//Put this in the section //Vbout Automation

ما هو ”الدور الخطير” الذي قام به رفيق الحريري بطلب من دمشق؟

أحمد عياش – النهار

اطلعت “النهار” من شخصية سياسية لبنانية بارزة تعيش حالياً في الخارج بعيداً من الأضواء على بداية العلاقات بين الرئيس رفيق الحريري والنظام السوري في زمن الرئيس حافظ الأسد. وهذه البداية انطلقت على يد عبد الحليم خدام نائب الرئيس حافظ الأسد. وهنا حلقة جديدة:




تتابع هذه الشخصية معطياتها: بعد حرب الجبل في خريف عام 1983 والتي أدت إلى انتصار الحزب التقدمي الاشتراكي وحلفائه بزعامة وليد جنبلاط وخسارة “القوات اللبنانية”، ثم انحسار نفوذ عهد الرئيس أمين الجميل في انتفاضة 6 شباط عام 1984، تولى رفيق الحريري القيام بـ”دور خطير” بطلب من دمشق، بحسب تعبير مصدر هذه المعلومات. ويوضح ماهية هذا “الدور الخطير”، فيقول أن القيادة السورية بعد انسداد أفق التسوية عبر الوساطة السعودية – السورية من خلال ما انتهى إليه مؤتمر لوزان للحوار اللبناني ـــ اللبناني، اتجهت إلى تسوية حملت إسم “الاتفاق الثلاثي “.

في هذا الاتفاق الذي أبرم في نهاية عام 1985 أُوصدت الأبواب أمام الاتفاق مع عهد الرئيس أمين الجميل، وفُتٍحت أمام اتفاق بين “القوات اللبنانية” ممثلة بقائدها إيلي حبيقة وبين حركة “أمل” ممثلة برئيسها نبيه بري وبين الحزب الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط. وكان حبيقة قد بدأ قبل “الاتفاق الثلاثي” وخلال عام 1985 مسارا إنقلابياً في المنطقة الشرقية من بيروت ضد قائد “القوات” فؤاد أبي ناضر. لكن بعد إبرام “الاتفاق الثلاثي” بفترة قصيرة في مستهل عام 1986، نجح الدكتور سمير جعجع في إزاحة حبيقة عن قيادة “القوات”، ما اضطر حبيقة للخروج من المنطقة الشرقية وتأسيس حزب “الوعد” في مناطق النفوذ السوري لاسيما في زحلة. لكن قبل هذه التطورات وبطلب من دمشق، اصطحب الحريري من باريس حبيقة في أول زيارة للأخير إلى العاصمة السورية على متن طائرة الحريري الخاصة، وكان لحبيقة لدى وصوله إلى دمشق لقاء مع خدام. وهكذا كانت زيارة قائد “القوات اللبنانية” فاتحة مسار “الاتفاق الثلاثي”.

تتابع الشخصية اللبنانية: كان حبيقة يجاهر أمام المسؤولين السوريين قبل “الاتفاق الثلاثي” وفي الأيام التي تلته، وقبل زوال سيطرته في المنطقة الشرقية، بأن له نفوذاً كاملاً على كل المستويات في تلك المنطقة. وقد حاول الحريري أن يقنعه بأن يقول الحقائق كما هي في ما يتعلق بواقع المنطقة الشرقية. وقدمّ له عرضاً يتضمن دعماً مادياً قدره ثلاثة ملايين دولار أميركي كي لا يكون تحت وطأة الحاجة إلى التمويل. لكن حبيقة تابع نهج الظهور بمظهر القويّ على الساحة المسيحية. وزاد على ذلك، فنقل ما اقترحه الحريري عليه إلى رئيس الاستخبارات العسكرية السورية علي دوبا الذي كان يُوصف بأنه “الرجل القويّ في النظام السوري والتالي بعد الأسد. “لكن ما نقله حبيّقة إلى دوبا لم يلقَ قبولاً عند الأخير الذي أعرب عن سخطه على الحريري لـ”تجاوزه حدوده في ما يتعلق بعلاقات دمشق مع الأطراف في لبنان”. وللتعبير عن سخطه، بادر فوراً إلى إصدار الأوامر للمسؤولين في مطار دمشق كي يمنعوا الحريري من الإقلاع بطائرته الخاصة. وعندما وصل نبأ منع سفر الحريري إلى خدام هاله الأمر، وأحسّ بالخطر يحدق بصديقه، لدرجة أنه أسرّ للصديق المشترك الذي مهّد لعلاقته بالحريري، بأنه يخشى من” لجوء دوبا إلى اعتقال الحريري وزجّه في السجن. “وطلب خدام من هذا الصديق الذي كان يتمتع أيضاً بعلاقات جيدة مع دوبا أن يتوسط لدى الأخير كي يلغي قرار منع السفر عن الحريري.

