//Put this in the section

أسرار لم تُروَ عن ”عصا الأسد” عندما كانت تدافع عن الحريري!

أحمد عياش – النهار

ما زال ثمة الكثير مما يروى عن عبد الحليم خدام الذي فارق الحياة قبل أيام في منفاه الباريسي. ومن المهم في العودة الى حياة هذا الرجل والادوار التي اضطلع بها في نظام الاسد، الاب والابن، لغاية نهاية العام 2005، الاطلاع على ما له علاقة بلبنان، وتحديداً ما كان له صلة بالرئيس رفيق الحريري. فما هي الأسرار التي لم تُرو على هذا الصعيد؟




في اتصال لـ “النهار” مع شخصية سياسية لبنانية بارزة، تعيش حالياً في الخارج بعيدة من الاضواء، وطلبت عدم ذكر اسمها، يتبيّن ان هناك معطيات قد تكون جديرة بالاهتمام حول خدام. وفي هذه المعطيات من العبر التي انتهت اليها الوصاية السورية على لبنان. وفي الوقت نفسه، سترد تلميحات الى شخصيات تفادياً للإحراج.

في البداية، توضح هذه الشخصية مضمون عبارة “عصا الأسد” الواردة في عنوان هذا المقال. فقالت إن خدام كان يحمل هذا اللقب بجدارة نتيجة دفاعه المستميت عن نظام الرئيس حافظ الاسد. وتروي أن وزير خارجية الكويت الشيخ صباح الاحمد الصباح، والذي صار لاحقاً أمير دولة الكويت، سأل خدام على هامش احدى القمم العربية في عقد الثمانينات من القرن الماضي: “لماذا يا أبا جمال (خدام) تتخذ المواقف الحادة باسم سوريا؟”، فأجابه خدام: “يا أبا ناصر (صباح الاحمد)، أنتم لديكم النفط، أما نحن فلدينا اللسان”.

تروي هذه الشخصية أن وصول الرئيس رفيق الحريري الى مسرح النفوذ السوري، بحماية “عصا الاسد”، بدأ في النصف الاول في النصف الاول من عقد الثمانينات من القرن الماضي، وتحديداً بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. في ذلك الزمن كان يُرفق اسم الحريري بلقب “رجل الاعمال السعودي من أصل لبناني”. وكان اسم الحريري ولقبه يردان، في كل مرة يزور الأمير بندر بن سلطان سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن في ذلك الوقت، العاصمة السورية مكلفاً من الملك فهد بن عبد العزيز لتنسيق الجهود بين دمشق والرياض لإيجاد تسوية في لبنان تجنّبه ويلات إضافية للحرب . في تلك المرحلة، وفي بداية مرحلة تسلمّ الرئيس أمين الجميّل الرئاسة الاولى خلفاً لشقيقه بشير في الفصل الاخير من عام 1982، كانت تلوح مخاطر اندلاع نزاع جرت تسميته لاحقاً بـ “حرب الجبل” والتي نشبت في خريف عام 1983. وحاول الامير بندر الذي كان الحريري يرافقه دوماً بطلب من العاهل السعودي، إيجاد أرضية تفاهم بين الاطراف المتنازعين وبخاصة بين زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وبين “القوات اللبنانية” التي أسسها بشير الجميّل. واستعان الوسيط السعودي بالحريري لكي يجري الاتصالات بقصر بعبدا للوقوف على تصوّره بشأن الحلول. وقد تكررت الرحلات التي قام بها الحريري على متن طائرته الخاصة التي كانت تحطّ في قبرص ومن ثم يصل الى شرق بيروت على متن طوافة عسكرية يوفرها العميد جوني عبده رئيس جهاز المخابرات في الجيش اللبناني في ذلك الوقت. وعندما كانت المحادثات تطول مع الرئيس الجميّل ومساعديه، يضطر الحريري للمبيت في ضيافة الجنرال عبده. لينتقل في اليوم التالي الى لارنكا ومنها الى دمشق لينقل حصيلة المشاورات في لبنان.

عملية متابعة هذه المشاورات في دمشق كان يتولاها الامير بندر مع نائب الرئيس السوري خدام الذي كان بدوره يتولى تحضير اللقاءات مع الرئيس حافظ الاسد الذي كان مهتما جدا بمتابعة الملف اللبناني من كثب بعدما انحسر نفوذ جيشه في الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 الى منطقة ضهر البيدر وإمتداداً الى سهل البقاع ومنه الى الشمال. أما الحريري، فلم يرافق الأمير بندر الى أي من هذه اللقاءات مع المسؤولين السوريين، بل كان ينتظر في الفندق ريثما يعود لاحقاً الوسيط السعودي ليسافر معه الى الرياض.

