//Put this in the section //Vbout Automation

المواجهة المالية الاقسى: الاستشاريان الدوليان على الخط… تضارب في الرأي على المصارف واتفاق على صندوق النقد

يبدو ان التأزم المالي يتجه الى الوجهة الاقسى بعد التباعد في وجهات النظر والرؤى لكيفية معالجة الازمة المالية الاقتصادية العميقة، فالحكومة الغارقة في الملف الموروث لا تجد سبيلا الى الخروج منه الا عبر اجراءات احلاها مر، وتفضل اللجوء الى صندوق النقد الدولي، فترفع عنها جزءا كبيرا من المسؤولية، وتوفر على نفسها عناء المواجهة مع شرائح سياسية واسعة تكون وافقت على الخطوة قبل اللجوء اليها. لكن الحكومة لا تجرؤ على الافصاح عن هذا التوجه في ظل رفض “حزب الله” من جهة، واعتراض رئيس مجلس النواب نبيه بري على خطوات غالبا ما يلجأ اليها الصندوق الدولي، وفي طليعتها اقتطاع اموال من الودائع في المصارف، اي ما يعرف بالـ “هيركات” من جهة ثانية، وثالثا في بلد لم يكد جزء من شعبه يخرج من الشارع بعد انتفاضة شعبية امتدت منذ 17 تشرين الاول الماضي، وركزت في جانب منها على رفض السياسة المالية في لبنان، وعكست هذا الرفض بمحاصرة المصارف والاعتداء على فروع كثيرة في غير منطقة. واذا كان اللبنانيون يطالبون قبل اي خطوة مالية تطاولهم، البدء باستعادة الاموال المنهوبة من الخزينة العامة، وتحصيل عائدات الدولة من الاملاك البحرية، وايضا الاملاك البرية المصادرة، ومن التهرب الجمركي والضريبي، فانهم يعرفون ان في الامر شبه استحالة لان “حاميها حراميها”، وبالتالي لا يمكن للطبقة الحاكمة ان تحاسب نفسها، وازلامها. ففي جردة على مصادري الاملاك البحرية قائمة طويلة من السياسيين وافراد عائلاتهم تحول دون تحصيل الرسوم والضرائب التي اقرت سابقا ولم تسدد حتى تاريخه، وهي ارقام هزيلة اصلا لا تطابق القيمة الفعلية لهذه الاستثمارات. اضف الى ذلك ان التهريب عبر المعابر غير الشرعية يتم بغطاء رسمي من اجهزة امنية، لاحزاب فاعلة في السلطة، ولسياسيين يشاركون امنيين في لبنان وسوريا هذه المصالح.

من جهة ثانية، واذا كانت المصارف شريكة الطبقة السياسية في كثير من المفاصل، وقد حققت ارباحا طائلة من السياسات المالية المغطاة من اهل السياسة، فيبدو ان عشاق الامس بدأوا يتفرقون. فالمصارف وقعت في شرك طمعها، ولم تعد قادرة على تحصيل اموالها المودعة لدى مصرف لبنان لقاء فوائد مرتفعة، لان الاخير صرفها على رواتب واجور القطاع العام، وعلى ديون الكهرباء، وعلى مشاريع وهمية لم ينفذ معظمها، او انها نفذت دون المواصفات بتكلفة خيالية.




الدولة غير قادرة اليوم على سداد ما عليها لمصرف لبنان، وتبحث عن مداخيل اضافية من ضرائب ورسوم تشل القطاعات الانتاجية كلها. ومصرف لبنان بات عاجزا عن الايفاء بالتزاماته للمصارف، فوقعت الاخيرة في المحظور حيال المودعين الذين يريدون اموالهم المستحقة. حلقة مفرغة لم تجد حلا الا في الاستقواء على الناس العاديين، بعدما هرب كبار المودعين اموالهم واستثماراتهم الى الخارج على دفعات وفي اوقات مختلفة. شركة “لازار” للاستشارات المالية اقترحت على الحكومة وضع اليد على الودائع، وتحويلها اسهما تعطى للمودعين، من ضمن اقتراحات كثيرة ركزت على القطاع المصرفي، من دون التركيز على تفعيل الانتاج، واعادة تحريك قطاعات صناعية وزراعية مهملة.

