//Put this in the section //Vbout Automation

في زمن الكورونا .. هل نتخلى عن أجدادنا (تاريخنا)

مسعود محمد

تنطوي الإصابة بفيروس كورونا على مخاطر جدية بالنسبة لكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.




في الوقت الذي تتعالى الأصوات داعية الى ترك المسنين المصابين بالوباء، لمصيرهم وتوفير العناية الطبية المحدودة، للشباب لإعطائهم فرصة خوض غمار الحياة، بإعتبار أن كبيري السن قد حصلوا على فرصتهم. في هذا الإطار إنتشرت قصص مخيفة تظهر مشهدا لا إنسانيا حيث، أعلنت وزارة الدفاع في إسبانيا أن عسكريين ممن يساعدون في مكافحة انتشار وباء كورونا، عثروا على نزلاء دور لرعاية المُسنّين بدون من يرعاهم، وآخرين موتى على أسرّتهم. وإنتشر كلام عن مفاضلات أجراها أطباء إيطاليون في مسألة تقديم العلاج للشباب، وترك كبار السن لمصير محتوم.

الموضوع برمته يضعنا أمام مسألة أخلاقية لها علاقة بالعائلة، والأسلوب الإستهلاكي، وتوحش رأس المال، ولعنصرية المفاضلة فيما بين جيلين يربطان الماضي بالمستقبل، ويكملان المشهد الإنساني.

قلت لأمي السبعينية التي مازالت تحتضن العائلة، وتسند كل منا في أزماته، إذا كانت المفاضلة فيما بين حياتي وحياتك، فأنا أطلب من الله أن أن يأخذ من عمري ويهبك إياه، قالت برد عفوي ” سأفديك بروحي إذا إقتضى الأمر”، لتكمل الحديث وتقول ” موضوع المفاضلة برمته خطأ، فسنة الحياة هي أن يسلم جيل لجيل دون إلغاء دور أي من الأجيال، فالأدوار تتبدل، لتصبح الأم جدة ويصبح الإبن أبا، ويبقى لكل منهم دوره”.

هذا الكلام أعادني لنقاش جميل فيما بيني وبين إبنتي لين حول ما يمكن أن يترتب على مواقفي السياسية وقالت لي “إذا كان الثمن كبير لدرجة حرماني من الذهاب الى لبنان بسبب المخاطر التي تنشأ عن مواقفك السياسية، فأنا أفضل الحياة بلا سياسة”. لبنان بجزىء منه بالنسبة للين هو ما يريدون إقناعنا بالتخلي عنه لأنه إستهلك وأصبح خردة قديمة يجب رميها.

لبنان بالنسبة للين الى جانب طبيعته وصخبه هو جدتها أمي التي تعد لها البيض المقلي كما تشتهي، وورق العنب، والكوسا بلبن، لبنان بالنسبة للين هو (تيتا نازك)، جدة والدتها تلك السيدة الطيبة التي أعطت أولادها وأحفادها وأبناء أحفادها بلا حدود، وتضع لين صورة تجمعهما بها كخلفية لوسائل تواصلها الإجتماعية، تعبيرا عن حبها وإحترامها لها.

هل أصبح لزاما علينا أن نقنع لين أن جدتيها خردة لا لزوم لهما ويجب تركهما لا سمح الله إذا ما أصيبا بالوباء، بلا علاج، وفصلهما عن العائلة، وإنها يمكن أن تعوض ورق العنب بقطقة برغر سريعة التحضير؟

قبل ان اقنع لين علي أن أقنع نفسي بالتخلي عن صورة جدي أبو علي، صورته مع المارتينه، وخلفه المتراس، تلك الصورة التي أعرضها في بيتي بفخر، جدي الذي شارك في ثورة ال 58، وتصدى مع رفاقه للإنزال الأميركي في لبنان، وأسر مع رفاقه جندي أميركي مما أجبر رئيس الوزراء صائب سلام للإتصال بهم، لتسليمه الجندي مع سلاحه، جدي الذي يخبرني عن قصص الهجرة الأولى، للكرد من تركيا بإتجاه لبنان، جدي الذي يطلب مني أن أجلس قريبا منه، ويسألني عن أخبار السياسة، ويتكلم عن الدولة الكردية كواقع وليس كحلم. جدي العاشق الذي لم يكف عن الغرام، فهو رغم سنه المتقدم، مازال يدلل جدتي، ويسمعها كلمات تطرب الأذن، هل المطلوب مني التعامل مع جدي كخردة؟

من قال أن دور جدتي إنتهى، وهي التي تعلمت كيفية إستخدام الواتس أب والفايبر، وغيره من وسائل الإتصال لتتصل بأولادها وأحفادها وتبقى على تواصل معهم رغم بعد المسافات.