وتذكر الشخصية السياسية أن الحريري كان في ذلك الوقت قد تقدّم كثيراً في تمتين علاقاته مع القيادة السورية، فصار يجتمع مع الأسد مباشرة ويقوم الأخير بتكريمه من خلال دعوة إلى غداء أو عشاء. أما الحريري من ناحيته، فقدم للأسد ما لم يسبقه إليه أحد من قبل. فهو(أي الحريري) شيّد على نفقته القصر الرئاسي الضخم على جبل قاسيون المشرف على دمشق. كما شيّد الحريري قصراً ضخماً للمؤتمرات على الطريق الرئيسية المؤدية من العاصمة السورية إلى المطار. وكذلك أضاف الحريري إلى القصر الرئاسي وقصر المؤتمرات منشأة ثالثة، وبلغت القيمة الإجمالية لهذه القصور الثلاثة قرابة 60 مليون دولار أميركي.

عندما استقبل دوبا الصديق المشترك، تتابع الشخصية اللبنانية، فاتح الصديق دوبا بأمر الحريري، فما كان من دوبا إلا أن انفجر غضباً وصبّ جامه على الحريري. وهنا سأل الصديق دوبا مشيراً بإصبعه إلى صورة الأسد المرفوعة على الجدار خلف مكتب دوبا: هل يعلم بقرار منع السفر؟ فأجابه دوبا نافياً. ثم سأله الصديق: كيف تتوقع أن تكون ردة فعله إذا علم أن الحريري الذي شيّد ثلاثة قصور بـ60 مليون دولار ممنوع من السفر من دمشق؟ فارتبك دوبا عندئذ، وسأل ضيفه: هل تعتقد أن الأمر سيؤدي إلى موقف سلبي من الأسد فرد الصديق بالإيجاب. عندئذ بادر دوبا إلى الاتصال بالمسؤولين في مطار دمشق لإبلاغهم بوقف قرار منع الحريري من مغادرة سوريا وطلب في الوقت نفسه من هؤلاء المسؤولين بإكرام وفادة الحريري عندما يصل إلى المطار.

بالتوازي مع الدور الجديد للحريري في الملف اللبناني الذي بلغ ذروته في أواخر الثمانينات من القرن الماضي بإبرام إتفاق الطائف بمتابعة مشتركة من نائب الرئيس السوري ووزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير سعود الفيصل، برز دور إقليمي للحريري يفوق دوره اللبناني، وذلك عندما صار مبعوثاً للملك فهد إلى دمشق ينقل رسائله المتعلقة بتطورات حرب الخليج الاولى بين العراق وإيران والتي شمل لهيبها في النصف الثاني من الثمانينات معظم دول الخليج وبينها السعودية.

أول مرة زار الحريري العاصمة السورية بصفته مبعوثاً من الملك فهد، كانت كما وثّق خدام في كتابه “التحالف السوري الإيراني والمنطقة” الصادر عام 2010 عن دار الشروق المصرية: “في السابع والعشرين من آذار 1986، استقبلت السيد رفيق الحريري موفداً من الملك فهد بن عبد العزيز، وأبلغني ما يلي:

-هناك معلومات بإن اتفاقاً جرى بين (الرئيس الليبي العقيد معمّر) القذافي وأبي نضال والايرانيين لضرب منشآت أميركية في الكويت والسعودية. وطبعاً، أنتم لا علاقة لكم بأبي نضال الذي من الممكن أن يقوم بعمليات. علماً أنه لا توجد في السعودية منشآت أميركية، بل هناك منشآت سعودية يعمل فيها الأميركان، وأي ضرب لها يعتبر ضرباً للسعودية.

– والأمر الثاني، اتصل قبل ثلاثة أيام (24 آذار 1986) الرئيس الإيراني (خامنئي) بالملك فهد، وهو اتصال يتم لأول مرة. وكان الكلام جيداً جداً وممتازاً ورائعاً. ومدح (خامنئي) الملك فهد. والملك فهد يعتبر هذه المبادرة الإيرانية نتيجة جهود السيد الرئيس حافظ الأسد وهو يشكره على ذلك، ويعتبر هذا الموضوع تطوراً إيجابياً، ويؤكد أن السعودية ليست طرفاً في المشكلة الإيرانية – العراقية…

– من جهة أخرى، أنت تعرف أن السيد الرئيس(الأسد) قال كذا مرة، إننا لا يمكن أن نرضى أن تضرب إيران أي بلد عربي وبخاصة دول الخليج، كما أكد الرئيس (الأسد) أن أي اعتداء من إيران على الدول العربية هو اعتداء على سوريا… هذا الامر يحتاج إلى تأكيد”.

يضيف خدام: “بعد عرض اللقاء مع السيد الحريري على الرئيس حافظ في اليوم نفسه… اتفقنا على إبلاغ السيد رفيق الحريري أننا مستعدون لإرسال قوات وبالحجم الذي يريدون وتوضع هذه القوات بإمرة الملك فهد…”.

وذكر خدام أن زيارات الحريري بصفته مبعوثاً للملك فهد تكررت عام 1986. ولفت إلى انه إتصل بالحريري ليبلغه نتائج زيارته لطهران في 23 آب من ذلك العام موفداً من الرئيس الأسد وما سمعه من الرئيس خامنئي لكي ينقل ذلك إلى الملك فهد.

زمن الحريري الإيجابي مع الأسد الأب انتهى عام 1998. والزمن الأسود مع الأسد الابن إنتهى بالاغتيال عام 2005. يتبع حلقة جديدة.