//Put this in the section
سمير عطا الله

احذروا الفقر الآتي – سمير عطاالله – النهار

يقول العالِم العراقي علي الوردي إنه كانت للمجتمع الجاهلي ثلاث خصائص: العصبة القبلية والغزو والشعر. وفي غياب الحكومة المركزية في ذلك المجتمع كان لا بد للبدو من اللجوء إلى التجمع القبلي لحماية انفسهم واموالهم. والبدوي غير المحمي بقبيلة، لا يستطيع أن يعيش في الصحراء طويلاً. يهاجر.

تنطبق اوصاف المجتمع الجاهلي كما وصفها الوردي، أو عبقري المؤرخين فيليب حتي، على واقع لبنان، الذي لا ادري إن كان في الإمكان اعتباره مجتمعاً، حتى في مقاييس عنترة وامرؤ القيس. فالحكومة المركزية هي في الواقع تقاسم للغنائم. ولا تكفّ كل قبيلة عن غزو الأخرى، في تسميات مدينية تسهِّل التلحّف بالعلم والقانون.




لذلك، يكون موضوع الصراع والتحارب دائماً هو الغنيمة، أو الحصة منها، كما يكون الحل دائماً في توليفة تعطى اسماً مزوراً كالتراضي والوحدة الوطنية وسواها من المصطلحات المتخلفة التي غابت في بلدان العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وارتقاء الاحزاب الى مؤسسات تابعة للناس، بعدما دمرت العالم بأحزاب هياجية كالفاشية والنازية، تتبعها الناس على النبض.

في جزء من الخدعة الحداثية، اختبأت القبائل خلف الطوائف، لكي تتمتع بحمايتها وحصانتها. لذلك، ترى السياسي نفسه يخطب اليوم في الغاء الطائفية وغداً في حقوق طائفته. وهوعلماني قبل الظهر، وطالبُ رضا مرجعيته الدينية بعد الظهر. ومن دون اي حرج، لأن هذه سمة الجميع، ومظهر المساواة الوحيد.

يقول فيليب حتي ان “القصيدة الجاهلية قوية في تركيبها اللغوي ولكنها صفيقة من حيث افكارها، لذلك، تفقد قيمتها حين تترجَم الى لغات اخرى”. حاول ان تقرأ بيانا سياسياً مترجماً في “الاوريان لوجور” او في “الدايلي ستار”. سوف يفقد نصف حجمه تلقائياً، إن لم يفقد حقه في النشر: رغو ولغو ولعي. لا يحدث ذلك في الصحف العربية لأن الشعر لغة الجاهلية. والشعر، كما يقول الوردي، حشّ من القواميس في سبيل القافية، وما الجوهر بشرط.

يقول جرجي زيدان في أثر الشعر على عقول الجاهليين: “… يقيمهم الشعر ويقعدهم. وقد يسمعون الكلمة فتطير لها نفوسهم، وربما بذل العربي حياته في سبيل كلمة يقولها، أو فراراً من كلمة يسمعها”، أو من أجل حصان او فرس. ويُترجم ذلك في الجاهلية اللبنانية بالوظيفة التي تعطى للأنساب والأصحاب، من اكياس الدولة وارزاق الناس، ومن دون اي معيار سوى الترضّي القبلي والولاء لشيخها.

لا يترك الجاهلي خلفه شيئاً. يغزو هنا ويغزو هناك وينتقل الى كلأ آخر. فالقيمة الوحيدة في حياته هي قبيلته ودفاعها عنه ودفاعه عنها. هي المحكمة وهي الحكم، والعفو صفقة بين اهل الجاني واهل القتيل. او في نظرة ابو نواس للخطيئة، خير هذا بشرّ ذاك، فإذا الله قد عفا.

