//Put this in the section //Vbout Automation

كنتُ أعمى والآن صرتُ أرى..

عقل العويط – النهار

في الثامنة من ليل أمس، سافرتُ إلى إيطاليا، على رغم قرار حظر التجوّل والطوارئ الصحّيّة الوقائيّة، المفروضة على العالم أجمع.




بل سافرتُ تحديدًا إلى ميلانو. بل إلى كاتدرائيّتها دوومو ميلانو، الأشبه بملحمةٍ أوركستراليّةٍ من الفنون غير القابلة للوصف.

لم أستقلّ طائرةً، ولا استخدمتُ سبل البرّ، والبحر، بل “انتقلتُ”، متّحدًا بالغناء، عبر الافتراض التخييليّ المتصوّف، لأنضمّ إلى الموهبة الكونيّة، الغنائيّة، الإنشاديّة، المتفرّدة، متجسّدةً في حنجرة أندريا بوتشيللي، وهي تنشد الحبّ والسلام والأمل، تحت سقف الكاتدرائيّة المهيبة، رفقة العازف الاستثنائيّ على الأرغن، إيمانويلي فيانيللي.

كانت حنجرة بوتشيللي ترى ما لا يُرى، وتقول ما لا يُقال، وتُحِسّ ما لا يُحَسّ بالحواس. وكانت تشمّ، وتتذوّق، وتجتاح برفقٍ ما بعده رفق، وبقوّةٍ ما بعدها قوّة، مخترقةً الحواجز والفوارق والموانع، مزلزِلةً حجب الوباء والموت والوجع والضآلة والخوف والقلق والضغينة، مستجمعةً خلاصة الصفاء الصوتيّ الخالي من كلّ تشويشٍ، أو تلوّثٍ، والمنزّه من كلّ غلطٍ أو نشاذ.

كان أندريا بوتشيللي هناك، ومعه العازف إيمانويلي فيانيللي على الأرغن، وحيدَين في الكاتدرائيّة المسترشدة بفخامة العمارة النهضويّة، مفرغةً إلّا من الصمت النوعيّ، ومزيّنةً بافتراضات اللهاث العاطفيّ والتأوّه الروحيّ. وكان الكون، المطعون بفرح حياته، كان الكون كلّه، معهما، منسربًا في وجدان الصوت الأوبّراليّ المذهّب، وفي هندسة النوطات الموسيقيّة الجليلة.

لم أستطع إلّا أنْ “أنتقل”، فكنتُ ليل أمس، من الثامنة إلى الثامنة والنصف، حجرًا في البناء الكاتدرائيّ. سقفًا. قنطرةً. تمثالًا. زجاجًا معشّقًا. وكنتُ عينَين مغمضتَين من فرط الاندراج في الرؤيا، وكنتُ أرى حبال بوتشيللي الصوتيّة تنقل العالم من الهنا إلى الهناك، مصلّيةً، معاتِبةً، متزهّدةً، مسافرةً بالعذاب الأرضيّ إلى حيث يغتسل بدموع المطلق، وغيومه الليّنة.

لم أفهم شيئًا من الغناء الأوبراليّ، إلّا قليله القليل بالإنكليزيّة، مستلًّا من صلاةٍ – قصيدةٍ لشاعرٍ – كاهنٍ أميركي (جون نيوتن 1725-1807) بعنوان “النغمة العظمى”. نبراتٌ خفّاقةٌ، متعاليةٌ، متضرّعةٌ، متفانيةٌ، خفيضةٌ، تقول بالإيطاليّة الأوبراليّة الـSancta -maria -amazing grace- Domine does – ave maria وسوى ذلك ممّا تَجَسَّد في قامة المغنّي المديدة، وفي يدَيه المنبسطتَين المسبلتَين، كأنّهما من عطايا هديل الحمام الإلهيّ.

ليل أمس، نصف ساعة من ليل أمس. مع أندريا بوتشيللي في كاتدرائيّة ميلانو المهيبة.

كان ذلك كافيًا للكائن، في أيّ موضعٍ من هذا العالم المطعون بجرح الحياة المصادَرة، كان ذلك كافيًا للكائن الأعمى لكي يصير يرى!

كنتُ أعمى، تقول الأغنية – القصيدة – الصلاة، والآن صرتُ أرى!