صديقتي الإيطالية الفخورة بإسمها التي سميت بإسم جدتها التي كانت عضو في الحزب الشيوعي الإيطالي، وشاركت في قتال الفاشية،وصنع مستقبل إيطاليا، وديمقراطيتها هل المطلوب منها الآن أن تدفن جدتها وتاريخها في التصدي للفاشية، والإنعزال في بيتها وحيدة، بلا أم وبلا أب وبلا جدة تخبرها حكايات المقاومة؟

ربما هي من المرات النادرة التي تعلن فيها أنظمة ديمقراطية حالة الطوارئ، ومنع التجول، ونزول الجيوش إلى الشوارع، دون أن يقف ضد هذه الخطوة التي تنتهك أبسط قواعد حقوق الإنسان، لا حزب معارض ولا منظمة حقوقية، ولا أي فئة بالمجتمع.

تعيش المجتمعات التي اجتاحها كورونا حالة من الذعر بأن يقضي الفيروس على شعوبها، وربما على الوجود الإنساني نفسه. وأعلن حظر السفر والتجول وأوقفت الفعاليات الثقافية والرياضية والفنية في العديد من البلدان، فهل انتهى عهد الحريات وحقوق الإنسان في الدول التي ناضلت طويلا من أجل أن تكون “كرامة الإنسان” فوق كل قانون؟ وكيف سيكون عليه حالها بعد زوال وباء كورونا؟

ما بعد أزمة كورونا ستحصل تغييرات كبيرة في نمط عيشنا، وعلينا التفكير والسعي الى تطوير مواجهتنا بعقل جمعي الكوارث الشبيهة بكورونا، بدل التفكير بعقل عنصري أناني، لا يفكر إلا بال “أنا”.

سيترتب على ذلك تغييرات في بعض المسائل، مثل الأنظمة الصحية، وطرق المواجهة الجماعية للكوارث على مستوى العالم، وأنظمة المطارات والسفر، ويمكن أن يفرض ذلك أيضًا إجراء تغييرات في سياسات عدد من الدول المتقدمة لمصلحة نظرة أكثر إنسانية، على اعتبار أن البشرية تعيش في عالم واحد، وأن أي خطر في أحد أجزائه يمكن أن يصيب بقية الأجزاء، إن كان على مستوى الصحة أو البيئة أو بؤر الصراع المنتشرة.

يبقى السؤال الأهم هل يسقط النظام الليبرالي ونشهد بلورة مشاريع جديدة ليس بالضرورة أن تكون شبيهة بتلك التي كانت في السابق عبر خلق ثنائية متنافسة، كتلك التي كانت فيما بين ما سمي حينها المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي، خاصة في ظل الكلام عن ثنائية صينية، أميركية، وهو كلام غير واقعي، ويحتاج الى الكثير من التدقيق، خاصة وأن الصين ليست دولة إشتراكية كما يشاع، وهي في الكثير من ممارساتها حيال الشعوب التي تعيش فيها أسوء من أكثر الرأسماليات تعسفا ولا إنسانية.

الصين التي تسعى اليوم، وبعد إعلان نجاحها التام في الانتصار على الوباء خلال فترة زمنية قياسية، إلى حصد النقاط السياسية على طاولة العولمة، وتتهم الدول القائمة على نظام الديمقراطية الليبرالية بالعجز عن احتواء الأزمات وحماية شعوبها بطرق فعالة.

وتحاول بذلك أن ترد على مسألة فتح حكومات هذه الدول الليبرالية مرارًا لملف حقوق الإنسان في الصين، لنجد أنه في زمن الكورونا، يجهد إعلام الدولة (الصينية) ذات الموروث الدكتاتوري لتطهير سجله عبر هجومه إعلاميًّا على الدول المشغولة بمكافحة الوباء.

الحكاية أبعد من الثنائيات، ولها علاقة ببقاء، البشرية، وبمجتمعات أكثر إنسانية، في الظل العزلة، والفردانية، والوحدانية، هل ننجح بإبتكار وسائل نضالية جديدة، لتساعدنا للتوجه نحو مجتمعات أكثر إنسانية؟

هذا التحدي مطروح أمام الجميع يسارا ويمينا ولا يمكن حصره بطرف دون آخر، فهذه الكرة الأرضية أصبحت بيتا صغيرا، وليس هناك من هو محمي في ظل أوبئة كالكورونا فهي أصابت الغني والفقير، الحاكم والمحكوم على السواء.