جمعية المصارف، التي استاءت من الاستشارة المالية، ردت بالطريقة عينها، اي خرجت من البيان المحلي، الى شركة “هوليهان لوكي” المستشار المالي للجمعية اللبنانية في نيويورك التي وجهت رسالة الى الحكومة اللبنانية مؤرخة في 9 نيسان، اي بعد يوم واحد من تسريب خطة “لازار” للنهوض الإقتصادي، ووقعها أحد رئيسي الاستشاري القانوني ‏لشركة ‏‏”هوليهان لوكي” للشرق الأوسط وشمال افريقيا جوزف جوليان. وقد ظهرت في هذه الرسالة نقاط خلاف كثيرة بين ‏الجانبين حول مسودة ‏خطة الحكومة المالية.‏

وعبّرت الرسالة عن خيبة أمل جمعية المصارف الشديدة من نهج الحكومة التي اختارت بوضوح استراتيجية إلقاء اللوم في الأزمة المالية على القطاع المصرفي وفرض العبء المالي لحل هذه المشكلة على الجمهور اي المودعين.

وتابعت “هوليهان لوكي” أنه كان ينبغي على الحكومة القيام بدراسة شاملة ومستقلة للوضع المالي الحالي، ومشاركة هذه الدراسة كجزء من جهد بنّاء يعبّر عن حسن نية للعمل مع أصحاب المصلحة الرئيسيين، وذلك بهدف الوصول إلى خطة شاملة وعادلة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة المالية.

وانتقدت اللجوء إلى أساليب تقليدية مثل الـ “هيركات” التي لا تعالج المشكلة بشكل جذري لأن الدين الأجنبي في لبنان يشكّل نسبة صغيرة من إجمالي الدين العام.

وتابعت: يعتبر القطاع المصرفي السليم جزءًا لا يتجزأ من أي خطة انتعاش ناجحة بالنظر إلى أنه سيكون ‏وسيظل كذلك المصدر الوحيد لتمويل الاقتصاد الحقيقي. اليوم، لدى البنوك التجارية، بشكل إجمالي، تقريبا ‏46 مليار دولار من مطالبات القطاع الخاص اللبناني (100٪ من الناتج المحلي الإجمالي). ‏المصارف التجارية اللبنانية هي أكبر دائرة من حاملي سندات اليورو، والتي ينبغي استخدامها لصالح الحكومة والبلد ككل لوضع خطة إعادة هيكلة موثوقة تضمن معالجة عبء الديون الثقيل ‏مع حماية صحة القطاع المصرفي، والأهم من ذلك، أموال المودعين”.

وأكملت أن الحل المقترح بفرض “هيركات” على الودائع، يهمل حقيقة أن المودعين، ومن خلال المصارف التجارية، كانوا يقدّمون التمويل للحكومات المتعاقبة، وبدلاً من قيام هذه الحكومات بالإستثمار المنتج وتحقيق النمو، تم استخدام الأموال بشكل أساسي لتمويل العجز. ولذلك، وقبل مطالبة المودعين بتحمّل المسؤولية مباشرة عن أي جزء من هذه المشكلة، يجب القيام بمراجعة كاملة ومستقلة للنفقات والتمويلات الحكومية ونشرها.

ويتفق “هوليهان لوكي” مع “لازار” حول ضرورة اللجوء إلى صندوق النقد الدولي من أجل تأمين حل فعّال، وتحذر من أن هذا التمويل الخارجي لن يتحقّق أبداً ما لم تتّبع الحكومة سياسة شفافة تشارك من خلالها جميع البيانات والمعلومات حول المالية العامة، بالإضافة إلى البدء بإصلاحات مالية واقتصادية وإدارية، وتقديم خطة شاملة ومستدامة لتمويل القطاعين العام والخاص، وأن تثبت الحكومة أنه سيتم الإلتزام بسداد المستحقّات التي تتوجّب على الدولة للدائنين.

المصدر: “النهار”