عندما تصطدم ترسبات الجاهلية بحقائق العلم، تقع الصدمة الكبرى، اصطدام الرقم بالقافية، والغزو بالوزن. يقف الشاعر مباهياً فوق تلة من الرماد، كانت تُعرف إلى الأمس بالجبل الأخضر، وينشد والبحر نملأه سفناً. سفن هجرة وفقر ويأس وسفربرلك.

كلما توحشت الأنانية القبلية، نما على جوانبها ظلم المهمشين وازدادت ظلامتهم. مررنا بهذه المحنة من قبل، عندما أفقنا فرأينا الفقر قد أحاط بيروت بمدينة من الصفيح والغضب والنقمة. وكانت الحرب اللااخلاقية في حاجة إلى ذريعة اخلاقية، فوجدتها بالظلم اللاحق بالناس والغطرسة السياسية.

وثمة وطن من الصفيح ينمو كل يوم على مدى لبنان، فيما يدور الجدل الكبير، ليس حول مال الناس وحياتهم وكرامتهم الانسانية، بل حول مناصب المصرف المركزي. ومن اجل هذه المناصب، لا بسبب انهيار النقد وسقوط الاقتصاد الرسمي، وتحوّل المصارف الى “كاوبوي” تسطو هي على اموال المودعين، وليس بسبب نهاية لبنان كدور اقتصادي تاريخي في المنطقة، وليس بسبب الافلاس الكلّي في مواثيق الدولة الاخلاقية، وإنما بسبب حصتنا وحصتكم من الدمى التي يجب ان نسلّمها المال والقانون وكل ما تبقّى من قرار المصير.

الجائحة تجتاح كل شيء وأوليات الحكومة واهلها في اولويتين: المناصب، واجتياح خضرة لبنان وتسييل اشجاره الى عمولات وتصحير كل خصب فيه، تحت شعار مزوّر هو الشفة والرّي.

دولة لا تكفّ عن اصدار البيانات عن انجازاتها، ولا تتمهل لحظة في اطلاق الوعود بالبحار السبعة. ولأنها تنتقل في البلاد في مواكب معتمة، فإنها لا تشاهد ما لم نشهده في لبنان من قبل: رجال يفتشون عن اطفالهم في اكياس القمامة، وآلاف آخرون ينتظرون وصول الوجبة المجانية الى مساكن الذل الذي يقطنون فيه.

لا شيء مما نراه، رأيناه من قبل. لا علانية في الذاكرة مثل هذه العلانية. دائماً كان الاخراج الوطني مهماً. ودائماً كان حفظ الأدب جوهرياً لجميع الأفرقاء، ودائماً كان الحد الأدنى من الكبرياء الوطنية قاعدة لا يدوسها احد.

آخر الكوارث أن تصطدم الدولة حتى مع نفسها وتصفق الابواب الدوارة في وجه بعضها البعض. الوطن كله في رعب الملاجىء والدولة في الخارج تقتل على الرقع الأخيرة في ثوبه. العالم كله يتساءل كيف سيواجه ما بعد كورونا، ولبنان بين قضيتين: الحاكم ونواب الحاكم. وهذا فيما البنك نفسه والبنوك جميعاً في اسوأ اوضاعها منذ الزمن الذي كان فيه لبنان وبنوك لبنان، في عهدة وامانة مفكرين وانقياء عظماء، مثل ميشال شيحا.

من اجل انقاذ الدولة من القبلية في التعيين انشأ فؤاد شهاب المجالس التي تغربَل فيها الكفاءات. وفرض على التخلف صيغة حداثية تفتح الباب امام المساواة في الفرص بدل بوابات النهم والأنعام، المؤدية الى الزوال الذي نحن فيه.

بعد 60 عاماً من فؤاد شهاب لا تجد الدولة حرجاً أو حياء في الكشف امام الناس عن الصراع على سلوك القسر الاقطاعي في اختيار الموكل اليهم الابحار بلبنان في عواصف المصير. ما تزال الكفاءة هي مدى الاستزلام، والاستحقاق مدى الشراكة في الشره.