمة دوافع مستجدة وطارئة وعاجلة تملي على هذه الإدارة هذا السلوك المنطوي على توتر وقلق من أمر ما.

الواضح أن بيان الخارجية الأميركية يعمد إلى تضخيم دور الرجل (كوثراني) ويعلي من موقعه لحظة سمّاه وريث القائد سليماني، في التنسيق بين مجموعات مؤيدة لإيران في الساحة العراقية، واستطرادا في “تمويل وتقديم دعم سياسي ولوجستي لمجموعات متمردة شيعية عراقية”، إذ إن كل المعلومات الواردة من قلب العراق، تشير بوضوح إلى أن مهمة “التنسيق والتدريب والدعم” يتولاها عمليا خليفة سليماني في قيادة فيلق القدس اسماعيل قآني، الذي ظهر علانية قبل أيام في بغداد في مهمة انتهت بتسمية مصطفى كاظمي رئيسا مكلفا تأليف الحكومة العراقية المنتظرة.

وبناء على ما تقدم، فإن مصادر على صلة بـ”حزب الله” لديها تقدير بأن بيان الخارجية الأميركية الأخير في شأن الشيخ كوثراني يقوم على أن الإدارة الأميركية للملف وجَّهت بذا رسالة واضحة إلى الحزب، فحواها أن عليه الكفّ عن أداء الدور المميز الذي يقوم به في الساحة العراقية، والالتزام بخطوط وحدود معيّنة يعرفها سلفا تمنع عليه المضي في لعبة تدوير الزوايا وفك العقد المتشابكة بغية فرض أمر واقع سياسي، يكون تماما خلافا لمصالح الولايات المتحدة ولتوجيهات المجموعات الدائرة في فلكها في بغداد.

بمعنى آخر، تعيش الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة “هاجس” انفلات زمام الوضع العراقي من يدها تماما، بُعيد تدبيرها لعملية اغتيال القائد سليماني وأبو مهدي المهندس وثلة من رفاقهما.

وقد تعزز هذا الهاجس وكبر على صدر الأيام، بعدما تبدّت في الأسابيع الاخيرة قدرة فصائل الحشد الشعبي الاساسية على الامساك بناصية الوضع الأمني والسياسي ونجاحها في إسقاط ما سمّي مرشح واشنطن الصريح لرئاسة الحكومة عدنان الزرفي، وبعدما اضطرت واشنطن تحت وطأة ضربات عسكرية متتالية الى إجلاء عدد من قواعدها العسكرية في العراق، وهو وان لم يكن انسحابا نهائيا، إلا أنه في النهاية خطوة قسرية اضطرت القيادة الأميركية العسكرية للجوء إليها درءاً لمزيد من الهجمات.

وأبعد من ذلك، ثمة في بيروت من يذهب إلى تبنّي قراءة عميقة مفادها أن تسمية الكاظمي أخيرا لتأليف الحكومة في العراق، هو أمر ترضاه ضمناً واشنطن وطهران معا، وبالتالي فإن الادارة الأميركية لا تريد تبديد فرصة التفاهم الضمني المستجد في هذه اللحظة الصعبة، بغية ملء الفراغ السياسي المفتوح على احتمالات سود في العاصمة العراقية.

وإلى هذه الحسابات العراقية التي أملت على الخارجية الأميركية أن تضع رأسها في رأس عالِم دين يؤدي دورا قياديا في الحزب، فإن في الحسابات المتصلة بنظرة واشنطن الى دور الحزب الإقليمي المتنامي، من يرى أن واشنطن قد أفصحت بهذا التوجه الجديد عن أنها انطلقت للتو في رحلة وضع حدود عملانية وعقابية زاجرة لاحقاً على تمدد أذرع الحزب الاقليمية، وهو ما أخرج الحزب سابقاً من دائرته اللبنانية إلى الأدوار الإقليمية المؤثّرة في سوريا أولاً ثم في العراق وصولاً الى الساحة اليمنية وقبلها جميعا الساحة الفلسطينية.

ومن البديهي أن بين العارفين ببواطن الأمور من يجد في منطويات بيان الخارجية الأميركية رغبة مضمرة في إعادة رسم حدود التفاهم والاختلاف الضمنية ورسم حدود التصارع وقواعده بين واشنطن والحزب حاضراً ومستقبلاً.