//Put this in the section //Vbout Automation

كورونا صفّارة إنذار توقظ البشرية – بقلم كاتيا سعد

هل كان العالم بحاجة إلى كورونا؟ لربما كان بأمسّ الحاجة لهذا الفيروس. وإذا قمنا بمسح شامل لما آلت إليه الحال قُبيل انتشاره وصولاً إلى فترة العزل والحجر الصحّي – العالمي، لوجدنا أنّه نعمة أكبر منه نقمة. والدليل على ذلك عندما يردّد البعض “لم نكن نعرف النعمة التي كنّا نعيش فيها قبل كورونا”. للحظة تشعر وكأن غشاء الشحم الذي يغلّف هذا الفيروس كما يفسّره الجسم الطبي، هو نفسه الغشاء الذي يغلّف حياة البشرية ويحجب عنها الاستمتاع بما تملكه. كيف لا وقد اعتاد الإنسان النظر إلى النصف الفارغ من الكوب، ونسبة ضئيلة كانت تقتنع “بما كتبه الله لها”. وهنا نستعيد القول المأثور، باللغة العامية: “شكور ربّك على ما لديك، غيرك ما عندو نصف اللي عندك”.

اليوم، لم يعد الحديث “هذا مسيحي وذاك مسلم أو بوذي أو أي ديانة أخرى”، ولا “هذا بشرته بيضاء وذاك سمراء”، ولا “هذه قوة عظمى وذاك عالم ثالث”، ولا “هذا ملياردير وذاك فقير”، ولا “هذا ابن سياسيّ وذاك ابن عامل” ولا ولا.. اليوم اضمحلّ الحديث حول السرطان أو “هيديك المرض” كما يسمّيه البعض.. اليوم لم نعد نكترث للانتخابات والصراع على كرسي الرئاسة أو المجلس.. اليوم، تنحّى انشغال روّاد التواصل الاجتماعي عن كيفية زيادة عدد المتابعين.. اليوم، لم يعد موضوع “قبل وبعد” عمليات التجميل هو الشغل الشاغل لدى الأكثرية.
ولكن اليوم فيروس كورونا هو سيّد الموقف. هذه الجائحة العالمية تحوّلت إلى هاجس عالمي، وتصدّرت أخبارها وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب وحتى الإلكتروني. تربّعت حملات التوعية للحدّ من انتشاره مختلف الوسائط الإعلامية والتكنولوجية على حساب أخبار الشائعات في عالم الفن بشكل خاص. تصدّى كورونا لكل التحدّيات التي هي بغالبيتها، كي لا أعمّم، “بلا طعمة” ليصبح أكبر وأهمّ تحدّي اليوم هو: إيجاد علاج فعّال لمرض الكورونا.




لماذا هذا التغيير الجذري؟ لأنّ كل تلك الاعتبارات “المضخّمة”، سقطت أمام فيروس غير مرئي نخر في العمود الفقري للعالم. بتنا نعيش في مرحلة “ما قبل وما بعد فيروس كورونا”. كان العالم برمّته يتخبّط من أجل صفقات جعلت الواقع أرضاً قاحلة من الإنسانية، تدوس عليها أقدام مليئة بحبّ المال والسيطرة. كاد العالم يتحوّل إلى غابة بفضل بعض الرؤوس المتعجرفة التي تتمسّك بمقولة “البقاء للأقوى” غير آبهة بالوسيلة التي تضعها في مركز قوة. ظنّ البعض بأن الخالق سمح له بالتقدّم والتطور على حساب أخيه الإنسان، وعلى حساب مبادئ الإنسانية. ولكن لا، فمهما علا شأنك يا إنسان في أي مجال كان، قد تحدث أي ثغرة توقظ ضعفك وعجزك. كورونا كانت صفعة للإنسان ليرتدّ عن أعماله التي تدمّر العالم والكون، وتقتل الإنسانية وتلوّث معالم البشرية. هو درس لا مفرّ منه للعالم، فقد ساوى الأشخاص ببعضها البعض بعيداً عن الدين والعرق والطبقة الاجتماعية والقوي والضعيف. و”المرجلة” في هذا الوقت ليست لا بالمال ولا بالقوة الجسدية ولا بالـ bodyguards، بل بمن يتعلّم أن يلوي طمعه وجشعه اللامتناهي.
فيروس كورونا قوة تحمي هذا الكون من الدمار الذي يصنعه الإنسان. أتى كمعجزة ليكشف المستور عن دول تُبهر العين من الخارج ومن الداخل طواقم هشّة. كل الدول خاصة تلك الملقّبة بالـ “القوة العظمى”، تتغنّى بقاعدتها التكنولوجية “الخارقة” لا سيّما في مجال الذرة والفضاء، وهي بالمقابل ذات أعمدة طبّية متصدّعة. وبغض النظر إن كان هذا الفيروس يأتي من حيث لا ندري، أو أنه من صنع الإنسان وخلفية جينية – سياسية، فالنتيجة واحدة: الكل يصلّي من أجل العالم، الكل يتّحد لمنع تفشّي الفيروس، الدول تجنّد أموالها وأدمغتها لإيجاد الحل، والقلق يعمّ الكرة الأرضية. نعم كنّا نعيش في النعيم قبل كورونا، ولكن هل “سنتنعمّ” ما بعد كورونا بأن نبني أوطاناً تعمل من أجل الإنسان وصحة البشرية؟

كورونا اليوم صفّارة إنذار، كي يعي الإنسان أنه يستحيل أن يبني على هذه الأرض عالماً ثانياً متوازياً ليحكمه على مزاجه، وكي يثبت أنّ كيان الإنسان أهمّ من أي ماكنة جامدة. على أمل أن تنتهي هذه الحقبة وألاّ تكون أجساد الموتى ومعاناة المصابين مجرّد رقم يُضاف إلى من سبقهم من ضحايا الحرب واستهتار الدول، وألاّ يعود الإنسان يتابع حياته من حيث توقّفت.