وتروي هذه الشخصية أن الحريري بالإضافة الى هذه الاتصالات التي كان يجريها في بيروت الشرقية، كانت له علاقات مع شخصيات لبنانية في الضفة الاخرى من بيروت وهؤلاء كانوا كثرا ممن صاروا لاحقا في معسكري 8 و14 آذار. وكان الحريري حريصاً على توفير الدعم المادي لهذه الشخصيات في مرحلة إقتصادية حرجة غرق فيها لبنان بعد الاجتياح الاسرائيلي.

واستمرت الوساطة السعودية بالتنسيق مع دمشق. لكن بعد أشهر تبيّن أنها لم تصل الى نتيجة. بل مضت الاحداث في اتجاه معاكس، وترافق ذلك مع انحسار نفوذ عهد الرئيس الجميّل في إنتفاضة 6 شباط 1984 تحت لافتة رفض اتفاق 17 أيار وتصدّع وحدة الجيش اللبناني الذي تشرذم الى ألوية. وقبل أن تصل جهود الوساطة الى ترتيب الحوار اللبناني برعاية سعودية – سورية في لوزان بعد صدور بيان رسمي لبناني بإلغاء الاتفاق في آذار 1984، أطلّ صديق مشترك لخدام والحريري بوساطة لدى خدام لكي يجتمع الاخير بالحريري للمرة الاولى. ولما فاتح هذا الصديق خدام بفكرة اللقاء مبرراً ذلك بأن هناك فائدة ان تقف دمشق على المعطيات الكاملة لموقف عهد الجميل بدلاً من وصولها عبر وساطة قد تؤدي الى إختزال هذه المعطيات. لكن خدام رد قائلاً إن السلطات السورية تفضل أن تتعامل مع طرف رسمي سعودي بدلاً من ان تتعامل مع “رجل أعمال سعودي من أصل لبناني”. غير أن خدام عاد لاحقاً عن ممانعته لقاء الحريري ولو من باب الوقوف على ما لدى الاخير من معطيات.

وهكذا كان اللقاء الاول بين خدام والحريري في النصف الاول من ثمانينات القرن الماضي، بداية مرحلة طويلة إستمرت حتى 14 شباط 2005 عندما جرت تصفية رئيس وزراء لبنان الأسبق بانفجار هائل. ووفق معلومات الشخصية اللبنانية التي نستمد منها هذه المعطيات تبيّن لنائب الرئيس السوري (خدام) بعد لقائه الاول مع الحريري ان لدى الاخير فعلاً الكثير ما يضيفه على ما يصل الى القيادة السورية.

وتمضي العلاقات بين الحريري مع القيادة السورية عبر خدام قدماً الى الامام. إلا أن بداية هذه العلاقات لم تكن “النبأ السار” لكثير من حلفاء دمشق اللبنانيين في ذلك الوقت، وفق توصيف الشخصية نفسها. إذ ما ان علم هؤلاء الحلفاء بأمر هذه العلاقات حتى إشتعلوا غضبا والسبب انهم اعتادوا التعامل مع الحريري على أساس انه رجل اعمال سعودي فقط ينالون منه الدعم المادي من دون ان يكون للحريري أي نفوذ سياسي في ساحة يعتبرونها إمتيازاً خاصاً لا يقاسمهم فيها أحد. وعندما بلغ نبأ هذا الغضب أسماع خدام عالجه على طريقته الخاصة، فرتب موعداً لهؤلاء الحلفاء مستبقاً لقاءه بهم بإجتماع مع الحريري تجاوز في الوقت هذا الموعد فارضاً على الحلفاء الانتظار في مكتب سكرتير الوزير السوري الذي تعمّد ان يبلغ المنتظرين ان خدام يعقد اجتماعا “مهمّاً ” مع الحريري. ولما حان وقت اللقاء، أدرك حلفاء دمشق ان الحريري انتقل الى الصفّ الاول في العلاقات مع القيادة السورية، وتالياً، فهو لم يعد في حاجة الى وسيط بينه وبينها.

ماذا تحقق في هذه البداية من العلاقات بين الحريري والنظام السوري؟ في حلقة أخرى.