//Put this in the section

عين العاصفة واللون الرمادي! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

في عام 1970، صدر كتاب مهم، أثار اهتمام الملايين حول العالم، بسبب الفكرة الجديدة التي طرحها الكتاب. الكتاب اسمه «صدمة المستقبل»، وهو من تأليف عالم تحليل المستقبليات، الخبير الأميركي إلفين توفلر. وفيه يقوم المؤلف بتوضيح أن صدمة المستقبل هي وصف دقيق لحال الأفراد والمجتمعات النفسية والذهنية التي تواجه تغييرات كثيرة وجذرية وحادة في وقت قصير جداً. وفند الكاتب نفسه في كتابه التالي، الذي اختار له عنوان «الموجة الثالثة»، بعض التوقعات المستقبلية القادمة، ولعل أهمها كان «توظيف المعلومات» و«رقمنة المجتمع»، وشبه الناس هذا الاتجاه في توظيف التقنية المتصاعد، بما توقعه الكاتب الإنجليزي الشهير جورج أورويل في روايته «1984» التي توقعت مجتمعاً مراقباً مسيطراً عليه، بلا حقوق، ولا خصوصية. والرواية نشرت عام 1949، وعرف عن هذه الرواية سطر بالغ الدلالة وشديد العمق عندما يقول فيه «الكذبات المفيدة نفضلها على الحقائق المؤلمة». ولجورج أورويل مقولة مشهورة له: «التاريخ انتهى في عام 1939 وما نعرفه من بعد ذلك ما هو إلا بروباغندا»، وقال أيضاً: «في زمن الخداع العالمي يكون قول الحقيقة عملاً ثورياً». في كل حدث عالمي جلل، تأتي بعده حزمة من القرارات والأنظمة والقوانين التي تعبر عن أسلوب الحياة لدى البشر؛ آخرها كانت عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، عندما أصدرت الدول قوانين «مؤقتة» و«بسبب الظرف الطارئ» تتعلق بإجراءات الأمن والسفر والصيرفة، وتم الحصول على بيانات مهولة ذات طابع شخصي وغير مسبوق. انتهى الظرف «الطارئ»، ولكن بقي العمل بالقوانين «المؤقتة».

إن ما حدث كان أشبه بالنسخة الأحدث من نظام التشغيل الخاص بهاتفك الجوال، لا بد أن «تنزله»، وإلا أصبحت خارج منظومة التشغيل الكبرى. هناك لفظ معروف في دوائر صناعة المضمون «هوليوود»، وهو «البرمجة الاستباقية»، وهي تعني تهيئة العامة بمواد ترفيهية عما هو آت، ولعل أبرز تلك الأعمال التي كان فيها هذا المغزى، كان فيلم «راكض الشفرة» لهاريسون فورد، وفيلم «تقرير الأقلية» لتوم كروز، وفيلم «عدو الدولة» لويل سميث، وهي جميعاً تتحدث عن انتهاء الخصوصية وغياب الحريات، والرقابة، والسيطرة الكلية في المجتمع الرقمي الجديد والشمولي.




عندما أطلق ستيف جوبز، مؤسسة شركة «آبل» اختراعه الفذ؛ ذلك الهاتف الذكي المعروف بـ«آي فون»، كان في مخيلته، ومن أهدافه، أن يكون الجهاز ذا شكل واحد وموديل واحد فقط، وأزرار تحكم واحد فقط يعتمد الإنسان في تشغيله على أصبع واحد. تبسيط ما بعده تبسيط. ولكن من خطة جوبز أيضاً كانت أن يكون لكل مستخدم شريحة برقم هاتف واحد، يستخدمه بدون تجوال حول العالم، مرتبط مباشرة بالأقمار الصناعية. وطبعاً رفضت الدول وأجهزتها التشريعية والرقابية، إضافة إلى مقدمي خدمات الاتصالات، ذلك، لأنهم سيفقدون الرقابة والتحكم والموارد المالية العظيمة الممكنة. ولذلك لفت نظري عندما حذر مدير عام منظمة الصحة الدولية تيدروس أدهانوم، في أكثر من مرة، بعدم استخدام العملات الورقية، لأنها غير صحية وضارة وتنقل العدوى، وهي على ما يبدو مقدمة لإلغاء التعامل النقدي الورقي، واللجوء إلى التعامل المصرفي الرقمي الإلكتروني، وفي ذلك تكريس للرقابة والسيطرة والتحكم، تسحب حساباً، وتلغي حسابات، وتجمد حسابات من دون إمكانية الاعتراض. ومع هذا الاتجاه المتصاعد، كل صوت يحذر من صدمة المستقبل، ويعد تقريراً صحافياً، أو يكتب مقال رأي، تنفتح عليه نيران تتهمه بأنه من أتباع نظرية المؤامرة، أو صناع الأخبار الكاذبة، إلى آخر الاتهامات الرائجة، وهي عدم الوطنية.

صناعة القلق والخوف أدوات معروفة عبر الأزمان، وهناك خيط رفيع وحاد بين التعامل مع الحدث واستغلال الحدث. وفي عين العاصفة، تكون الرؤية ضعيفة، فيطغى على العين اللون الرمادي بعيداً عن الوضوح المتاح على الأبيض والأسود، وعليه يبقى الاعتماد على البصيرة.

هناك رقمنة متواصلة، وبوتيرة متسارعة، وفي ظاهرها أقوى المستفيدين من ذلك سيكون القطاع الصحي، الذي سيصب أيضاً في انطلاق التعليم الطبي، فسيكون هناك احتياج متعاظم للكوادر الطبية، مما سيولد ضغطاً لتقليص الفترة الزمنية الطويلة جداً لدراسة الطب والتأهل للعمل، وكل ذلك يشكل فجوة نفسية تعيق الراغبين في المجال عن الدخول فيه.

بسرعة الضوء، وبوتيرة عظيمة، الخطوات الكبرى لرقمنة المجتمع حول العالم قد بدأت وتيرتها في الارتفاع. اربطوا الأحزمة وشدوها جيداً.